تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْخَلِيفَة المعتضد يتخبر على وزيره

حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الْكَاتِب، الَّذِي كَانَ زوج ابْنه أبي مُحَمَّد المهلبي، وخليفته على الوزارة، وَكَانَ جده مُحدثا، قَالَ: حَدثنِي شُيُوخ الْكتاب: أَن الْقَاسِم بن عبيد الله الْوَزير، لما انْفَرد بالوزارة بعد موت أَبِيه، كَانَ يحب الشّرْب، واللعب، وَيخَاف أَن يتَّصل ذَلِك بالمعتضد، فيستنقصه، وينسبه إِلَى الصبيانية والتهوك فِي اللَّذَّات، والتشاغل عَن الْأَعْمَال، وَكَانَ لَا يشرب إِلَّا فِي الْأَحَايِين، على أخْفى وأستر مَا يُمكنهُ.

وَأَنه خلا يَوْمًا مَعَ جواريه، وَلبس من ثيابهن المصبغات، وأحضر فواكه كَثِيرَة، وَشرب، وَلعب، من نصف النَّهَار إِلَى نصف اللَّيْل، ونام بَقِيَّة ليلته، وَبكر إِلَى المعتضد على رسمه للْخدمَة، فَمَا أنكر شَيْئا.

وَبكر فِي الْيَوْم الثَّانِي، فحين وَقعت عين المعتضد عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ: يَا قَاسم، مَا كَانَ عَلَيْك لَو دَعوتنَا إِلَى خلوتك، وألبستنا مَعَك من ثِيَابك المصبغات.

قَالَ: فَقبل الأَرْض، وورى عَن الصدْق، وَأظْهر الشُّكْر على هَذَا الْبسط، وَخرج وَقد كَاد أَن يتْلف غما لوقوف المعتضد على هَذَا السِّرّ، وَكَيف رقى إِلَيْهِ، وَأَنه إِذا لم يخف عَلَيْهِ هَذَا الْقدر من أمره، فَكيف تخفى عَلَيْهِ مرافقه، فجَاء إِلَى دَاره كئيبا.

وَكَانَ لَهُ دَاره صَاحب خبر جلد يرفع إِلَيْهِ الْأُمُور، فَأحْضرهُ، وعرفه مَا جرى بَينه وَبَين المعتضد، وَقَالَ لَهُ: ابحث لي عَمَّن أخرج هَذَا الْخَبَر، فَإِن فعلت، زِدْت فِي رزقك وأجزتك بِكَذَا وَكَذَا، وَإِن لم تخرجه نفيتك إِلَى عمان، وَحلف لَهُ على الْأَمريْنِ.

فَخرج صَاحب الْخَبَر من حَضرته متحيرا كئيبا، لَا يدْرِي مَا يعْمل فِي يَوْمه ذَلِك، مفكرا كَيفَ يجْتَهد ويحتال، فَمَا وَقع لَهُ رَأْي يعْمل عَلَيْهِ.

قَالَ صَاحب الْخَبَر: فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، بكرت إِلَى دَار الْقَاسِم، زِيَادَة بكور على مَا جرى بِهِ رسمي، لفرط قلقي وسهري تِلْكَ اللَّيْلَة، ومحبتي للبحث.

فَجئْت وَلم يفتح بَاب دَار الْقَاسِم بعد، فَجَلَست، فَإِذا بِرَجُل زمن يزحف، فِي ثِيَاب المكدين، وَمَعَهُ مخلاة، كَمَا تكون مَعَ المكدين.

فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَاب جلس إِلَى أَن فتح، فسابقني إِلَى الدُّخُول، فولع بِهِ البوابون، وَقَالُوا لَهُ: أَي شَيْء خبرك يَا فلَان؟ وصفعوه، ومازحوه، ومازحهم، وطايبهم، وشتموه وشتمهم، وَجلسَ فِي الدهليز.

فَقَالَ: الْوَزير يركب الْيَوْم؟ قَالُوا: نعم، السَّاعَة يركب.

قَالَ: وَأي وَقت نَام البارحة؟ قَالُوا: وَقت كَذَا وَكَذَا.

فَلَمَّا رَأَيْته يسْأَل عَن هَذَا، خمنت عَلَيْهِ أَنه صَاحب خبر، فأصغيت إِلَيْهِ، وَلم أره أَنِّي حافل بأَمْره وَهُوَ يسْأَل، إِلَى أَن لم يبْق شَيْئا يجوز أَن يُعلمهُ البوابون، عَمَّن وصل إِلَى الْوَزير، وَمن لم يصل، وَمَتى خَرجُوا، إِلَّا سَأَلَهُمْ عَنهُ، وحدثوه هم، أَحَادِيث أخر، على سَبِيل الفضول.

ثمَّ زحف فَدخل إِلَى حَيْثُ أَصْحَاب الستور، فَأخذ مَعَهم فِي مثل ذَلِك، وَأخذُوا مَعَه فِي مثله.

ثمَّ زحف، فَدخل إِلَى دَار الْعَامَّة.

فَقلت لأَصْحَاب الستور: من هَذَا؟ فَقَالُوا: رجل زمن فَقير أبله طيب، يدْخل الدَّار يتَصَدَّق ويتطايب فيهب لَهُ الغلمان والمتصرفون.

فتبعته إِلَى أَن دخل المطبخ، فَسَأَلَ عَمَّا أكل الْوَزير، وَمن كَانَ مَعَه على الْمَائِدَة، وكل وَاحِد يُخبرهُ بِشَيْء، ثمَّ خرج يزحف، حَتَّى دخل حجرَة الشَّرَاب، فَلم يزل يبْحَث عَنهُ كل شَيْء، فَيحدث بِهِ، ثمَّ خرج إِلَى خزانَة الْكسْوَة، فَكَانَت صورته كَذَلِك، ثمَّ جَاءَ إِلَى مجْلِس الْكتاب فِي الدِّيوَان، فَتصدق، وَأَقْبل يسمع مَا يجْرِي، وَيسْأل الصَّبِي بعد الصَّبِي، وَالْحَدَث بعد الْحَدث، عَن الشَّيْء بعد الشَّيْء، ويستخبر الْخَبَر، فِي كل مَوضِع من تِلْكَ الْمَوَاضِع، ويستقيه، ويخلط الْجد بالمزح والتطايب بِكَلَامِهِ، وَالْأَخْبَار تنجر إِلَيْهِ، وتتساقط

عَلَيْهِ وَالْقطع والزلات تجيئه، وَهُوَ يمْلَأ المخلاة، فَلَمَّا فرغ من هَذَا أقبل رَاجعا يُرِيد الْبَاب.

إِلَى هُنَا بِاتِّفَاق الرِّوَايَتَيْنِ، ثمَّ قَالَ أَحدهمَا فِي حَدِيثه.

فَلَمَّا بلغ الْبَاب، قبضت عَلَيْهِ، وأدخلت بَيْتا، وأقفلت عَلَيْهِ، وَجَلَست على بَابه، فَلَمَّا خلا الْوَزير أعلمته بِهِ، فَقَالَ: أحضرني الرجل.

وَقَالَ الآخر: فَلَمَّا بلغ الْبَاب تَبعته، فَخرج حَتَّى جَاءَ إِلَى مَوضِع من الْخلد، فَدخل إِلَيْهِ فوقفت أنتظره، فَإِذا هُوَ بعد سَاعَة، قد خرج شَابًّا بِثِيَاب حسان، مَاشِيا، بِغَيْر قلبة، فتبعته حَتَّى جَاءَ إِلَى دَار بِقرب دَار الْخَادِم الْمُوكل بِحِفْظ دَار ابْن طَاهِر، فَدَخلَهَا.

فَسَأَلت عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِه دَار فلَان الْهَاشِمِي، رجل متجمل.

فرصدت إِلَى وَقت الْمغرب، فجَاء خَادِم من دَار ابْن طَاهِر، فدق الْبَاب، فَكَلمهُ من خوخة لَهُ، فَفتح لَهُ، وَرمي إِلَيْهِ برقعة لَطِيفَة، فَأَخذهَا الْخَادِم وَانْصَرف، فَجئْت، فطلبت من الْوَزير غلمانا، فَسلم إِلَيّ مَا طلبت، فبكرت فِي السحر على الدَّار الَّتِي فِي الْخلد، فَإِذا بِالرجلِ قد جَاءَ بزيه الَّذِي

دخل بِهِ دَاره بِقرب دَار ابْن طَاهِر، فكبسته فِي الْموضع، فَإِذا هُوَ قد نزع تِلْكَ الثِّيَاب، وَلبس ثِيَاب المكدين الَّتِي رَأَيْتهَا عَلَيْهِ أَولا.

فَحَملته، وغطيت وَجهه، وكتمت أمره، حَتَّى أدخلته دَار الْقَاسِم، وَدخلت إِلَيْهِ، فقصصت عَلَيْهِ الْخَبَر.

اتّفقت الْآن الرِّوَايَتَانِ.

فَلَمَّا فرغ الْقَاسِم من شغله، استدعاه، فَقَالَ لَهُ: اصدقني عَن أَمرك، أَولا ترى ضوء الدُّنْيَا، وَلَا تخرج من هَذِه الْحُجْرَة، وَالله، أبدا.

قَالَ: وتؤمنني؟ قَالَ: أَنْت آمن، فَنَهَضَ لَا قلبة بِهِ.

فتحير الْقَاسِم، وَقَالَ لَهُ: خبرك؟ فَقَالَ: أَنا فلَان الْهَاشِمِي، وَأَنا رجل متجمل، وَأَنا أتخبر عَلَيْك للمعتضد، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، وَأنزل فِي درب يَعْقُوب، بِقرب دَار ابْن طَاهِر، وَيجْرِي عَليّ المعتضد فِي كل شهر خمسين دِينَارا، فَأخْرج كل يَوْم من بَيْتِي، بالزي الَّذِي لَا يُنكره جيراني، فَأدْخل دَارا فِي الْخلد، بيَدي مِنْهَا بَيت بِأُجْرَة، فيظن أَهلهَا أَنِّي مِنْهُم، وَلَا يُنكرُونَ تَغْيِير الزي.

فَأخْرج من هُنَاكَ بِهَذِهِ الثِّيَاب، وأتزامن من الْموضع وألبس لحية فَوق لحيتي، مُخَالفَة للون لحيتي، حَتَّى إِذا لَقِيَنِي فِي الطَّرِيق، بالِاتِّفَاقِ، بعض من يعرفنِي، أنكرني.

فأمشي زحفا من الْخلد إِلَى دَارك، فأعمل جَمِيع مَا حَكَاهُ صَاحب خبرك، وأستقي أخبارك من غلمانك، وهم لَا يعْرفُونَ غرضي، فَيخْرجُونَ إِلَيّ من الْأَسْرَار، بالاسترسال، مَا لَو بذل لَهُم فِيهِ الْأَمْوَال مَا خَرجُوا بِهِ.

ثمَّ أخرج فأجيء إِلَى موضعي من الْخلد، فأغير ثِيَابِي، وَأعْطِي ذَلِك الَّذِي

اجْتمع لي فِي المخلاة للمكدين، وألبس ثِيَابِي الَّتِي يعرفنِي بهَا جيراني، وأعود إِلَى منزلي، فَآكل، وأشرب، وألعب، بَقِيَّة يومي.

فَإِذا كَانَ الْمغرب جَاءَنِي خَادِم من خدم دَار ابْن طَاهِر، مَنْدُوب لهَذَا، فأرمي إِلَيْهِ من روزنة لي، رقْعَة فِيهَا خبر ذَلِك الْيَوْم، وَلَا أفتح لَهُ بَابي.

فَإِذا كَانَ بعد تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا، جَاءَنِي الْخَادِم، فَأنْزل إِلَيْهِ، فَأعْطِيه رقْعَة ذَلِك الْيَوْم، ويعطيني جاري ذَلِك الشَّهْر.

وَلَوْلَا أَنِّي لم أر صَاحب خبرك، وَلَا فطنت لَهُ، لما تمّ عَليّ هَذَا، وَلَو كنت لحظته لَحْظَة وَاحِدَة، مَا خَفِي عَليّ أَنه صَاحب خبر، ولكنت أرجع من الْموضع الَّذِي أرَاهُ فِيهِ، فَلَا يعرف خبري، وَبعد ذَلِك، فَإِنَّمَا تمّ عَليّ هَذَا؛ لِأَن أَجلي قد حضر، فَالله، الله فِي دمي.

فَقَالَ لَهُ: اصدقني عَمَّا رفعته إِلَى المعتضد عني، فحدثه بأَشْيَاء رَفعهَا، مِنْهَا خبر الثِّيَاب المصبغة.

قَالَ: فحبسه الْقَاسِم أَيَّامًا، وأخفى أمره، وأنفذني إِلَى منزله، وَقَالَ: رَاع أَمرهم، وَانْظُر مَا يجْرِي.

فمضيت إِلَى دَاره الَّتِي وصفهَا بدرب يَعْقُوب، فَجَلَست إِلَى الْمغرب، فجَاء الْخَادِم، فصاح بِهِ.

فَقَالَت لَهُ الْجَارِيَة: مَا رَجَعَ الْيَوْم، وَهَذِه لم تكن عَادَته قطّ، وَقد، وَالله، أشفقنا أَن يكون قد حدث عَلَيْهِ حَادث لَا نعرفه، وَقَامَت قيامتنا فَانْصَرف الْخَادِم، وانصرفت.

وعدت أَيْضا الْمغرب من الْغَد، وَجَاء الْخَادِم، فَقَالُوا لَهُ: قد، وَالله، أيسنا مِنْهُ، وَلَا نشك فِي أَنه قد هلك، والمأتم قد أقيم عَلَيْهِ فِي منزل أَبِيه وعمومته.

فَانْصَرف الْخَادِم، وَجئْت إِلَى الْقَاسِم بالْخبر.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، ركب الْقَاسِم إِلَى المعتضد، فحين رَآهُ استدناه وساره، وَقَالَ لَهُ: يَا قَاسم، بحياتي، أطلق الْهَاشِمِي المتزامن، وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَنت آمن بعْدهَا أَن أنصب عَلَيْك صَاحب خبر، وَوَاللَّه لَئِن حدثت بِهِ حَادِثَة، لَا عرفت فِي دَمه غَيْرك.

فَقبل الأَرْض، وتلجلج وَانْصَرف، فَعَاد إِلَى منزله، وَحمد الله إِذْ لم يعجل عَلَيْهِ بِسوء، وَأخْبرنَا الْخَبَر، وَجَاء بالهاشمي، فَخلع عَلَيْهِ، وَوَصله بِمَال لَهُ قدر، وَصَرفه.

وانقطعت أخباره عَن المعتضد.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.