تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

الْبَغي مرتعه وخيم

وحَدثني إِبْرَاهِيم بن عَليّ النصيبي، هَذَا، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن عَليّ الصفار، شيخ كَانَ جارا لنا بنصيبين، قَالَ: خرجت من نَصِيبين بِسيف نَفِيس، كنت ورثته من أبي، أقصد بِهِ الْعَبَّاس بن عَمْرو السّلمِيّ، أَمِير ديار ربيعَة، وَهُوَ بِرَأْس عين، لأهديه إِلَيْهِ، وأستجديه بذلك.

فصحبني فِي الطَّرِيق شيخ من الْأَعْرَاب، فَسَأَلَنِي عَن أَمْرِي، فأنست بِهِ، وحدثته الحَدِيث، وَكُنَّا قربنا من رَأس عين، ودخلناها، وافترقنا.

وَصَارَ يجيئني ويراعيني، وَيظْهر لي أَنه يسلم عَليّ، وَأَنه يبرني بِالْقَصْدِ، ويسألني عَن حَالي.

فَأَخْبَرته أَن الْأَمِير قبل هديتي، وأجازني بِأَلف دِرْهَم وَثيَاب، وَأَنِّي أُرِيد الْخُرُوج فِي يَوْم كَذَا وَكَذَا.

فَلَمَّا كَانَ ذَلِك الْيَوْم؛ خرجت عَن الْبَلَد، رَاكِبًا حمارا، فَلَمَّا أصحرت؛ إِذا بالشيخ على دويبة لَهُ ضَعِيفَة، مُتَقَلِّدًا سَيْفا.

فَلَمَّا رَأَيْته استربت بِهِ، وأنكرته، وَرَأَيْت الشَّرّ فِي عَيْنَيْهِ.

فَقلت: مَا تصنع هَهُنَا؟

فَقَالَ: قد قضيت حوائجي، وَأُرِيد الرُّجُوع، وصحبتك عِنْدِي آثر من صُحْبَة غَيْرك.

فَقلت: على اسْم الله.

وَمَا زلت متحرزا مِنْهُ، وَهُوَ يجْتَهد أَن أدنو مِنْهُ وأوانسه، فَلَا أفعل، وَكلما دنا مني؛ بَعدت عَنهُ، إِلَى أَن سرنا شَيْئا كثيرا، وَلَيْسَ مَعنا ثَالِث.

فقصر عني، فحثثت الْحمار؛ لأفوته، فَمَا أحسست إِلَّا بركضه، فَالْتَفت، فَإِذا هُوَ قد جرد سَيْفه، وقصدني، فرميت بنفسي عَن الْحمار، وعدوت.

فَلَمَّا خَافَ أَن أفوته؛ صَاح: يَا أَبَا الْقَاسِم، إِنَّمَا مزحت مَعَك، فقف، فَلم ألتفت إِلَيْهِ، وَزَاد فِي التحريك.

وَظهر لي ناووس فطلبته، وَقد كَاد الْأَعرَابِي يلْحق بِي، فَدخلت الناووس، ووقفت وَرَاء بَابه.

قَالَ: وَمن صِفَات تِلْكَ النواويس أَنَّهَا مَبْنِيَّة بِالْحِجَارَةِ، وَبَاب كل ناووس حجر وَاحِد عَظِيم، قد نقر، وحفف، وملس، فَلَا تستمكن الْيَد مِنْهُ، وَله فِي وَجهه حَلقَة، وَلَيْسَ للباب من دَاخل شَيْء تتَعَلَّق الْيَد بِهِ، وَإِنَّمَا يدْفع من خَارجه، فَيفتح، فَيدْخل إِلَيْهِ، وَإِذا خرج مِنْهُ، وجذبت الْحلقَة، انغلق الْبَاب، وَتمكن هَذَا من وَرَائه، فَلم يُمكن فَتحه من دَاخل أصلا.

قَالَ: فحين دخلت الناووس؛ وقفت خلف بَابه، وَجَاء الْأَعرَابِي، فَشد الدَّابَّة فِي حَلقَة الْبَاب، وَدخل يُرِيدنِي، مخترطا سَيْفه، والناووس مظلم، فَلم يرني، وَمَشى إِلَى صدر الناووس، فَخرجت أَنا من خلف الْبَاب، وجذبته، ونفرت الدَّابَّة، فجذبته معي، حَتَّى صَار الْبَاب مردوما ومحكما

وحصّلْتُ الْحلقَة فِي رزة هُنَاكَ، وحللت الدَّابَّة، وركبتها.

فجَاء الْأَعرَابِي، إِلَى بَاب الناووس، فَرَأى الْمَوْت عيَانًا، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم، اتَّقِ الله فِي أَمْرِي، فإنني أتلف.

فَقلت: تتْلف أَنْت أَهْون عَليّ من أَن أتلف أَنا.

قَالَ: فَأَخْرجنِي، وَأَنا أُعْطِيك أَمَانًا، واستوثق مني بالأيمان، أَن لَا أعرض لَك بِسوء أبدا، وَاذْكُر الْحُرْمَة الَّتِي بَيْننَا.

فَقلت: لم ترعها أَنْت، وأيمانك فاجرة، لَا أَثِق بهَا فِي تلف نَفسِي.

فَأخذ يُكَرر الْكَلَام، فَقلت لَهُ: لَا تهذ، دع عَنْك هَذَا الْكَلَام، واقعد مَكَانك، هوذا، أَنا رَاكب دابتك، وأجنب حماري، والوعد بعد أَيَّام بَيْننَا هُنَا، فَلَا تَبْرَح عَليّ حَتَّى أجيء، وَإِذا احتجت إِلَى طَعَام، فَعَلَيْك بجيف العلوج، فَنعم الطَّعَام لَك.

وَأخذت ألهو بِهِ فِي مثل هَذَا القَوْل، وَأخذ يبكي ويستغيث، وَيَقُول: قتلتني، وَالله.

فَقلت: إِلَى لعنة الله، وَركبت دَابَّته، وجنبت حماري.

وَوجدت على دَابَّته خرجا فِيهِ ثِيَاب يسيرَة، وَجئْت إِلَى نَصِيبين، فَبِعْت الثِّيَاب، وَكَانَت دَابَّته شهباء، فصبغتها دهماء وبعتها؛ لِئَلَّا يعرف صَاحبهَا فأطالب بِالرجلِ، وَاتفقَ أَنه اشْتَرَاهَا رجل من المجتازين، وكفيت أمره، وانكتمت الْقِصَّة.

فَلَمَّا كَانَ بعد أَكثر من سنة؛ عرض لي الْخُرُوج إِلَى رَأس عين، فَخرجت فِي

تِلْكَ الطَّرِيق، فَلَمَّا لَاحَ لي الناووس؛ ذكرت الشَّيْخ.

فَقلت: أعدل إِلَى الناووس، وَأنْظر مَا صَار إِلَيْهِ أمره، فَجئْت إِلَيْهِ، فَإِذا بَابه كَمَا تركته.

ففتحته، وَدخلت، فَإِذا بالأعرابي قد صَار رمة، فحمدت الله، تَعَالَى، على السَّلامَة.

ثمَّ حركته برجلي، وَقلت لَهُ على سَبِيل الْعَبَث: مَا خبرك، يَا فلَان؟ فَإِذا بِصَوْت شَيْء يتخشخش، ففتشته، فَإِذا هميان، فَأَخَذته، وَأخذت سَيْفه، وَخرجت، وَفتحت الْهِمْيَان، فَإِذا فِيهِ خمس مائَة دِرْهَم، وبعت السَّيْف بعد ذَلِك بجملة دَرَاهِم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.