تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الهائم الراوية يقتل أسودًا مصابًا بداء الْكَلْب

وحَدثني الهائم الراوية، قَالَ: كنت أَسِير من الشَّام، أُرِيد الْعرَاق، فَلَمَّا انْتَهَيْت إِلَى قَرْيَة فِي بعض الطَّرِيق، لَقِيَنِي خراساني مَعَه مخلاة.

فَقَالَ: أَيْن تُرِيدُ؟ فَقلت: بَغْدَاد.

فَقَالَ: أَنا رفيقك، فاصطحبنا وسرنا إِلَى قَرْيَة خراب على شاطئ الْفُرَات فِي بَريَّة الشَّام.

فَرَأَيْنَا على بَاب الْقرْيَة رجلا أسود، مُنكر الْخلقَة، عُريَانا، لَا يواريه شَيْء أَلْبَتَّة، فَعدا مجفلًا عَنَّا.

فَدَخَلْنَا الْقرْيَة، وَجَلَسْنَا فِي دَار خراب على شاطئ الْفُرَات، وأخرجنا زادًا كَانَ مَعنا، وأقبلنا نَأْكُل.

فَرَأَيْنَا الْحِجَارَة تجيئنا متداركة، حَتَّى خفنا أَن نهلك بهَا، وَمَا تمالكنا أَن نقوم إِلَّا بِجهْد.

وتأملنا أمرنَا، فَرَأَيْنَا الْأسود يرجمنا، فطلبناه، وطلبنا.

فَلَمَّا تداخلنا، رام الْأسود أَن يقبض عَليّ، فزغت مِنْهُ، فَقبض على الْخُرَاسَانِي، وَكَانَ الْخُرَاسَانِي أيدًا، فَمَا زَالا يتعاركان سَاعَة طَوِيلَة، ثمَّ انكب الْأسود على كتف الْخُرَاسَانِي فعضه.

فصاح الْخُرَاسَانِي: يَا بغدادي أدركني، فقد قتلني.

فدنوت من خلف الْأسود فقبضت على خصيتيه، ولكمتها لكمات شَدِيدَة فَخر مغشيًا عَلَيْهِ، وَقَامَ الْخُرَاسَانِي، فَجَلَسَ على صَدره، وخنقه بِيَدِهِ حَتَّى تلف.

وسرنا، والخراساني يَصِيح من ألم العضة، حَتَّى انتهينا إِلَى حِيَال قَرْيَة عامرة.

فصحنا بملاح، فَقدم زورقه لنعبر إِلَى الْقرْيَة، فَطرح الْخُرَاسَانِي نَفسه على الشط كالتالف.

فشجعته، وَقلت لَهُ: مَالك؟ وَأي شَيْء قدر عضة؟ فَقَالَ: وَيحك انْظُر إِلَيْهَا، فَنَظَرت إِلَيْهَا، فَإِذا هِيَ قد أخذت كتفه كلهَا، واسودت، واحمر بدنه كُله.

فَحَملته أَنا والملاح، حَتَّى حصلناه فِي الزورق، وعبرنا، فَلَمَّا صرنا بِقرب الشط، تلف، فأخرجناه مَيتا.

فَاجْتمع أهل الْقرْيَة وسألوا عَن شَأْنه، فحدثتهم الحَدِيث.

فَقَالُوا: قد فتحتم فتحا، وَقد سلمك الله أَنْت، وأراحنا من ذَلِك العَبْد هَذَا عبد آل فلَان، أَصَابَهُ دَاء الْكَلْب وتغرب فِي تِلْكَ الخرابات، وَقد قتل خلقا بالعض.

قَالَ: وتبادر قوم مِنْهُم يُرِيدُونَ الْموضع للأسود، وسرت أَنا فِي طريقي، وحمدت الله تَعَالَى على سلامتي من الْأسود.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.