من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أَبُو الْعَتَاهِيَة يحبس لامتناعه عَن قَول الشّعْر
أَخْبرنِي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: حَدثنِي عمي الْحسن بن مُحَمَّد، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهرويه، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد ابْن أبي الْعَتَاهِيَة، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: لما امْتنعت من قَول الشّعْر وَتركته، أَمر الْمهْدي بحبسي فِي سجن الجرائم، فأخرجت من بَين يَدَيْهِ إِلَى الْحَبْس.
فَلَمَّا أدخلته دهشت، وَذهل عَقْلِي، وَرَأَيْت منْظرًا هالني.
فرميت بطرفي أطلب موضعا آوي فِيهِ، أَو رجلا آنس بمجالسته، فَإِذا أَنا بكهل حسن السمت نظيف الثَّوْب، تبين عَلَيْهِ سيماء الْخَيْر، فقصدته، فَجَلَست إِلَيْهِ من غير أَن أسلم عَلَيْهِ، أَو أسأله عَن شَيْء من أمره، لما أَنا فِيهِ من الْجزع والحيرة.
فَمَكثت كَذَلِك مَلِيًّا، وَأَنا مطرق مفكر فِي حَالي، فَأَنْشد الرجل:
تعودت مس الضّر حَتَّى ألفتهوأسلمني حسن العزاء إِلَى الصَّبْر
وصيرني يأسي من النَّاس واثقابِحسن صَنِيع الله من حَيْثُ لَا أَدْرِي
قَالَ: فاستحسنت الْبَيْتَيْنِ، وتبركت بهما، وثاب إِلَيّ عَقْلِي، فَأَقْبَلت على الرجل، فَقلت لَهُ: تفضل، أعزّك الله، بِإِعَادَة هذَيْن الْبَيْتَيْنِ.
فَقَالَ لي: وَيحك يَا إِسْمَاعِيل، وَلم يكنني، مَا أَسْوَأ أدبك، وَأَقل عقلك ومروءتك، دخلت، فَلم تسلم عَليّ تَسْلِيم الْمُسلم على الْمُسلم، وَلَا توجعت لي توجع الْمُبْتَلى للمبتلى، وَلَا سَأَلتنِي مَسْأَلَة الْوَارِد على الْمُقِيم، حَتَّى إِذا سَمِعت مني بَيْتَيْنِ من الشّعْر الَّذِي لم يَجْعَل الله فِيك فضلا، وَلَا أدبا، وَلَا جعل لَك معاشا غَيره، لم تتذكر مَا سلف مِنْك فتتلافاه، وَلَا اعتذرت مِمَّا قَدمته، وفرطت فِيهِ من الْحق، حَتَّى استنشدتني مبتدئا، كَأَن بَيْننَا أنسا قَدِيما، أَو معرفَة سالفة، أَو صُحْبَة تبسط المنقبض.
فَقلت لَهُ: تعذرني متفضلا، فَإِن دون مَا أَنا فِيهِ مَا يدهش.
فَقَالَ: وَفِي أَي شَيْء أَنْت؟ أَنْت إِنَّمَا تركت قَول الشّعْر الَّذِي كَانَ بِهِ قوام جاهك عِنْدهم، وسببك إِلَيْهِم، فحبسوك حَتَّى تَقوله، وَأَنت لَا بُد أَن تَقوله، فَتطلق وَأَنا يدعى بِي السَّاعَة، فأطالب بإحضار عِيسَى بن زيد، وَهُوَ ابْن رَسُول الله، ﷺ، فَإِن دللت عَلَيْهِ، لقِيت الله ﷿ بدمه، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ، خصمي فِيهِ، وَإِن لم أفعل، قتلت، فَأَنا أولى بالدهش والحيرة مِنْك، وَأَنت ترى احتسابي وصبري.
فَقلت: يَكْفِيك الله ﷿، وأطرقت خجلا مِنْهُ.
فَقَالَ لي: لَا أجمع عَلَيْك التوبيخ وَالْمَنْع، اسْمَع الْبَيْتَيْنِ واحفظهما، فأعادهما عَليّ مرَارًا حَتَّى حفظتهما.
ثمَّ دعِي بِهِ وَبِي، فَلَمَّا قمنا، قلت لَهُ: من أَنْت أعزّك الله؟ قَالَ: أَنا حَاضر، صَاحب عِيسَى بن زيد.
فأدخلنا على الْمهْدي، فَلَمَّا وقفنا بَين يَدَيْهِ، قَالَ لَهُ: أَيْن عِيسَى بن زيد؟ قَالَ: مَا يدريني أَيْن عِيسَى بن زيد، طلبته، وأخفته، فهرب مِنْك فِي الْبِلَاد، وأخذتني، فحبستني، فَمن أَيْن أَقف على مَوضِع هارب مِنْك وَأَنا مَحْبُوس؟ قَالَ لَهُ: فَأَيْنَ كَانَ متواريا، وَمَتى آخر عَهْدك بِهِ، وَعند من لَقيته؟ قَالَ: مَا لَقيته مُنْذُ توارى، وَلَا أعرف عَنهُ خَبرا.
قَالَ: وَالله، لتدلني عَلَيْهِ، أَو لَأَضرِبَن عُنُقك السَّاعَة.
فَقَالَ: اصْنَع مَا بدا لَك، أَنا أدلك على ابْن رَسُول الله ﷺ لتقتله، وَألقى الله ﷿، وَرَسُوله، وهما مطالبان لي بدمه؟ وَالله لَو كَانَ بَين جلدي، وثوبي، مَا كشفت عَنهُ.
فَقَالَ: اضربوا عُنُقه.
فَقدم، فَضربت عُنُقه من سَاعَته.
ثمَّ دَعَاني، فَقَالَ: أَتَقول الشّعْر، أَو ألحقك بِهِ؟ فَقلت: بل أَقُول الشّعْر.
قَالَ: أَطْلقُوهُ.
قَالَ مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن مهرويه: والبيتان اللَّذَان سمعهما أَبُو الْعَتَاهِيَة، من حَاضر، هما فِي شعره الْآن.
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ: وأنشدني بعض أَصْحَابنَا بَيْتا آخر، زِيَادَة:
إِذا أَنا لم أقنع من الدَّهْر بِالَّذِيتكرهت مِنْهُ طَال عتبي على الدَّهْر
وَوجد على مسطرة عَليّ بن أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى بَيت رَابِع لهَذَا، وَهُوَ:
ووسع صَدْرِي للأذى كَثْرَة الْأَذَىوَقد كنت أَحْيَانًا يضيق بِهِ صَدْرِي
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع