من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الصريفيني الْكَاتِب يعلم الْعمَّال حسن الصّرْف
حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن هِشَام، قَالَ: سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن عِيسَى، وَأَبا الْحسن الْإِيَادِي الْكَاتِب، يَقُولَانِ: إنَّهُمَا سمعا عبيد الله بن سُلَيْمَان، يَقُول: كنت بِحَضْرَة أبي، فِي ديوَان الْخراج بسر من رأى، وَهُوَ يَتَوَلَّاهُ، إِذْ ذَاك، إِذْ دخل علينا أَحْمد بن خَالِد الصريفيني الْكَاتِب، فَقَامَ لَهُ أبي قَائِما فِي مَجْلِسه، وَأَقْعَدَهُ فِي صَدره، وتشاغل بِهِ، وَلم ينظر فِي عمل حَتَّى نَهَضَ، ثمَّ قَامَ مَعَه، وَأمر غلمانه بِالْخرُوجِ بَين يَدَيْهِ.
فاستعظمت أَنا، وكل من فِي الدِّيوَان ذَلِك؛ لِأَن رسم أَصْحَاب الدَّوَاوِين، صغارهم وكبارهم، أَن لَا يقومُوا فِي الدِّيوَان لأحد من خلق الله ﷿، مِمَّن يدْخل إِلَيْهِم.
وَتبين ذَلِك أبي فِي وَجْهي، فَقَالَ لي: يَا بني، إِذا خلونا، فسلني عَن السَّبَب فِيمَا عملته مَعَ هَذَا الرجل.
قَالَ: وَكَانَ أبي يَأْكُل فِي الدِّيوَان، وينام فِيهِ، وَيعْمل عشيا.
فَلَمَّا جلسنا نَأْكُل، لم أذكرهُ، على أَن رَأَيْت الطَّعَام قد كَاد يَنْقَضِي، فَقَالَ لي: يَا بني شغلك الطَّعَام عَن إذكاري بِمَا قلت لَك أَن تذكرني بِهِ؟ فَقلت: لَا، وَلَكِن أردْت أَن يكون ذَلِك على خلْوَة.
فَقَالَ: يَا بني، هَذَا وَقت خلْوَة، ثمَّ قَالَ: أَلَيْسَ قد أنْكرت، أَنْت والحاضرون، قيامي لِأَحْمَد بن خَالِد، فِي دُخُوله وَخُرُوجه، وَمَا عاملته بِهِ؟ فَقلت: بلَى.
قَالَ: كَانَ هَذَا يتقلد مصر، فَصَرَفته عَنْهَا، وَقد كَانَت طَالَتْ مدَّته فِيهَا، فتتبعته، فوطئت آثَار رجل لم أجد أجمل مِنْهُ آثارا، وَلَا أعف عَن أَمْوَال السُّلْطَان والرعية، وَلَا رَأَيْت رعية لعامل أشكر من رَعيته لَهُ.
وَكَانَ الْحُسَيْن الْخَادِم الْمَعْرُوف بعرق الْمَوْت صَاحب الْبَرِيد بِمصْر، من أصدق النَّاس لَهُ، وَكَانَ مَعَ هَذَا من أبْغض النَّاس، وأشدهم اضطرابا فِي أخلاقه، فَلم أتعلق عَلَيْهِ بِحجَّة.
وَوَجَدته قد أخر رفع الْحساب لسنة مُتَقَدّمَة ولسنته الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَلم يستتمها لصرفي لَهُ عَنْهَا، وَلم ينفذهُ إِلَى الدِّيوَان، فَسَمتْهُ أَن يحط من الدخل، وَأَن يزِيد فِي النَّفَقَات والأرزاق، وَيكسر من البقايا، فِي كل سنة مائَة ألف دِينَار،
لآخذها لنَفْسي، فَامْتنعَ من ذَلِك فأغلظت لَهُ، وتوعدته، وَنزلت مَعَه إِلَى مائَة ألف وَاحِدَة للسنتين، وَحلفت بأيمان مُؤَكدَة، أَنِّي لَا أقنع مِنْهُ بِأَقَلّ مِنْهَا.
فَأَقَامَ على امْتِنَاعه، وَقَالَ: أَنا لَا أخون لنَفْسي، فَكيف أخون لغيري وأزيل مَا قَامَ بِهِ جاهي من العفاف؟ فقيدته وحبسته، فَلم يجب، وَأقَام مُقَيّدا فِي الْحَبْس شهورا.
وَكتب عرق الْمَوْت، صَاحب الْبَرِيد، إِلَى المتَوَكل يضْرب عَليّ، وَيحلف أَن أَمْوَال مصر لَا تفي بنفقتي ومئونتي، ويصف أَحْمد بن خَالِد، وَيذكر ميل الرّعية إِلَيْهِ، وعفته.
فَبينا أَنا ذَات يَوْم على الْمَائِدَة آكل، إِذْ وَردت عَليّ رقْعَة أَحْمد بن خَالِد، يسألني استدعاءه لمهم يلقيه إِلَيّ، فَلم أَشك أَنه قد غَرَض بالقيد وَالْحَبْس، وَقد عزم على الاستجابة لمرادي.
فَلَمَّا غسلت يَدي دَعوته، فاستخلاني، فأخليته، فَقَالَ: أما آن لَك يَا سَيِّدي أَن ترق لي مِمَّا أَنا فِيهِ، من غير ذَنْب أذنبته إِلَيْك، وَلَا جرم، وَلَا قديم ذحل، وَلَا عَدَاوَة.
فَقلت: أَنْت اخْتَرْت لنَفسك هَذَا، وَلَو أجبتني إِلَى مَا قد سَمِعت يَمِيني عَلَيْهِ، لتخلصت، فاستجب لما أُرِيد مِنْك.
فَأخذ يستعطفني، فَجَاءَنِي ضد مَا قدرته فِيهِ، وغاظني، فشتمته، وَقلت: هَذَا الْأَمر المهم الَّذِي ذكرت فِي رقعتك أَنَّك تُرِيدُ أَن تلقيه إِلَيّ هُوَ أَن تستعطفني، وتسخر مني، وتخدعني.
فَقَالَ: يَا سَيِّدي، فَلَيْسَ عنْدك الْآن غير هَذَا؟ فَقلت: لَا.
فَقَالَ: إِذا كَانَ لَيْسَ غير هَذَا، فاقرأ يَا سَيِّدي هَذَا.
وَأخرج إِلَيّ كتابا لطيفا مَخْتُومًا فِي ربع قرطاس ففضضته، فَإِذا هُوَ بِخَط المتَوَكل الَّذِي أعرفهُ إِلَيّ بالانصراف، وَتَسْلِيم مَا أتولاه إِلَى أَحْمد بن خَالِد، وَالْخُرُوج إِلَيْهِ مِمَّا يلْزَمنِي، وَرفع الْحساب إِلَيْهِ، والامتثال لأَمره.
فورد عَليّ ذَلِك أقبح مورد، لقرب عهد الرجل بشتمي لَهُ، وَأَنه فِي الْحَال تَحت مكارهي وحديدي فَأَمْسَكت مبهوتا.
وَلم ألبث أَن دخل أَمِير الْبَلَد فِي أَصْحَابه وغلمانه، فَوكل بداري، وَجَمِيع مَا أملكهُ وبأصحابي وغلماني وجهابذتي، وكتابي، وَجعلت أزحف من الصَّدْر حَتَّى صرت بَين يَدي أَحْمد بن خَالِد، وَهُوَ فِي قيوده.
فَدَعَا أَمِير الْبَلَد بحداد، ففك قيوده، فمددت رجْلي؛ ليوضع فيهمَا الْقَيْد، فَقَالَ لي: يَا أَبَا أَيُّوب، ضم أقدامك، ووثب قَائِما، وَقَالَ لي: يَا أَبَا أَيُّوب: أَنْت قريب عهد بعمالة هَذَا الْبَلَد، وَلَا منزل لَك فِيهِ، وَلَا صديق، ومعك حرم وحاشية كَبِيرَة، وَلَيْسَ تسعك إِلَّا هَذِه الدَّار، وَكَانَت دَار العمالة،
وَأَنا أجد عدَّة مَوَاضِع، وَلَيْسَ لي كَبِير حَاشِيَة، وَمن نكبة خرجت، فأقم بمكانك.
وَخرج، وَصرف التَّوْكِيل عني، وَعَن الدَّار، وَأخذ كتابي وأسبابي إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرف قلت لغلماني: هَذَا الَّذِي نرَاهُ فِي النّوم، انْظُرُوا من وكل بِنَا؟ فَقَالُوا: مَا وكل بِنَا أحد.
فعجبت من ذَلِك عجبا شَدِيدا، وَمَا صليت الْعَصْر حَتَّى عَاد إِلَيّ جَمِيع من حمله مَعَه من المتصرفين وَالْكتاب والجهابذة، وَقَالُوا: أَخذ خطوطنا بِرَفْع الْحساب، وأمرنا بالملازمة، وأطلقنا، فازداد عجبي.
فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، باكرني مُسلما، ورحت إِلَيْهِ فِي عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم مُسلما عَلَيْهِ.
فأقمت على ذَلِك ثَلَاثِينَ يَوْمًا، يَغْدُو إِلَيّ، وأروح إِلَيْهِ، وَرُبمَا غَدَوْت أَنا، وَرَاح هُوَ وهداياه، وألطافه تَأتِينِي فِي كل يَوْم من الْفَاكِهَة، والثلج، وَالْحَيَوَان والحلوى.
فَلَمَّا كَانَ بعد ثَلَاثِينَ يَوْمًا، جَاءَنِي، فَقَالَ لي: قد عشقت مصر يَا أَبَا أَيُّوب، وَالله مَا هِيَ طيبَة الْهَوَاء، وَلَا عذبة المَاء، وَإِنَّمَا تطيب بِالْولَايَةِ والاكتساب، وَلَو دخلت إِلَى سر من رأى، لما أَقمت إِلَّا شهرا حَتَّى تتقلد أجل الْأَعْمَال.
فَقلت لَهُ: وَالله، مَا أَقمت إِلَّا توقعا لأمرك فِي الْخُرُوج.
فَقَالَ: أَعْطِنِي خطّ كاتبك، بِأَن عَلَيْهِ الْقيام بِالْحِسَابِ، واخرج فِي حفظ الله، فأحضرت كاتبي، وَأخذ خطه كَمَا أَرَادَ، وتسلمه، وَقَالَ: اخْرُج فِي أَي وَقت شِئْت.
فَخرجت من غَد، فَخرج هُوَ وأمير الْبَلَد وخاصته، ووجوه أَهله، فشيعوني إِلَى ظَاهر الْبَلَد، وَقَالَ لي: تقيم فِي أول منزل على خَمْسَة فراسخ، إِلَى أَن أزيح عِلّة قَائِد يصحبك إِلَى الرملة، فَإِن الطَّرِيق فَاسد.
فاستوحشت من ذَلِك، وَقلت: هَذَا إِنَّمَا غرني حَتَّى أخرج كل مَا أملكهُ، فيتمكن مِنْهُ فِي ظَاهر الْبَلَد، فيقبضه، ثمَّ يردني إِلَى الْحَبْس وَالتَّوْكِيل والمطالبة، ويحتج عَليّ بِكِتَاب يذكر أَنه ورد عَلَيْهِ ثَانِيًا.
فَخرجت، وأقمت بالمرحلة الَّتِي أَمر بهَا، مستسلما، متوقعا للشر، إِلَى أَن رَأَيْت أَوَائِل عَسْكَر مقبل من مصر.
فَقلت: لَعَلَّه الْقَائِد الَّذِي يُرِيد أَن يصحبني، أَو لَعَلَّه الَّذِي يُرِيد أَن يقبض عَليّ بِهِ، فَأمرت غلماني بِمَعْرِِفَة الْخَبَر.
فَقَالُوا: قد جَاءَ أَحْمد بن خَالِد الْعَامِل بِنَفسِهِ.
فَلم أَشك إِلَّا أَن الْبلَاء قد ورد بوروده، فَخرجت من مضربي، فَلَقِيته وسلمت عَلَيْهِ، فَلَمَّا جلس، قَالَ: أخلونا، فَلم أَشك أَنه للقبض عَليّ، فطار عَقْلِي، فَقَامَ من كَانَ عِنْدِي، وَلم يبْق غَيْرِي وَغَيره.
فَقَالَ: أعلم أَن أيامك لم تطل بِمصْر، وَلَا حظيت بكبير فَائِدَة، وَذَلِكَ الْبَاب الَّذِي سألتنيه فِي ولايتك فَلم أَسْتَجِب إِلَيْهِ، إِنَّمَا أخرت الْإِذْن لَك فِي الِانْصِرَاف من أول الْأَمر إِلَى الْآن؛ لِأَنِّي تشاغلت بالفراغ لَك مِنْهُ، وَقد حططت من الِارْتفَاع، وزدت فِي النَّفَقَات، فِي كل سنة خَمْسَة عشر ألف دِينَار، تكون للسنتين ثَلَاثِينَ ألف دِينَار، وَهُوَ يقرب وَلَا يظْهر،
وَيكون أيسر مِمَّا أردته مني ذَلِك الْوَقْت، وَقد تشاغلت بِهِ حَتَّى جمعته لَك، وَهَذَا المَال على البغال قد جئْتُك بِهِ، فَتقدم إِلَى من يتسلمه.
فتقدمت بِقَبْضِهِ، وَقبلت يَده، وَقلت: وَالله، قد فعلت يَا سَيِّدي مَا لم تَفْعَلهُ البرامكة، فَأنْكر ذَلِك، وتقبض مِنْهُ، وَقبل يَدي.
وَقَالَ: هَهُنَا شَيْء آخر أُرِيد أَن تقبله.
فَقلت: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: خَمْسَة آلَاف دِينَار قد استحققتها من أرزاقي، فامتنعت من ذَلِك، وَقلت: فِيمَا تفضلت بِهِ كِفَايَة.
فَحلف بِالطَّلَاق، أَنِّي أقبلها مِنْهُ، فَقَبلتهَا.
ثمَّ قَالَ: وَهَهُنَا ألطاف من هَدَايَا مصر، أَحْبَبْت أَن أصحبك إِيَّاهَا، فَإنَّك تمْضِي إِلَى كتاب الدَّوَاوِين ورؤساء الحضرة، فَيَقُولُونَ لَك: وليت مصر، فَأَيْنَ نصيبنا من هَدَايَاهَا؟ وَلم تطل أيامك، فتعد لَهُم ذَلِك، وَقد جمعت لَك مِنْهُ مَا يشْتَمل عَلَيْهِ هَذَا الثبت.
وَأخرج إِلَيّ درجا فِيهِ ثَبت جَامع لكل شَيْء فِي الدُّنْيَا حسن طريف، جليل الْقدر، من ثِيَاب دبيقي، وقصب، وخدم، وبغال، ودواب، وحمير، وفرش، وَطيب، وجوهر، حَتَّى أَقْلَام ومداد، مَا يكون قِيمَته مَالا كثيرا.
فَأمرت بتسلمه، وزدت فِي شكره.
فَقَالَ لي: يَا سَيِّدي، أَنا مغرى بحب الْفرش، وَقد اسْتعْمل
لي فرش بَيت أرمني، وَهُوَ عشر مصليات بمخادها، ومساندها، ومساورها، ومطارحها، وبسطها، وَهُوَ مَذْهَب بطرز مذهبَة، قد قَامَ عَليّ بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، على شدَّة احتياطي، وَقد أهديته لَك، فَإِن أهديته للوزير عَبدك، وَإِن أهديته للخليفة ملكته بِهِ، وَإِن أبقيته لنَفسك وتجملت بِهِ، كَانَ أحب إِلَيّ، قَالَ: وَحمله، فَمَا رَأَيْت مثله قطّ، وَلَا سمحت نَفسِي بإهدائه إِلَى أحد،
وَلَا اسْتِعْمَاله، وَمَا ابتذلت مِنْهُ شَيْئا غير هَذَا الصَّدْر وَمُسْنَده ومساوره، يَوْم إعذارك، أفتلومني على أَن أقوم لهَذَا الرجل، يَا بني؟ فَقلت: لَا وَالله يَا أَبَت، وَلَا على مَا هُوَ أَكثر من الْقيام، لَو كَانَ مستطاعا، فَكَانَ أبي بعد ذَلِك، إِذا صرف رجلا، عَامله بِكُل جميل، وَيَقُول: علمنَا أَحْمد بن خَالِد حسن الصّرْف، أحسن الله جزاءه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع