تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

القرمطي يبْعَث رَسُولا إِلَى المعتضد

حَدثنِي القَاضِي أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الْهَاشِمِي، قَالَ: سَمِعت الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي، يَقُول: لما أسرني أَبُو سعيد الجنابي القرمطي، وَكسر الْعَسْكَر الَّذِي كَانَ أنفذه المعتضد معي لقتاله، وحصلت فِي يَده أَسِيرًا، أَيِست من الْحَيَاة.

فَإِنِّي يَوْمًا على تِلْكَ الصُّورَة، إِذْ جَاءَنِي رَسُوله، فَأخذ قيودي، وَغير

ثِيَابِي، وأدخلني إِلَيْهِ، فَسلمت، وَجَلَست.

فَقَالَ لي: أَتَدْرِي لما استدعيتك؟ قلت: لَا قَالَ: أَنْت رجل عَرَبِيّ، وَمن الْمحَال أَن أستودعك أَمَانَة فتخفرها، وَلَا سِيمَا مَعَ مني عَلَيْك بِنَفْسِك.

فَقلت: هُوَ ذَاك.

فَقَالَ: إِنِّي فَكرت، فَإِذا لَا طائل فِي قَتلك، وَأَنا فِي نَفسِي رِسَالَة إِلَى المعتضد، لَا يجوز أَن يُؤَدِّيهَا غَيْرك، فَرَأَيْت إطلاقك، وتحميلك إِيَّاهَا، فَإِن حَلَفت لي أَنَّك تؤديها سيرتك إِلَيْهِ، فَحَلَفت لَهُ.

فَقَالَ: تَقول لَهُ: يَا هَذَا لم تخرق هيبتك، وَتقتل رجالك، وتطمع أعداءك فِي نَفسك، وتتبعها فِي طلبي، وإنفاذ الجيوش إِلَيّ، وَإِنَّمَا أَنا رجل مُقيم فِي فلاة، لَا زرع فِيهَا وَلَا ضرع، وَلَا غلَّة وَلَا بلد، وَقد رضيت لنَفْسي بخشونة الْعَيْش، والأمن على المهجة، والعز بأطراف الرماح، وَمَا اغتصبتك بَلَدا كَانَ فِي يدك، وَلَا أزلت سلطانك عَن عمل جليل، وَمَعَ هَذَا، فوَاللَّه لَو أنفذت إِلَيّ جيشك كُله، مَا جَازَ أَن تظفر بِي، وَلَا تنالني؛ لِأَنِّي رجل نشأت فِي هَذَا القشف، واعتدته أَنا ورجالي، وَلَا مشقة علينا فِيهِ، وَنحن فِي أوطاننا مستريحون، وَأَنت تنفذ جيشك من الجيوش والثلج، وَالريحَان والند، فيجيئون من الْمسَافَة الْبَعِيدَة، وَالطَّرِيق الشاسع، وَقد قَتلهمْ السّفر قبل قتالنا، وَإِنَّمَا غرضهم أَن يبلوا عذرا فِي موافقتنا سَاعَة، ثمَّ يهربون، وَإِن ثبتوا فَإِن مَا يلحقهم

من وعثاء السّفر وَشدَّة الْجهد أكبر أعواننا عَلَيْهِم، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن أحقق عَلَيْهِم حَتَّى ينهزمون، وَإِن استراحوا، فأقاموا، وَكَانُوا عددا لَا قبل لنا بِهِ، فيهزمونا، لَا يقدر جيشك على أَكثر من هَذَا، فأنهزم عَنْهُم مِقْدَار عشْرين فرسخا، وأجول فِي الصَّحرَاء شهرا، ثمَّ أكبسهم على غرَّة، فأقتلهم، وَإِن لم يستو لي هَذَا، وَكَانُوا متحرزين، فَمَا يُمكنهُم الطّواف خَلْفي فِي البراري والصحاري، ثمَّ لَا يحملهم الْبَلَد فِي الْمقَام، وَلَا الزَّاد، إِن كَانُوا كثيرين، فَإِن انْصَرف الْجُمْهُور مِنْهُم، وَبَقِي الْأَقَل، فهم قَتْلَى سيوفي، فِي أول يَوْم ينْصَرف الْجَيْش، وَيبقى من يتَخَلَّف، هَذَا إِن سلمُوا من وباء هَذَا الْبَلَد، ورداءة مَائه وهوائه الَّذِي لَا طَاقَة لَهُم بِهِ، لأَنهم نشئوا فِي ضِدّه، وربوا فِي غَيره، وَلَا عَادَة لأجسامهم بِالصبرِ عَلَيْهِ، ففكر فِي هَذَا، وَانْظُر، هَل يَفِي تعبك، وتغريرك بجيشك وعسكرك، وإنفاقك الْأَمْوَال، وتجهيزك الرِّجَال، وتكلفك هَذِه الأخطار، وتحملك هَذِه المشاق، بطلبي، وَأَنا مَعَ هَذَا خَالِي الذرع مِنْهَا، سليم النَّفس وَالْأَصْحَاب من جَمِيعهَا، وهيبتك تنخرق فِي الْأَطْرَاف عِنْد مُلُوكهَا، كلما جرى عَلَيْك من هَذَا شَيْء، ثمَّ لَا تظفر من بلدي بطائل، وَلَا تصل مِنْهُ إِلَى مَال وَلَا حَال، فَإِن اخْتَرْت بعد هَذَا محاربتي، فاستخر الله ﷿ وأنفذ من شِئْت، وَإِن أَمْسَكت فَذَاك إِلَيْك.

قَالَ: ثمَّ جهزني، وأنفذني مَعَ عشرَة من أَصْحَابه إِلَى الْكُوفَة، فسرت مِنْهَا إِلَى الحضرة.

وَدخلت على المعتضد، فتعجب من سلامتي، وَقَالَ: مَا خبرك؟ فَقلت: شَيْء أذكرهُ سرا لأمير الْمُؤمنِينَ.

فتشوف إِلَيْهِ، وخلا بِي، فقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة بأسرها، فرأيته يتمعط فِي جلده غيظا، حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيسير إِلَيْهِ بِنَفسِهِ.

وَخرجت من بَين يَدَيْهِ، فَمَا رَأَيْته ذكره بعد ذَلِك بِحرف.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الْخَامِس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.