تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

قَالَ الْمَأْمُون لقد حبب إِلَيّ الْعَفو حَتَّى خفت أَن لَا أؤجر عَلَيْهِ

وَوجدت الْخَبَر على خلاف هَذِه الرِّوَايَة، فَأَخْبرنِي أَبُو الْفرج الْأمَوِي، الْمَعْرُوف بـ: الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد النَّحْوِيّ، عَن الجاحظ، قَالَ: أرسل إِلَيّ ثُمَامَة، يَوْم حبس الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَأمر بإحضار النَّاس على مَرَاتِبهمْ، فَحَضَرُوا، وَجِيء بإبراهيم.

قَالَ أَبُو الْفرج، وَأَخْبرنِي عمي، قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن عليل، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن عَمْرو الْأَنْبَارِي، من أنبار خُرَاسَان، قَالَ: لما ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم الْمهْدي؛ أحب أَن يوبخه على رُءُوس الأشهاد، فَأمر بإحضار النَّاس على مَرَاتِبهمْ، وَجِيء بإبراهيم يرسف فِي قيوده، فَوقف على طرف الْبسَاط فِي طرف الإيوان، يحجل فِي قيوده.

فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَرَحْمَة الله، تَعَالَى، وَبَرَكَاته.

فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا سلم الله عَلَيْك، وَلَا كلأك، وَلَا حفظك، وَلَا رعاك.

فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: على رسلك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَلَقَد أَصبَحت ولي الثأر،

وَالْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَقد أصبح ذَنبي فَوق كل ذَنْب، كَمَا أصبح عفوك فَوق كل عَفْو، وَلم يبْق إِلَّا عفوك، أَو انتقامك، فَإِن تعاقب فبحقك، وَإِن تعف فبفضلك، وَأَنت للعفو أقرب.

فَأَطْرَقَ الْمَأْمُون مَلِيًّا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: إِن هذَيْن أشارا عَليّ بقتلك؛ يَعْنِي: أَخَاهُ المعتصم، وَابْنه الْعَبَّاس، وَكَانَا يشيران عَلَيْهِ فِي مُعظم تَدْبِير الْخلَافَة والسياسة.

فَقَالَ إِبْرَاهِيم: لقد نصحا لَك، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فِيمَا أشارا عَلَيْك بِهِ، وَمَا غشاك، إِذْ كَانَ مني مَا كَانَ، وَلَكِن الله، ﷿، عودك فِي الْعَفو عَادَة جريت عَلَيْهَا، دافعا مَا تخَاف بِمَا ترجو، فكفاك الله كل مَكْرُوه، وَدفع عَنْك كل مَحْذُور.

قَالَ: فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُون، وَأَقْبل على ثُمَامَة، وَقَالَ: إِن من الْكَلَام مَا يفوق الدّرّ، ويغلب السحر، وَكَلَام عمي مِنْهُ، أَطْلقُوهُ، وفكوا عَن عمي حديده، وردوه إِلَيّ مكرما.

فَلَمَّا رد إِلَيْهِ؛ قَالَ: يَا عَم، صر إِلَيّ المنادمة، وارجع إِلَى الْأنس، فَلَنْ ترى مني أبدا إِلَّا مَا تحب، فَلَقَد حبب إِلَيّ الْعَفو، حَتَّى خفت أَن لَا أؤجر عَلَيْهِ، أما أَنه لَو علم النَّاس مَا لنا فِي الْعَفو من اللَّذَّة؛ لتقربوا إِلَيْنَا بِالذنُوبِ، لَا تَثْرِيب الْيَوْم عَلَيْك، يَا عَم، يغْفر الله لنا وَلَك، وَلَو لم يكن فِي حق نسبك مَا يبلغ الصفح عَن إساءتك، وَلَو لم يكن فِي حق قرابتك، مَا يسْتَحق الْعَفو عَن جرمك؛ لبلغت مَا أملت بِحسن تنصلك، ولطف توصلك، ثمَّ أَمر برد ضيَاعه وأمواله إِلَيْهِ.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد؛ بعث إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم درجا، فِيهِ هَذِه الأبيات:

يَا خير من ذملت يَمَانِية بِهِبعد الرَّسُول لآيس أَو طامع
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
وَالله يعلم مَا أَقُول فَإِنَّهَاجهد الألية من حنيف رَاكِع
قسما وَمَا أدلي إِلَيْهِ بِحجَّةإِلَّا التضرع من مقرّ خاشع
مَا إِن عصيتك والغواة تمد ليأَسبَابهَا إِلَّا بقلب طائع
حَتَّى إِذا علقت حبائل شقوتيبردي على حفر المهالك هائع
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
لم أدر أَن لمثل ذَنبي غافرافأقمت أرقب أَي حتف صارعي
رد الْحَيَاة عَليّ بعد ذهابهاعَفْو الإِمَام الْقَادِر المتواضع
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أحياك من ولاك أطول مُدَّةوَرمى عَدوك فِي الوتين بقاطع
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
إِن الَّذِي قسم الْفَضَائِل حازهافِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع
كم من يَد لَك لَا تُحَدِّثنِي بهَانَفسِي إِذا آلت إِلَيّ مطامعي
أسديتها عفوا إِلَيّ هنيئةفَشَكَرت مصطنعا لأكرم صانع
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
ورحمت أطفالا كأفراخ القطاوحنين والهة كقوس النازع
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «والله يعلم ما أقول فإنه»
وعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثلهعَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
إِلَّا الْعُلُوّ عَن الْعقُوبَة بعد مَاظَفرت يداك بمستكين خاشع
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «والله يعلم ما أقول فإنه»

قَالَ: فَبكى الْمَأْمُون، ثمَّ قَالَ: عَليّ بِهِ، فَخلع عَلَيْهِ، وَأمر لَهُ بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَكَانَ ينادمه، لَا يُنكر مِنْهُ شَيْئا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.