من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي يحْتَج لنَفسِهِ أَمَام الْمَأْمُون
وحَدثني عَليّ بن هِشَام، الْمَعْرُوف بـ: ابْن أبي قِيرَاط الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَنْبَارِي الْكَاتِب، الْمَعْرُوف بـ: زنجي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن ثوابة، قَالَ: سَمِعت مُوسَى بن عبد الْملك، يحدث عَن أَحْمد بن يُوسُف الْكَاتِب، قَالَ: كنت أشْرب مَعَ الْمَأْمُون، وأنادمه، وَأَنا أتقلد لَهُ ديوَان الْمشرق وديوان الرسائل، قبل وزارتي لَهُ، وَكنت كثيرا مَا أنادمه على الِانْفِرَاد، وَرُبمَا جمع بيني وَبَين اليزيدي، وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي.
فَلَمَّا رَضِي عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ونادمه؛ صَار لَا يكَاد يشرب مَعَ غَيره وغيري، ويقتصر على اسْتِمَاع الْغناء من وَرَاء الستارة، وَرُبمَا حضر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي.
فَنحْن ذَات يَوْم على شرب، ومعنا إِسْحَاق، إِذْ غنى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، فَقَالَ:
صونوا جيادكمُ واجلوا سلاحكمُوشمروا إِنَّهَا أَيَّام من غلبا
فاستعاده الْمَأْمُون مرَارًا، وَبَان لي فِي وَجهه الغيظ وَالْغَضَب، والهم، وَزَوَال الطَّرب، وَلم يفْطن إِبْرَاهِيم.
وَترك الْمَأْمُون الْقدح الَّذِي كَانَ فِي يَده، ونهض، فظنناه يُرِيد الْوضُوء، ثمَّ غَابَ.
فَمَا شعرنَا إِلَّا وَقد استدعانا إِلَى مجْلِس آخر، فَإِذا هُوَ جَالس على سَرِير الْخلَافَة، بقلنسوة، وَثيَاب الهيبة، وَبَين يَدَيْهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي، وَجلة القواد.
فاستدعى إِبْرَاهِيم بزيه، فَحَضَرَ بأخس صُورَة وأقبحها، وَعَلِيهِ ثِيَاب المنادمة، يَفْضَحهُ بذلك.
فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ؛ قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيم، مَا حملك على الْخُرُوج عَليّ، وَالْخطْبَة لنَفسك بالخلافة.
قَالَ أَحْمد بن يُوسُف: وَقد كنت لما أَبْطَأَ الْمَأْمُون عَن مجْلِس الشّرْب؛ تعرفت الصُّورَة، فَلَمَّا استدعاني؛ جِئْت وَقد لبست ثِيَاب الْعَمَل، نزعت ثِيَاب المنادمة.
فَلَمَّا سَأَلَ إِبْرَاهِيم عَن ذَلِك، فِي مثل ذَلِك الْمجْلس؛ علمت أَن الصَّوْت قد ذكره مَا كَانَ من إِبْرَاهِيم، وَلم أَشك فِي أَنه سيقتله.
فَأقبل عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم بِوَجْه صفيق، وقلب ثَابت، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لست أَخْلو من أَن أكون عنْدك عَاقِلا، أَو جَاهِلا، فَإِن كنت جَاهِلا، فقد سقط عني اللوم، من الله، تَعَالَى، ثمَّ مِنْك، وَإِن كنت عَاقِلا؛ فَيحسن أَن تعلم أَنِّي قد علمت أَن مُحَمَّدًا أَخَاك مَعَ أَمْوَاله وذخائره، وأموال والدته، وَكَثْرَة ضياعها وصنائعها، والأعمال الَّتِي كَانَت فِي يَده وارتفاعها، ومحبة بني هَاشم لَهُ، لم يثبت لَك، وَهُوَ الْخَلِيفَة، وَأَنت أَمِير من أمرائه، فَكيف أثبت أَنا لَك؟ وَأَنا فِي قوم أَكثر رزق الرجل مِنْهُم ثَلَاثُونَ درهما فِي الشَّهْر، وَقد غلبني على بَغْدَاد ابْن أبي خَالِد الْعيار وَأَصْحَابه، يقطعون، ويضربون، ويحبسون، ويطلقون، وَوَاللَّه، جلّ شَأْنه، وَحقّ رَسُول الله، حق جدي الْعَبَّاس، مَا دخلت فِيمَا دخلت فِيهِ، إِلَّا لأبقي هَذَا الْأَمر عَلَيْك، وعَلى أهل بَيْتك، لما رَأَيْت الْفضل بن سهل قد حمله البطر والرفض على أَن أخرج الْخلَافَة عَنْك، فَأَرَدْت ضبط الْأَمر، إِلَى أَن تقدم فتتسلمه.
قَالَ: فَرَأَيْت الْمَأْمُون وَقد أَسْفر وَجهه، وَقَالَ: عَليّ بنافذ الْخَادِم، فأحضر.
فَقَالَ لَهُ: رقْعَة سلمتها إِلَيْك بمرو، قبل رحيلي عَنْهَا، وأمرتك بحفظها، هَاتِهَا.
فَمضى، وَجَاء بسفط، ففتحه، وَأخرج مِنْهُ الرقعة، فَإِذا مَكْتُوب فِيهَا بِخَط الْمَأْمُون: لَئِن أَظْفرنِي الله، ﷿، بإبراهيم بن الْمهْدي، لأسألنه بِحَضْرَة الْأَوْلِيَاء، والخاصة من أهل بَيْتِي وأجنادي، عَن السَّبَب الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوج عَليّ، فَإِن مَا ذكر أَنه إِنَّمَا أَرَادَ بذلك حفظ الْأَمر على أهل بَيْتِي؛ لما جرى فِي أَمر عَليّ بن مُوسَى؛ لأخلين سَبيله، ولأحسنن إِلَيْهِ، وَلَئِن ذكر غير ذَلِك من الْعذر، كَائِنا مَا كَانَ؛ لَأَضرِبَن عُنُقه.
قَالَ أَحْمد بن يُوسُف: وَلم يكن بِحَضْرَتِهِ كَاتب غَيْرِي، فَدَفعهَا إِلَيّ، وَقَالَ: يَا أَحْمد، ادفعها إِلَيْهِ.
ثمَّ قَالَ: يَا عَم، خُذ براءتك من أَحْمد، وعد إِلَى مجلسك الَّذِي خلفتك فِيهِ.
قَالَ: فَسلمت الرقعة إِلَيْهِ، وعدنا إِلَى مَجْلِسنَا وموضعنا، فَطرح إِبْرَاهِيم نَفسه مغشيا عَلَيْهِ.
فَمَا شعرنَا إِلَّا والمأمون قد رَجَعَ بِثِيَاب بذلته، فقمنا وَجَلَسْنَا مَجْلِسنَا، وَقَالَ: ارْجعُوا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ، وأتممنا يَوْمنَا ذَلِك مَعَه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع