من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عباد الْمُؤَنَّث يربح الرِّهَان ويحيي نفسا ميتَة
حَدثنِي عُثْمَان بن مُحَمَّد السّلمِيّ، الْمَعْرُوف بـ: أبي الْقَاسِم الْأَصْفَر، غُلَام أبي الْحسن بن عبد السَّلَام الْهَاشِمِي الْبَصْرِيّ، قَالَ: كَانَ عندنَا بالمربد، رجل من خول مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، يدعى بـ: عباد، وَكَانَ مؤنثا، وَكَانَ يحمل السِّلَاح.
فَاجْتمع يَوْمًا مَعَ قوم من الخول على شراب لَهُم، فتجاذبوا حَدِيث الشجَاعَة، فعابوه بِمَا فِيهِ من التَّأْنِيث، فخاطرهم فِي شَيْء يعمله، مِمَّا يفرضون عَلَيْهِ، يبين بِهِ عَن شجاعته.
فَقَالُوا: تخرج السَّاعَة بِغَيْر سلَاح إِلَى صهاريج الْحجَّاج، فَتدخل مِنْهَا فِي الصهريج الْفُلَانِيّ، وتسمر فِي أرضه هَذَا الوتد، وتعود.
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ، مؤلف هَذَا الْكتاب: وَهَذِه الصهاريج على أَكثر من فَرسَخ من الْبَصْرَة، فِي الْبَريَّة، وَقد شاهدتها، وَهِي موحشة الْمَكَان، خَالِيَة، يجْتَمع فِيهَا المَاء، كَانَ الْحجَّاج قد عَملهَا مَادَّة لشرب أهل الْمَوْسِم والقوافل، وَمن يرد من الْمُسَافِرين.
نرْجِع إِلَى الْخَبَر.
قَالَ فَأَخْبرنِي عباد، قَالَ: خرجت، وَلَيْسَ معي إِلَّا وتد ومطرقة، حَتَّى بلغت الصهريج الَّذِي خاطرت عَلَيْهِ، وَكَانَ أعظمهم، وأوحشها.
فدخلته، وَكَانَ جافا، وَجَلَست فَضربت الوتد بالمطرقة فِي أرضه، فطن الصهريج، وَسمعت صلصلة شَدِيدَة، وَصَوت سلسلة.
فَقطعت الدق، فَانْقَطع الصَّوْت، وأعدت الدق، فَعَاد الصَّوْت، وَظَهَرت حَرَكَة مَعَه، وَأَنا ثَابت الْقلب، أتأمل وَلَا أرى شَيْئا من الظلمَة.
إِلَى أَن أحسست بالحركة وَالصَّوْت قد قربا مني، فتأملت، فَإِذا بشخص لطيف، لَا يشبه قدر خلقَة الْإِنْسَان، فاستوحشت.
وثبتُّ نَفسِي، وَأَنا أدق، والشخص يقرب مني، حَتَّى وَثَبت، وألقيت نَفسِي عَلَيْهِ، واستوثقت مِنْهُ.
فَإِذا هُوَ قرد فِي عُنُقه سلسلة، فَظَنَنْت أَنه قد أفلت من قراد، أَو من قافلة فسحبته، فلَان فِي يَدي، وَأنس بِي، فَأَخَذته على يَدي وساعدي، وَجئْت أُرِيد بَاب الصهريج.
فَلَمَّا بلغته سَمِعت كلَاما، فَخَشِيت أَن يكون بعض من يطلبني فِي العصبية هُنَاكَ، فوقفت أستمع.
فَإِذا كَلَام امْرَأَة مَعَ رجل، وَهِي تَقول لَهُ: يَا فلَان، وَيحك، أتقتلني؟ أتذبحني؟ أتبلغ بِي الْمَوْت؟ اتَّقِ الله فيّ.
وَهُوَ يَقُول: الذَّنب كُله لَك، وَأَنت أَذِنت لَهُم فِي أَن يزوجوك، وَلَو أَبيت؛ مَا قدر أَبوك أَن يزوجك، وَإِنَّمَا فعلته مللا بِي، وَأَنا تَالِف، وَأَنت تتنعمين، وَالله لأذبحنك، أستكتفي يَا ابْنة الفاعلة الصانعة.
قَالَ: فَنَظَرت، فَإِذا ظَهره إِلَى بَاب الصهريج، فَصحت عَلَيْهِ صَيْحَة عَظِيمَة،
وَضربت قَفاهُ بالقرد، فَفَزعَ القرد على نَفسه، فَقبض على عنق الرجل، وَتمكن من ظَهره.
فورد على الرجل مَا حيره، وأفزعه، وَذهب بعقله، فَخر مغشيا عَلَيْهِ، وَوَقع السَّيْف من يَده، فَأَخَذته، وَرَأَيْت الْجحْفَة مطروحة، فأخذتها.
وقصدت الرجل، فَثَابَ إِلَيْهِ عقله، وَرمى بالقرد عَن ظَهره، وسعى هَارِبا.
فقصدت الْمَرْأَة، وحللت كتافها، وَقلت لَهَا: مَا قصتك؟ قَالَت: أَنا بنت فلَان، وَذكرت رجلا من أهل المربد، وَهَذَا ابْن عمي، وَكَانَ يعشقني، فخطبني من أبي، فَامْتنعَ من تَزْوِيجه بِي، وزوجني من رجل غَرِيب، وَدخل بِي من شهور.
فَلَمَّا كَانَ أمس؛ خرجت أَنا وَجَمَاعَة من نسَاء الْجِيرَان، نَنْظُر إِلَى الصَّحرَاء، وَقت الْعَصْر.
وبلغه خبرنَا، فكبسنا بالصحراء، وَمَعَهُ عدَّة رجال بِالسِّلَاحِ، فَأخذ كل رجل امْرَأَة، وَانْفَرَدَ بهَا، وحملني هَذَا إِلَى هَذَا الصهريج، ففجر بِي طول اللَّيْل، فَلَمَّا كَانَ الْآن عزم على قَتْلِي، فأغاثني الله بك، وَمَا أعرف للنسوة الْبَاقِيَات خَبرا.
فَقلت: امشي، لَا بَأْس عَلَيْك.
فمشت بَين يَدي إِلَى أَن دخلت الْبَصْرَة، فدققت بَاب والدها.
فَقَالَ: من بِالْبَابِ؟ فكلمته، فَفتح لَهَا، فَدخلت الدَّار.
وعدت إِلَى أَصْحَابِي، فحدثتهم بِالْحَدِيثِ، وأريتهم القرد، وَخَرجْنَا من الْغَد، فَرَأَوْا الوتد، وَجئْت بهم إِلَى بَاب دَار الْمَرْأَة، فأريتهم إِيَّاه، وَأخذت خطري.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع