من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
لما قدم للْقَتْل تماسك فَلَمَّا عُفيَ عَنهُ بَكَى
وجدت فِي بعض الْكتب: أَنه لما حصل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي قَبْضَة الْمَأْمُون؛ لم يشك هُوَ وَغَيره فِي أَنه مقتول، فَأطَال حَبسه فِي مطمورة، بأسوإ حَال وأقبحها.
قَالَ إِبْرَاهِيم: فأيست من نَفسِي، ووطنتها على الْقَتْل، وتعزيت عَن الْحَيَاة، حَتَّى صرت أتمني الْقَتْل؛ للراحة من الْعَذَاب، وَمَا أؤمله فِي الْآخِرَة، من حُصُول الثَّوَاب.
فَبينا أَنا كَذَلِك؛ إِذْ دخل عَليّ أَحْمد بن أبي خَالِد مبادرا، فَقَالَ: اعهد، فقد أَمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بِضَرْب عُنُقك.
فَقلت: أَعْطِنِي دَوَاة وقرطاسا، فَكتبت وَصِيَّة، ذكرت فِيهَا كلما احتجت إِلَيْهِ، وأسندتها إِلَى الْمَأْمُون، وشكلة والدتي، وتوضأت، فتطوعت رَكْعَات، وَمضى أَحْمد.
وفرغت من الصَّلَاة، وَجَلَست أتوقع الْقَتْل، فَعَاد إِلَيّ أَحْمد بعد ساعتين،
فَقَالَ: أَمِير الْمُؤمنِينَ، يقرؤك السَّلَام، وَيَقُول لَك: أَنا أَحْمد الله، جلت عَظمته، الَّذِي وفقني لصلة رَحِمك، والصفح عَنْك، وَقد أمّنك، ورد عَلَيْك نِعْمَتك، وَجَمِيع ضياعك وأملاكك، فَانْصَرف إِلَى دَارك.
قَالَ: فَبَدَأت أَدْعُو لِلْمَأْمُونِ، وَغلب الْبكاء عَليّ والانتحاب، وَهُوَ يطالبني بِالْجَوَابِ، وَأَنا غير مُتَمَكن مِنْهُ.
فَقَالَ لي أَحْمد: لقد رَأَيْت مِنْك عجبا، أَخْبَرتك أَنِّي أمرت بِضَرْب عُنُقك، فَلم تجزع، وَلم تبك، ثمَّ أَخْبَرتك بتفضل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَلَيْك، وصفحه عَنْك، فَلم تتمالك من الْبكاء.
فَقلت لَهُ: أما السُّكُوت عِنْد الْخَبَر الأول؛ فلأني لم أتوسم، مُنْذُ ظفر بِي، أَن أسلم من الْقَتْل، فَلَمَّا ورد عَليّ مَا لم أَشك فِيهِ؛ لم أجزع لَهُ، وَلم أبك.
وَأما بُكَائِي عِنْد الْخَبَر الثَّانِي، فوَاللَّه الْعَظِيم، شَأْنه مَا هُوَ عَن سرُور بِالْحَيَاةِ، وَلَا لرجوع النِّعْمَة، وَمَا بُكَائِي إِلَّا لما كَانَ مني فِي قطيعة رحم من عِنْده، بعد استحقاقي مِنْهُ الْقَتْل، مثل هَذَا الصفح الَّذِي لم يسمع فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام، بِأَن أحدا أَتَى بِمثلِهِ، فقد حَاز أَمِير الْمُؤمنِينَ الثَّوَاب من الله، تَعَالَى، فِي صلَة رَحمَه، وبؤت أَنا بالإثم فِي قطيعة رحمي، وَقد أظهر إحسانه إساءتي، وحلمه جهلي، وفضله نقصي، وجوابي هُوَ مَا شاهدت وَسمعت.
فَرجع أَحْمد إِلَى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ، ثمَّ عَاد إِلَيّ بِمَال وخلع، ومركوب، فَانْصَرَفت إِلَى دَاري ونعمتي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع