تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

مَنْصُور بن زِيَاد يجْحَد نعْمَة يحيى الْبَرْمَكِي

وَذكر فِي هَذَا الْكتاب: دَعَا الرشيد صَالحا صَاحب الْمصلى، حِين تنكر للبرامكة، فَقَالَ لَهُ: اخْرُج إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد، فَقل لَهُ: قد صحت عَلَيْك عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم، فاحملها إِلَيْنَا فِي هَذَا الْيَوْم، وَانْطَلق مَعَه، فَإِذا دَفعهَا إِلَيْك كَامِلَة قبل مغيب الشَّمْس، وَإِلَّا فاحمل رَأسه إِلَيّ، وَإِيَّاك ومراجعتي فِي شَيْء من أمره.

قَالَ صَالح: فَخرجت إِلَى مَنْصُور بن زِيَاد، وعرفته الْخَبَر.

فَقَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون، ذهبت، وَالله، نَفسِي، ثمَّ حلف أَنه لَا يعرف مَوضِع ثَلَاث مائَة ألف دِرْهَم، فَكيف عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم.

فَقَالَ لَهُ صَالح: فَخذ فِي عَمَلك.

فَقَالَ لَهُ: امْضِ بِي إِلَى منزلي، حَتَّى أوصِي، فَمضى مَعَه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخل منزله، حَتَّى ارْتَفع الصياح من مَنَازِله وَحجر نِسَائِهِ، فأوصى، وَخرج وَمَا فِيهِ دم.

فَقَالَ لصالح: امْضِ بِنَا إِلَى أبي عَليّ يحيى بن خَالِد، لَعَلَّ الله أَن يأتينا بفرج من عِنْده، فَمضى مَعَه إِلَى يحيى وَهُوَ يبكي.

فَقَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَك؟ فَقص عَلَيْهِ الْقِصَّة، فقلق يحيى لأَمره، وأطرق مفكرًا، ثمَّ دَعَا بخازنه،

فَقَالَ لَهُ: كم عنْدك من المَال؟ قَالَ: خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم.

فَقَالَ لَهُ: أحضرنيها، فأحضرها.

ثمَّ وَجه إِلَى الْفضل ابْنه، يَقُول لَهُ: إِنَّك أعلمتني، فدَاك أَبوك، أَن عنْدك ألفي ألف دِرْهَم، تُرِيدُ أَن تشتري بهَا ضَيْعَة، وَقد وجدت لَك ضَيْعَة يبْقى لَك ذكرهَا، وتحمد ثَمَرَتهَا، فَوجه إِلَيّ بِالْمَالِ، فَوجه بِهِ.

ثمَّ قَالَ للرسول: امْضِ إِلَى جَعْفَر، وَقل لَهُ: ابْعَثْ، فدَاك أَبوك، إِلَيّ ألف ألف دِرْهَم، لحق لزمني، فَوجه بهَا.

ثمَّ قَالَ لصالح: هَذِه ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم، ثمَّ أطرق إطراقةً، لِأَنَّهُ لم يكن عِنْده شَيْء.

ثمَّ رفع رَأسه إِلَى خَادِم لَهُ، فَقَالَ: امْضِ إِلَى دَنَانِير، فَقل لَهَا: وَجْهي إِلَيّ بِالْعقدِ الَّذِي كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ وهبه لَك.

قَالَ: فجَاء بِهِ فَإِذا بِعقد فِي عظم الذِّرَاع، فَقَالَ لصالح: اشْتريت هَذَا لأمير الْمُؤمنِينَ بِمِائَة وَعشْرين ألف دِينَار، فوهبه لدنانير، وَقد حسبته بألفي ألف دِرْهَم، وَهَذَا تَمام حَقك، فَانْصَرف، وخل عَن صاحبنا، فَلَا سَبِيل لَك عَلَيْهِ.

قَالَ صَالح: فَأخذت ذَلِك، ورددت منصورًا معي، فَلَمَّا صرت بِالْبَابِ، أنشأ مَنْصُور يَقُول متمثلًا:

وَمَا بقيا عليّ تركتمانيوَلَكِن خفتما صَرَدَ النبال

فَقَالَ صَالح: مَا على وَجه الأَرْض أنبل من هَذَا الَّذِي خرجنَا من عِنْده،

وَلَا سَمِعت بِمثلِهِ فِيمَا مضى من الدَّهْر، وَلَا على وَجه الأَرْض أَخبث سريرة، وَلَا أكفر لنعمة، وَلَا أدنأ طبعا من هَذَا الَّذِي لَا يشْكر من أعطَاهُ، وَوزن عَنهُ هَذَا المَال الْعَظِيم.

قَالَ: وصرت إِلَى الرشيد، وقصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة، وطويت عَنهُ مَا تمثل بِهِ مَنْصُور، خوفًا أَن يقْتله إِذا سمع ذَلِك.

فَقَالَ الرشيد: قد علمت أَنه إِن نجا فَإِنَّمَا ينجو بِأَهْل هَذَا الْبَيْت، أطلق الرجل، واقبض المَال، واردد العقد، فَإِنِّي لم أكن أهب هبة، وَترجع إِلَى مَالِي.

قَالَ صَالح: فَلم أطب نفسا إِلَّا بتعريف يحيى مَا قَالَه مَنْصُور، فَرَجَعت إِلَيْهِ وأطنبت فِي شكره، وَوصف مَا كَانَ مِنْهُ.

وَقلت لَهُ: وَلَكِنَّك أَنْعَمت على غير شَاكر قَابل أكْرم فعل، بألأم قَول.

قَالَ: فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ، فَجعل، وَالله، يطْلب لَهُ المعاذير، وَيَقُول: يَا أَبَا عَليّ إِن المنخوب الْقلب، رُبمَا سبقه لِسَانه، بِمَا لَيْسَ فِي ضَمِيره.

وَقد كَانَ الرجل فِي حَال عَظِيمَة.

فَقلت: وَالله، مَا أَدْرِي من أَي أمريك أعجب، من أَوله، أَو من آخِره، ولكنني أعلم أَن الدَّهْر لَا يخلف مثلك أبدا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.