من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
قبض على إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَهُوَ بزِي امْرَأَة
وجدت فِي كتاب أبي الْفرج المَخْزُومِي الحنطبي: أَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، لما طَال استتاره من الْمَأْمُون؛ ضَاقَ صَدره، فَخرج لَيْلَة من مَوضِع كَانَ فِيهِ مستخفيا، يُرِيد موضعا آخر، فِي زِيّ امْرَأَة، وَكَانَ عَطِرا.
فَعرض لَهُ حارس، فَلَمَّا شم مِنْهُ رَائِحَة الطّيب؛ ارتاب بِهِ، فَكَلمهُ، فَلم يجب، فَعلم أَنه رجل، فضبطه.
فَقَالَ لَهُ: خُذ خَاتمِي، فثمنه ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم وخلني، فَأبى، وعلق بِهِ، وَحمله إِلَى صَاحب الشرطة، فَأتى بِهِ الْمَأْمُون.
فَلَمَّا أَدخل دَاره، وَعرف خَبره؛ أَمر بِأَن يدْخل إِلَيْهِ، إِذا دعِي، على الْحَال الَّتِي أَخذ عَلَيْهَا.
ثمَّ جلس مَجْلِسا عَاما، وَقَامَ خطيب بِحَضْرَة الْمَأْمُون، يخْطب بفضله، وَمَا رزقه الله، جلت عَظمته، من الظفر بإبراهيم.
وَأدْخل إِبْرَاهِيم بزيه، فَسلم على الْمَأْمُون، وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن ولي الثأر محكّم فِي الْقصاص، وَالْعَفو أقرب للتقوى، وَمن تناولته يَد الاغترار، بِمَا مد لَهُ من أَسبَاب الرَّجَاء، لم يَأْمَن عَادِية الدَّهْر، وَلست أَخْلو عنْدك من أَن أكون عَاقِلا، أَو جَاهِلا، فَإِن كنت جَاهِلا فقد سقط عني اللوم من الله، تَعَالَى، وَإِن كنت عَاقِلا، فَيجب أَن تعلم أَن الله، ﷿، قد جعلك فَوق كل ذِي عَفْو، كَمَا جعل كل ذِي ذَنْب دوني، فَإِن تؤاخذ؛ فبحقك، وَإِن تعف؛ فبفضلك، ثمَّ قَالَ:
ذَنبي إِلَيْك عَظِيموَأَنت أعظم مِنْهُ
فَخذ بحقك أَو لَافاصفح بِحِلْمِك عَنهُ
إِن لم أكن فِي فعاليمن الْكِرَام فكنه
وَقَالَ:
أذنبت ذَنبا عَظِيماوَأَنت للعفو أهل
فَإِن عَفَوْت فمَنّوَإِن جزيت فَعدل
قَالَ: فرق لَهُ الْمَأْمُون، وَأَقْبل على أَخِيه أبي إِسْحَاق وَابْنه الْعَبَّاس والقواد،
وَقَالَ: مَا ترَوْنَ فِي أمره؟ فَقَالَ بَعضهم: يضْرب عُنُقه.
وَقَالَ الْبَعْض: تقطع أَطْرَافه، وَيتْرك إِلَى أَن يَمُوت، وكل أَشَارَ بقتْله، وَإِن اخْتلفُوا فِي القتلة.
فَقَالَ الْمَأْمُون لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: مَا تَقول أَنْت، يَا أَحْمد؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن قَتله؛ وجدت مثلك قد قتل مثله، وَإِن عَفَوْت عَنهُ؛ لم تَجِد مثلك قد عَفا عَن مثله، فَأَي أحب إِلَيْك؛ أَن تفعل فعلا تَجِد لَك فِيهِ شَرِيكا، أَو أَن تنفرد بِالْفَضْلِ؟ فَأَطْرَقَ الْمَأْمُون طَويلا، ثمَّ رفع رَأسه، فَقَالَ: أعد عَليّ مَا قلت، يَا أَحْمد، فَأَعَادَ.
فَقَالَ الْمَأْمُون: بل ننفرد بِالْفَضْلِ، وَلَا رَأْي لنا فِي الشّركَة.
فكشف إِبْرَاهِيم المقنعة عَن رَأسه، وَكبر تَكْبِيرَة عالية، وَقَالَ: عَفا، وَالله، أَمِير الْمُؤمنِينَ عني، بِصَوْت كَاد الإيوان أَن يتزعزع مِنْهُ، وَكَانَ طَويلا، آدم، جعد الشّعْر، جَهورِي الصَّوْت.
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا بَأْس عَلَيْك، يَا عَم، وَأمر بحبسه فِي دَار أَحْمد بن أبي خَالِد.
فَلَمَّا كَانَ بعد شهر؛ أحضرهُ الْمَأْمُون، وَقَالَ لَهُ: اعتذر عَن ذَنْبك.
فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، ذَنبي أجل من أَن أتفوه مَعَه بِعُذْر، وعفو أَمِير الْمُؤمنِينَ أعظم من أَن أنطق مَعَه بشكر، وَلَكِنِّي أَقُول:
تفديك نَفسِي أَن تضيق بِصَالحوَالْعَفو مِنْك بِفضل جود وَاسع
إِن الَّذِي خلق المكارم حازهافِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع
ملئت قُلُوب النَّاس مِنْك مهابةوتظل تكلؤهم بقلب خاشع
فعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثلهعَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع
ورحمت أطفالا كأفراخ القطاوحنين وَالِدَة بقلب جازع
رد الْحَيَاة إِلَيّ بعد ذهابهاكرم المليك الْعَادِل المتواضع
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَا تَثْرِيب عَلَيْك، يَا عَم، قد عَفَوْت عَنْك، فاستأنف الطَّاعَة متحرزا من الظنة، يصف عيشك، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ، ورد عَلَيْهِ مَاله وضياعه، فَقَالَ إِبْرَاهِيم يشكره فِي ذَلِك:
رددتَ مَالِي وَلم تبخل عَليّ بِهِوَقبل ردك مَالِي قد حقنت دمي
فأبتُ عَنْك وَقد خولتني نعماهما الحياتان من موت وَمن عدم
فَلَو بذلتُ دمي أبغي رضاك بِهِوَالْمَال حَتَّى أسل النَّعْل من قدمي
مَا كَانَ ذَاك سوى عاريّة رجعتإِلَيْك لَو لم تعرها كنت لم تُلَمِ
وَقَامَ علمك بِي فاحتج عنْدك ليمقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم
فَإِن جحدتك مَا أوليت من نعمإِنِّي لباللؤم أولى مِنْك بِالْكَرمِ
فَقَالَ الْمَأْمُون: إِن من الْكَلَام كلَاما كالدر، وَهَذَا مِنْهُ، وَأمر لإِبْرَاهِيم بخلع وَمَال، قيل: إِنَّه ألف ألف دِرْهَم.
وَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيم، إِن أَبَا إِسْحَاق وَأَبا عِيسَى أشارا عَليّ بقتلك.
فَقَالَ إِبْرَاهِيم: مَا الَّذِي قلت لَهما، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: قلت لَهما: إِن قرَابَته قريبَة، ورحمه ماسة، وَقد بدأنا بِأَمْر، وَيَنْبَغِي أَن نستتمه، فَإِن نكث فَالله مغير مَا بِهِ.
قَالَ إِبْرَاهِيم: قد نصحا لَك، وَلَكِنَّك أَبيت إِلَّا مَا أَنْت أَهله، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَدفعت مَا خفت، بِمَا رَجَوْت.
فَقَالَ الْمَأْمُون: قد مَاتَ حقدي بحياة عذرك، وَقد عَفَوْت عَنْك، وَأعظم من عفوي عَنْك أنني لم أجرعك مرَارَة امتنان الشافعين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع