من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
أَمر الرشيد بأسيرين فقطعا عضوا عضوا ثمَّ مَاتَ
وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (الوزراء)، قَالَ: لما سَار الرشيد إِلَى طوس، واشتدت علته؛ اتَّصل خَبره بالأمين، فَوجه ببكر بن الْمُعْتَمِر، وَدفع إِلَيْهِ كتبا إِلَى الْفضل بن الرّبيع، وَإِسْمَاعِيل بن صبيح، وَغَيرهمَا، يَأْمُرهُم بالقفول إِلَى بَغْدَاد، إِن حدثت الْحَادِثَة بالرشيد، وَالِاحْتِيَاط على مَا فِي الخزائن، وَحمله.
وَقد كَانَ الرشيد جدد الشَّهَادَة لِلْمَأْمُونِ بِجَمِيعِ مَا فِي عسكره، من مَال،
وأثاث، وخرثي، وكراع، وَغير ذَلِك.
فَلَمَّا ورد بكر بن الْمُعْتَمِر على الرشيد؛ أوصل كتبا ظَاهِرَة كَانَت مَعَه، بعيادة الرشيد.
وَكَانَت الْكتب الْبَاطِنَة، قد اتَّصل خَبَرهَا بالرشيد، فأحضر بكرا، وطالبه بالكتب الْبَاطِنَة، فجحدها.
قَالَ: فَذكر عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: حَدثنِي أبي، قَالَ: كنت مَعَ الرشيد بطوس، لما ثقل فِي علته، وَقد ورد بكر بن الْمُعْتَمِر، والمأمون حِينَئِذٍ بمرو، وَقد ظفر الرشيد بأخي رَافع بن اللَّيْث، فأحضر فِي ذَلِك الْيَوْم، وَمَعَهُ قرَابَة لَهُ.
فَخلع الرشيد على بكر، وَصَرفه إِلَى منزله، ثمَّ أَمر بإحضاره، ومطالبته بالكتب الْبَاطِنَة، فجحدها، فَأمر بحبسه.
ثمَّ جلس الرشيد جُلُوسًا عَاما، فِي مضرب خَز أسود، استدارته أَربع مائَة ذِرَاع، فِي أَرْكَانه أَربع قباب، مغشاة بخز أسود، وَهُوَ جَالس فِي فازة خَز أسود، فِي وسط المضرب، والعمد كلهَا سود، وَقد جعل مَكَان الْحَدِيد فضَّة، والأوتاد
والحبال كلهَا سود، وَعَلِيهِ جُبَّة خَز سَوْدَاء، وتحتها فَرْوَة فنك، قد استشعره؛ لما هُوَ فِيهِ من شدَّة الْبرد وَالْعلَّة، وفوقها دراعة خَز أسود، مبطنة بفنك، وقلنسوة طَوِيلَة، وعمامة خَز سَوْدَاء، وَهُوَ عليل لما بِهِ، وَخلف الرشيد خَادِم يمسِكهُ؛ لِئَلَّا يمِيل بِبدنِهِ، وَالْفضل بن الرّبيع جَالس بَين يَدَيْهِ.
فَقَالَ للفضل: مر بكرا بإحضار مَا مَعَه من الْكتب السّريَّة.
فأنكرها، وَقَالَ: مَا كَانَ معي إِلَّا الْكتب الَّتِي أوصلتها.
فَقَالَ للفضل: توعده، وأعلمه أَنه إِن لم يمتثل؛ قتلته، فَأَقَامَ بكر على الْإِنْكَار.
فَقَالَ الرشيد، بِصَوْت خَفِي: قنبوه، فجيء ببكر، وَجِيء بالقنب، وقنب من فرقه إِلَى قدمه.
قَالَ بكر: فأيقنت بِالْقَتْلِ، ويئست من نَفسِي، وَعلمت على الْإِقْرَار.
فَأَنا على ذَلِك، وَإِذا قد أحضر هَارُون أَخا رَافع، وقرابته الَّذِي كَانَ مَعَه.
فَقَالَ الرشيد: أيتوهم رَافع أَنه يفلت مني، وَالله، لَو كَانَ مَعَه عدد نُجُوم السَّمَاء؛ لالتقطتهم وَاحِدًا بعد وَاحِد، حَتَّى أقتلهم عَن آخِرهم.
فَقَالَ الرجل: اللهَ، اللهَ، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فيّ، فَإِن الله، تَعَالَى، يعلم، وَأهل خُرَاسَان، أَنِّي بَرِيء من أخي مُنْذُ عشْرين سنة، ملازم منزلي ومسجدي، فَاتق الله فيّ، وَفِي هَذَا الرجل.
فَقَالَ لَهُ قرَابَته: قطع الله لسَانك، أَنا، وَالله، مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أَدْعُو الله بِالشَّهَادَةِ، فَلَمَّا رزقتها على يَدي شَرّ خلقه؛ أخذتَ فِي الِاعْتِذَار.
قَالَ: فاغتاظ الرشيد، وَقَالَ: عَليّ بجزارين.
فَقَالَ لَهُ قرَابَة رَافع: افْعَل مَا شِئْت، فَإنَّا نرجو من الله، تَعَالَى، أَن يرزقنا الشَّهَادَة، ونقف نَحن وَأَنت، بَين يَدي الله، ﷿، فِي أقرب مُدَّة، فتعلم كَيفَ يكون حالك.
فنحيا، وَأمر بهما، فقطعا عضوا، عضوا، فوَاللَّه، مَا فرغ مِنْهُمَا، حَتَّى توفّي الرشيد.
قَالَ بكر: وَأَنا أتوقع الْقَتْل بعدهمَا، حَتَّى أَتَانِي غُلَام لأبي الْعَتَاهِيَة، قد بعث بِهِ مَوْلَاهُ، وَكتب فِي رَاحَته شَيْئا أرانيه، فَإِذا هَذِه الأبيات:
هِيَ الْأَيَّام والغيروَأمر الله منتظر
أتيئس أَن ترى فرجافَأَيْنَ الله وَالْقدر؟
قَالَ: فوثقت بِاللَّه، وقويت نَفسِي، ثمَّ سَمِعت وَاعِيَة لَا أفهم مَعْنَاهَا، وَإِذا الْفضل بن الرّبيع قد أقبل إِلَيّ.
فَقَالَ: خلوا أَبَا حَامِد.
فَقلت: لَيْسَ هَذَا وَقت تكنيتي، فحللت، ودعا لي بخلع، فخلعت عَليّ.
ثمَّ قَالَ: أعظم الله أجرك فِي أَمِير الْمُؤمنِينَ، وَأخذ بيَدي، وأدخلني بَيْتا، فَإِذا الرشيد مسجى فِيهِ، فَكشفت عَن وَجهه، فَلَمَّا رَأَيْته مَيتا؛ سكنت.
فَقَالَ: هيه، هَات الْكتب الْبَاطِنَة الَّتِي مَعَك.
قَالَ: فأحضرت صندوقا للمطبخ قد نقبت قوائمه، وَجعلت الْكتب فِيهَا، وَجعلت الْجلد فَوْقهَا، فَأمرت بشق الْجلد، وَكسر القوائم، وسلمت الْكتب إِلَى أَصْحَابهَا، وَأخذت الْأَجْوِبَة، وانصرفت.
قَالَ مؤلف هَذَا الْكتاب: وَقد أَتَى أَبُو الْحُسَيْن القَاضِي فِي كِتَابه بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، لأبي الْعَتَاهِيَة، من غير أَن يذكر الْقِصَّة، وَزَاد بَين الْبَيْت الأول وَالْبَيْت الثَّانِي بَيْتا، وَهُوَ:
فَلَا تجزع وَإِن عظمالْبلَاء ومسّك الضَّرَر
وَذكر أَبُو بكر الصولي هَذَا الْخَبَر، فِي كِتَابه الْمُسَمّى بـ: كتاب (الأوراق)، الدَّاخِل فِيمَا أجَاز لي رِوَايَته، بعد مَا سمعته مِنْهُ، فَقَالَ: حَدثنِي عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر، قَالَ: حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا، عَن بكر بن الْمُعْتَمِر، وَذكر نَحْو ذَلِك، إِلَّا شعر أبي الْعَتَاهِيَة، فَإِنَّهُ مَا ذكره، وَقَالَ: إِن مضرب الرشيد أسود كُله، لَهُ شرف، كَأَنَّهُ جبل أسود، وَلم يقل أَن الرشيد فِي قبَّة خَز، قَالَ: والرشيد فِي فازة خَز سَوْدَاء، وعَلى سَرِيره دست خَز أسود، وَعَلِيهِ جُبَّة
سَوْدَاء، تحتهَا فنك، وَقد لبسهَا بِلَا قَمِيص، وَهُوَ مُسْتَند إِلَى مُسْند الدست.
قَالَ: فَخرج إِلَيّ الْفضل، فحلني، وَسلم عَليّ، وَكَانَ لي صديقا.
وَقَالَ لي: أَيْن كتبك على الْحَقِيقَة؟ فَقلت: مَا معي كتب.
فَقَالَ: إِنَّه قد مَاتَ، وَكَأَنَّهُ رَآنِي لم أصدق ذَلِك، فَأخذ بيَدي، حَتَّى وقفني عَلَيْهِ، وَهُوَ ميت.
فَقلت: مَا أعجب هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّه تحامل لَك وللرجلين، فَجَلَسَ وَهُوَ لَا يُطيق، وَقد خرق فِي السرير خرق ينجو مِنْهُ، وَتَحْت فرَاشه الْأسود جاورس، والخدم قعُود خلف السرير، يسندون أَطْرَاف جنبه، وَلَوْلَا مكانهم مَا ثَبت جَالِسا، فَلَمَّا كلم الرجلَيْن، وَرفع صَوته وحرد؛ غشي عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ ذبالة أَضَاءَت، ثمَّ طفئت.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع