من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
بَدَأَ الْهَادِي خِلَافَته بتنحية الرّبيع عَن الوزارة واستيزار إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي
ذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس فِي كتاب (الوزراء): أَن إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي الْأَعْوَر الْكَاتِب، صَاحب طاق الْحَرَّانِي بِبَغْدَاد، كَانَ خَاصّا بالمهدي.
قَالَ: وَإِن الْمهْدي أنفذ مُوسَى ابْنه إِلَى جرجان، وأنفذ مَعَه إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي، فَخص إِبْرَاهِيم بمُوسَى، ولطف مَوْضِعه مِنْهُ.
فاتصل بالمهدي عَنهُ أَشْيَاء تزيد فِيهَا عَلَيْهِ أعداؤه وكثروا، فَكتب الْمهْدي إِلَى مُوسَى فِي حمله إِلَيْهِ، فضن بِهِ، ودافع عَنهُ.
فَكتب إِلَيْهِ الْمهْدي: إِن لم تحمله؛ خلعتك من الْعَهْد، وأسقطت منزلتك.
فَلم يجد مُوسَى من حمله بدا، وَحمله مَعَ بعض خدمه، مرفها، مكرما، وَقَالَ للخادم: إِذا دَنَوْت من مَحل الْمهْدي، فقيد إِبْرَاهِيم، واحمله فِي محمل، بِغَيْر وطاء وَلَا غطاء، وَألبسهُ جُبَّة صوف، وَأدْخلهُ بِهَذِهِ الصُّورَة، فامتثل الْخَادِم مَا أَمر بِهِ فِي ذَلِك.
وَاتفقَ أَنه ورد إِلَى الْعَسْكَر، وَالْمهْدِي يُرِيد الرّكُوب إِلَى الصَّيْد، وَهُوَ، إِذْ ذَاك، بالروذبار، فَبَصر بالموكب، فَسَأَلَ عَنهُ، فَقيل: خَادِم لمُوسَى، وَمَعَهُ إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي.
فَقَالَ: وَمَا حَاجَتي إِلَى الصَّيْد، وَهل صيد أطيب من صيد إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي؟ قَالَ: فأدنيت مِنْهُ، وَهُوَ عَليّ ظهر فرسه.
فَقَالَ: إِبْرَاهِيم؟ قلت: لبيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
فَقَالَ: لَا لبيْك، وَالله لأَقْتُلَنك، ثمَّ وَالله لأَقْتُلَنك، ثمَّ وَالله لأَقْتُلَنك، امْضِ، يَا خَادِم، بِهِ إِلَى المضرب.
فَحملت، وَقد يئست من الْفرج، وَمن نَفسِي، فَفَزِعت إِلَى الله، تَعَالَى، بِالدُّعَاءِ والابتهال.
وَانْصَرف الْمهْدي، فَأكل اللوزينج المسموم الْمَشْهُور خَبره، فَمَاتَ من وقته، وتخلصت.
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، بعد هَذَا، أَن الْهَادِي لما بلغه موت الْمهْدي؛ نجا من جرجان إِلَى بَغْدَاد، على دَوَاب الْبَرِيد وَمَا سمع بخليفة ركل دَوَاب الْبَرِيد غَيره، فَدخل بَغْدَاد وَالربيع مولى الْمَنْصُور على الوزارة، كَمَا كَانَ يتقلدها للمهدي، فَصَرفهُ وقلد إِبْرَاهِيم بن ذكْوَان الْحَرَّانِي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع