من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
عصبت عَيناهُ وَمد عُنُقه وَرفع السَّيْف على رَأسه ثمَّ نجا من الْقَتْل
حَدثنِي الْحسن بن مُحَمَّد الحناني، قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم نصر الْمَعْرُوف بالمايني الَّذِي كَانَ يتقلد السِّكْر بِبَغْدَاد فِي أَيَّام عضد الدولة وتاج الْملَّة، ﵁.
قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ: وَأَنا أعرف هَذَا الرجل، وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن، وَمَا اتّفق لي أَن أسأله عَن هَذَا الْخَبَر.
قَالَ: كَانَ عضد الدولة، ﵀، وَهُوَ صبي بَالغ، صَار من أَصْبَهَان إِلَى فَارس، استدعاه عَمه عماد الدولة عَليّ بن بويه لينقل إِلَيْهِ ولَايَة عَهده، ويستخلفه عَلَيْهَا من بعده، فسرت مَعَه، وَأَنا مَعَه إِذْ ذَاك أحجبه.
فَلَمَّا صَار بسمارم، منزل من الطَّرِيق، أَمرنِي أَن أصير إِلَى كركير وَالِي سمارم من قبل أَبِيه ركن الدولة، ﵀، وأطالبه بِأَن ينفذ إِلَى حَضرته اثْنَي عشر رجلا من الأكراد، كَانُوا محبسين فِي يَد كركير، وَكَانَ خبرهم قد بلغ عضد الدولة، فأرادهم.
فَامْتنعَ كركير من إنفاذهم، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ قطاع الطَّرِيق، قد قطعُوا وَقتلُوا، وَلَا أسلمهم إِلَّا بِأَمْر يرد عَليّ من ركن الدولة، فَجئْت إِلَيْهِ وعرفته.
فمضيت، فَأَقَامَ الرجل على الِامْتِنَاع من تسليمهم، فعدت إِلَى عضد الدولة فَأَخْبَرته.
فاغتاظ من ذَلِك، وَأَمرَنِي أَن أكسر الْحَبْس، وأجيئه بالأكراد، فامتثلت أمره، وأحضرتهم المضرب، وأعلمته.
فَأمرنِي أَن أمضي أَنا وحاجب آخر من حجابه، سَمَّاهُ، لنقتلهم.
فحملناهم إِلَى مَوضِع، وأمرنا، فَقتل مِنْهُم ثَلَاثَة.
وَقدم الرَّابِع فَرَمَاهُ ذَلِك الْحَاجِب بخشت، كَانَ فِي يَده، فنبا عَنهُ، وَلم يعْمل فِيهِ، فَتقدم بشد عَيْنَيْهِ، وَشرب رقبته بِالسَّيْفِ، فشددت عَيْنَيْهِ بمنديل خاز، حضرهم فِي الْحَال.
فَلَمَّا رفع السياف يَده ليحطها على المضرب؛ استرخى المنديل فَوَقع على المضرب فغطاه.
فَقَالَ السياف: ارْفَعُوا المنديل.
فأومأت بِطرف عَصا كَانَت فِي يَدي، على رسم الْحجاب، لأزيل المنديل، فيتمكن السياف من الضَّرْبَة، فَإِذا رَسُول عضد الدولة يسْعَى وَيَقُول: لَا تقتلُوا الْقَوْم.
فتوقفنا، ومضيت إِلَى حَضرته، وعرفته صُورَة من قتل وَمن بَقِي، وَمَا اتّفق
فِي أَمر الرجل، فتعجب من أمره.
وَأمر بِهِ، فأحضرته إِلَيْهِ، وكشف عَن مَوضِع الخشت حَتَّى رَآهُ، وَكَانَ فِي كتفه، فَإِذا هُوَ قد انتفخ واخضر، وَلم يدْخل فِي لَحْمه، فازداد تعجبه، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ، وَأَن يخلع عَلَيْهِ وعَلى الْجَمَاعَة، فَفعل ذَلِك بهم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع