تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

لما اعتقل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي حَبسه الْمَأْمُون عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول

قَالَ مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كتاب (الوزراء): لما ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم بن الْمهْدي؛ حَبسه عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد، وَلم يزل فِي أزجه.

فَحكى يُوسُف بن إِبْرَاهِيم، مولى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، قَالَ: لما وَجه

الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد؛ ليحبسه عِنْده؛ دخل إِبْرَاهِيم إِلَى أَحْمد.

فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم: الْحَمد لله الَّذِي من عَليّ بمصيري إِلَيْك، وحصولي فِي دَارك وَتَحْت يدك، وَلم يبتلني بغيرك.

قَالَ إِبْرَاهِيم: فقطب أَحْمد، وَبسر فِي وَجْهي، وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيم، لقد حسن ظَنك بِي، إِذْ تتوهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أَمرنِي بِضَرْب عُنُقك، أَنِّي أَتعدى ذَلِك إِلَى غير مَا أَمرنِي بِهِ فِيك.

قَالَ: فَأَرَدْت عَيْني فِي مَجْلِسه، فتبينت فِيمَن حضر من أهل خُرَاسَان إنكارا لقَوْله.

فَقلت: صدقت، يَابْنَ أبي خَالِد، إِن قتلتني بِأَمْر أَمِير الْمُؤمنِينَ؛ كنت غير ملوم، وَكَذَلِكَ لَو أَمرنِي بالشق عَن قَلْبك وكبدك؛ فعلت ذَلِك، وَكنت غير ملوم.

وَلم أَحْمد رَبِّي، وَإِن كَانَ حَمده وَاجِبا فِي كل حَال، لحسن ظَنِّي بك، ولكنني علمت أَن لأمير الْمُؤمنِينَ خَزَنَة سيوف، وخزنة أَقْلَام، وَأَنه مَتى أَرَادَ قتل إِنْسَان؛ دَفعه إِلَى خَزَنَة السيوف، وَمَتى أَرَادَ مناظرته؛ دَفعه إِلَى خَزَنَة الأقلام.

فحمدت الله، تَعَالَى، على مَا من بِهِ عَليّ، من إحلاله إيَّايَ، مَحل من يساءل، لَا مَحل من يعاجل.

قَالَ: فَرَأَيْت وُجُوه كل من حوله قد أشرقت وأسفرت، وأعجبوا بِمَا كَانَ مني.

فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: النَّاس يَتَكَلَّمُونَ على قدر أنفسهم وآبائهم، وكلامك على قدر الْمهْدي وَقدر نَفسك، وكلامي على قدر خلقي وَقدر يزِيد الْأَحول، وَأَنا أستقبلك مِمَّا سبق مني فأقلني، أقَال الله عثرتك، وَسَهل أَمرك، وَعجل خلاصك.

فَقلت: قد أقَال الله عثرتك.

قَالَ: وَمَا مَضَت لي فِي دَاره خَمْسُونَ لَيْلَة، حَتَّى سَار إِلَيّ فِي نصف اللَّيْل، فَأَخْرجنِي، وَألقى عَليّ درعا، وَظَاهر بدراعة، وحملني على دَابَّة، وَهُوَ يرْكض إِلَى الْجَانِب الغربي، فوقفني بَين الجسر والخلد.

فَوَقع فِي نَفسِي أَن إلقاءه عَليّ الدرْع، إِنَّمَا هُوَ لإيراده إيَّايَ على سَكرَان، فَأَرَادَ أَن يقيني بادرته، وَعلمت أَنه أَرَادَ أَنه إِذا ورد عَليّ أَمر، أَن أتماوت.

فخلفني مَعَ أَصْحَابه، وَمضى يرْكض، ثمَّ عَاد إِلَيّ.

ثمَّ قَالَ: يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: يَا فَاسق، ألم يكن لَك فِي السَّابِق الْقَدِيم من فعلك كِفَايَة تحولك عَمَّا كَانَ مِنْك فِي هَذِه اللَّيْلَة، الَّتِي وثب فِيهَا عَليّ ابْن عَائِشَة وَابْن الأفريقي، وَمن يتابعهما، وأضرابهم، حَتَّى اضطروني إِلَى أَن ركبت إِلَى المطبق لمحاربتهم، حَتَّى أَظْفرنِي الله، جلّ وَعز، بهم، فقتلتهم، وَأَنا ملحقك بهم، فاحتجّ لنَفسك، إِن كَانَت لَك حجَّة، وَإِلَّا فَإنَّك لَاحق بهم.

فَعلمت أَن الرسَالَة مِمَّن غلب عَلَيْهِ النَّبِيذ، وَأَنِّي أحتاج إِلَى إغضابه، حَتَّى يغلب غَضَبه السكر.

فَقلت: يَا أَبَا الْعَبَّاس، دمي فِي عُنُقك، فَاتق الله.

وَلَا تقتلني.

فَقَالَ لي: يَا هَذَا، مَا الَّذِي يتهيأ لي أَن أعمل، وَهل يمكنني دفع شَيْء يَأْمُرنِي بِهِ؟ فَقلت: لَا، وَإِنِّي أُرِيد أَن أحقن دمي، بِأَن تُؤدِّي عني مَا تسمعه مني، وَإِنَّمَا تقتلني، إِذا أَجَبْته بِجَوَاب، فأديت عني غَيره، تَقْديرا مِنْك، أَنه أصلح وأدعى إِلَى سلامتي، فَلَا يتلَقَّى قَوْلك بِالْقبُولِ، فأد قولي كَمَا أَقُول.

فَقَالَ أَحْمد بن أبي خَالِد: عَليّ عهد الله، أَن أؤدي مَا تَقول.

قَالَ: فَقلت: تَقول لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن كنت تعقل، فَأَنت تعلم أَنِّي أَعقل، فَمَا أَشك أَنه سيستعيد مِنْك هَذَا القَوْل، فأعده.

وَتقول لَهُ: يَقُول لَك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، استترت مِنْك، وَأَنت خَارج عَن الْبَلَد، وَأَنا نَافِذ الْأَمر فِيهِ، وَمَعِي عَالم من النَّاس، وأثب بك فِي مدينتك، ومدينة آبَائِك، وَأَنا أَسِير فِي سرب ابْن أبي خَالِد، مَعَ نفر محبسين، مثقلين بالحديد؟ هَذَا مَا لَا يقبله عَاقل.

فَأدى أَحْمد رسَالَته إِلَى الْمَأْمُون، فَقَالَ: صدق، فاردده إِلَى مَوْضِعه.

فركض أَحْمد إِلَيّ، وَهُوَ يُنَادي: سَلامَة سَلامَة، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين، وَانْصَرف إِلَى منزله.

قَالَ ابْن عَبدُوس: فَأَقَامَ فِيهِ، إِلَى أَن انْصَرف الْمَأْمُون؛ لنكاح بوران، فأشخصه مَعَه إِلَى فَم الصُّلْح، وَسَأَلته بوران بنت الْحسن بن سهل، فَرضِي عَنهُ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.