تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

هاجه الْحَسَد وَقَتله الطمع

حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن سعيد بن عَليّ زَوْبَعَة النصيبي الْمُتَكَلّم، قَالَ: قَالَ جمَاعَة من أهل نَصِيبين، إِنَّه كَانَ بهَا أَخَوان، ورثا عَن أَبِيهِمَا مَالا عَظِيما جَلِيلًا، فاقتسماه، فأسرع أَحدهمَا فِي حِصَّته حَتَّى لم يبْق مَعَه شَيْء، وَاحْتَاجَ إِلَى مَا فِي أَيدي النَّاس، وثمر الآخر حِصَّته، فزادت.

وَعرض لَهُ سفر فِي تِجَارَته، فَجَاءَهُ أَخُوهُ الْفَقِير، وَقَالَ: يَا أخي، إِنَّك تحْتَاج إِلَى أَن تستأجر غُلَاما فِي سفرك، وَأَنا أحتاج إِلَى أَن أخدم النَّاس، فَاجْعَلْنِي بدل غُلَام تستأجره، فَيكون ذَلِك أصون لي وَلَك.

فَلم يشك الْأَخ أَن أَخَاهُ قد تأدب، وَأَن هَذَا أول إقباله، وآثر أَن يصون

أَخَاهُ، ورق عَلَيْهِ، فَأَخذه مَعَه.

وَكَانَ للْأَخ الْغَنِيّ حمَار فاره يركبه، وَقد اسْتَأْجر بغالا لأحماله، فأركب أَخَاهُ أَحدهَا، وَركب هُوَ أَحدهَا، وأركب المكاري الْحمار، وَسَارُوا.

فَلَمَّا اسْتمرّ بهم السّفر؛ حصلوا فِي جبل فِي الطَّرِيق، وَفِيه كَهْف فِيهِ عين مَاء، فَقَالَ الْأَخ الْفَقِير للْأَخ الْغَنِيّ: لَو نزلنَا هَهُنَا، وَأَرِحْنَا دوابنا، وسقيناها من هَذَا المَاء، وأكلنا، ثمَّ ركبنَا؛ لَكَانَ أروح لنا.

فَقَالَ: افْعَل.

فَنزل التَّاجِر على بَاب الْكَهْف الَّذِي فِي الْجَبَل، وَأدْخل مَتَاعه إِلَيْهِ، وَبسط السفرة، وَأخذ أَخُوهُ الْفَقِير، والمكاري الدَّوَابّ، ومضيا ليسقياها.

وانتظر التَّاجِر أَخَاهُ، فاحتبس طَويلا، ثمَّ جَاءَ وَحده، وَشد الدَّوَابّ.

فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: يَا أخي، مَا قعادك، وَأَنا أنتظرك تَأْكُل معي؟ فَقَالَ: حَتَّى سقيت الدَّوَابّ.

فَقَالَ: وَأَيْنَ المكاري؟ فَقَالَ: قد نَام فِي الْجَبَل.

فَقَالَ: تعال، حَتَّى نَأْكُل.

فَتَركه وَمضى، ثمَّ عَاد، وَبِيَدِهِ حِجَارَة يَرْمِي بهَا أَخُوهُ، وَيَقُول لَهُ: أستكتف، يَابْنَ الفاعلة.

فَقَالَ لَهُ: وَيحك، مَا تُرِيدُ؟ فَقَالَ: أُرِيد قَتلك، يَابْنَ الفاعلة، أخذت مَال أبي، فَجَعَلته تِجَارَة لَك، وجعلتني غلامك.

قَالَ: ورفسه، وألقاه على ظَهره، ثمَّ أوثقه كتافا، وأثخنه ضربا بِالْحِجَارَةِ وشجاجا، وَصَاح الرجل، فَلم يجبهُ أحد.

وبرك أَخُوهُ الْفَقِير على صَدره، وَكَانَ فِي وَسطه سكين عَظِيمَة، فِي قرَاب لَهَا، فرام استخراجها من القراب ليذبحه بهَا، فتعسرت عَلَيْهِ، فَقَامَ عَن صدر أَخِيه، وأعلا يَده الْيُسْرَى، وفيهَا السكين فِي قرابها، وجذبها بِيَدِهِ الْيَمين، وَقد صَار القراب مَعَ حلقه، فَخرجت السكين بحمية الجذبة، فذبحته، فَوَقع يخور فِي دَمه، ونزف إِلَى أَن مَاتَ، وجفت يَده على السكين بعد مَوته، وَهِي فِيهَا.

وَحصل على تِلْكَ الصُّورَة، وَأَخُوهُ الْغَنِيّ مشدود، لَا يقدر على الْحَرَكَة، والسفرة منشورة، وَالطَّعَام عَلَيْهَا، وَالدَّوَاب مشدودة.

فَأَقَامَ على تِلْكَ الصُّورَة بَقِيَّة يَوْمه، وَلَيْلَته، وَقطعَة من غده.

فاجتازت قافلة على المحجة، وَكَانَ بَينهَا وَبَين الْكَهْف بعد، فأحست البغال بالدواب المجتازة، فصهلت، ونهق الْحمار، وجذب الرسن، وجذبت البغال أرسانها، فأفلتت، وَغَارَتْ تطلب الدَّوَابّ.

فَلَمَّا رأى أهل الْقَافِلَة دوابا غائرة؛ ظنُّوا أَنَّهَا لقوم قد أسرهم اللُّصُوص، وَكَانُوا فِي مَنْعَة، فتسارعوا إِلَى البغال.

فَلَمَّا قصدوها؛ رجعت تطلب موضعهَا.

وتبعها قوم من أهل الْقَافِلَة، حَتَّى انْتَهوا إِلَى التَّاجِر، وشاهدوه مكتوفا، والسفرة منشورة، وَالْأَخ مذبوحا، وَبِيَدِهِ السكين، فشاهدوا عجبا.

واستنطقوا الرجل، فَأَوْمأ إِلَيْهِم أَن لَا قدرَة لَهُ على الْكَلَام، فحلوا كِتَافِهِ، وسقوه مَاء، وَأَقَامُوا عَلَيْهِ إِلَى أَن أَفَاق، وَقدر على الْكَلَام، فَأخْبرهُم الْخَبَر.

فطلبوا المكاري، فوجدوه غريقا فِي المَاء، قد غرقه الْأَخ الْفَقِير.

فحملوا أثقال التَّاجِر على بغاله، وأركبوه على حِمَاره، وسيروه مَعَهم إِلَى الْمنزل الآخر.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.