من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)
الجناذية والبانوانية فِي الْهِنْد
وَحكى أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن شُجَاع الْمُتَكَلّم الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: رَأَيْت بِالْهِنْدِ قوما، يُقَال لَهُم: الجناذية، يَأْكُلُون الْميتَة، يَتَقَذَّرهُمْ جَمِيع أهل الْهِنْد، وَعِنْدهم أَنهم إِن لامسوهم تنجسوا.
قَالَ: فهم يَمْشُونَ وَفِي أَعْنَاقهم طبول يطبلون بهَا؛ ليسمع أصواتها النَّاس، فيتنحون عَن طريقهم، فَإِن لم يَتَنَحَّ الرجل عِنْد سَماع الطبل؛ فَلَا شَيْء على الجناذي، وَإِن لم يضْرب الجناذي الطبل، حَتَّى يلاصق جسده جَسَد غَيره؛ قَتله الَّذِي لصق جسده، فَلَا يعدى عَلَيْهِ؛ لِأَن هَذَا هُوَ شرطهم وسنتهم.
قَالَ: وَلَا يشرب أحد مَاء هَؤُلَاءِ الجناذية، وَلَا يَأْكُلُون من طعامهم، وَلَا يخالطهم، فهم ينزلون فِي ظَاهر الْبَلَد، منفردين نَاحيَة، وهم أرمى النَّاس، ومعاشهم من الصَّيْد.
وَهُنَاكَ قوم، يُقَال لَهُم: البانوانية، يجرونَ مجْرى المستقفين هَهُنَا، وَالسُّلْطَان يطلبهم كَمَا يطْلب اللُّصُوص والعيارين، فَإِذا عرفهم، وظفر بهم؛ قَتلهمْ.
وهم يصطادون النَّاس، وَلَا يعْرفُونَ غير ذَلِك.
وَالْوَاحد مِنْهُم يتبع التُّجَّار الَّذين يطرءون إِلَيْهِم من الْمُسلمين والذمة، فَإِذا رأى الْوَاحِد مِنْهُم الْوَاحِد من التُّجَّار فِي طَرِيق خَال؛ قبض عَلَيْهِ، فَلَا يُمكن لأحد من النَّاس أَن يخلصه؛ لعلمهم أَنه إِذا اسْتَغَاثَ، أَو نطق، قَتله الْهِنْدِيّ، وَقتل نَفسه فِي الْحَال، لَا يُبَالِي بذلك؛ لاعتقادهم الْمَشْهُور فِي أَمر الْقَتْل، ويراهم النَّاس قد أخلوا الرجل، فَلَا يتعرضون لتخليصه؛ لِئَلَّا يقْتله.
وَيَقُول لَهُم الرجل الْمَأْخُوذ: اللهَ اللهَ، إِن عارضتموه، فَلَا يُمكن لسلطان، وَلَا غَيره، انْتِزَاعه مِنْهُم فِي تِلْكَ الْحَال؛ لِئَلَّا يعجل بقتْله.
قَالَ: فَأخْبر رجل بِالْهِنْدِ، أَن رجلا من البانوانية قبض فِي طَرِيق سَفَره، على رجل لقِيه من التُّجَّار.
فَقَالَ لَهُ: اشْتَرِ نَفسك مني، فتوافقا على أَن يَشْتَرِي نَفسه مِنْهُ بِأَلف دِرْهَم.
فَقَالَ لَهُ التَّاجِر: تعلم أَنِّي خرجت وَلَا شَيْء معي، وَمَالِي فِي الْبَلَد، فَتَصِير معي إِلَى دَاري فَإِنَّهَا قريبَة؛ لأؤدي لَك ذَلِك.
فَأَجَابَهُ، وَقبض عَلَيْهِ بِيَدِهِ، فَلم يزل يمشي مَعَه، فاجتازا فِي طريقهما فِي سكَّة مِنْهَا، فسلكا فِيهَا.
فحين حصلا فِيهَا، فكر التَّاجِر فِي حِيلَة للخلاص، وَكَانَ قد عرف مَذْهَب أهل الْهِنْد فِي الجناذية، فَلم يزل يمشي مَعَه حَتَّى رَأيا بَابا مَفْتُوحًا من دور الجناذية، فجذب يَده جذبة شَدِيدَة من البانواني، وسعى، فَدخل دَار الجناذي.
فَقَالَ لَهُ: مَا لَك؟ قَالَ: أَنا مستجير بك من يَد بانواني، قد صادني فهربت مِنْهُ.
فَقَالَ: لَا بَأْس عَلَيْك، فاجلس.
فصاح البانواني، يَا جناذي، اخْرُج إِلَيّ، وهم لَا يدْخلُونَ بيُوت الجناذية أصلا؛ لاستقذراهم إيَّاهُم.
قَالَ: فَخرج، فَوقف، وَبَينهمَا عرض الطَّرِيق لَا يجوز أَن يدنو أحد من صَاحبه.
فَقَالَ البانواني: أَعْطِنِي صَاحِبي.
فَقَالَ لَهُ الجناذي: قد استجار بِي، فتهبه لي.
قَالَ: لَا أفعل، هَذَا رِزْقِي، وَإِن لم تعطنيه؛ لم نَدع من الجناذية وَاحِدًا إِلَّا قَتَلْنَاهُ.
فطال بَينهمَا الْكَلَام، إِلَّا أَن قَالَ لَهُ الجناذي: أسلمه إِلَيْك فِي الصَّحرَاء، فَامْضِ واسبقني إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ.
قَالَ: فَمضى البانواني، وَدخل الجناذي إِلَى الرجل، فَقَالَ لَهُ: أخرج معي السَّاعَة، وَلَا بَأْس عَلَيْك، وَأخذ الجناذي قوسه وَخَمْسَة سِهَام، قَالَ: وسهامهم من قصب.
فعلق الْمُسلم بكم الجناذي، ولصق بِهِ؛ علما مِنْهُ بِأَن البانواني لَا يدنو مِنْهُ.
فَلَمَّا صَارُوا فِي الصَّحرَاء؛ قَالَ لَهُ الجناذي: تهبه لي، وأجتهد بِهِ، فَلم يفعل.
قَالَ: فَإِنِّي لَا أسلمه إِلَيْك، حَتَّى لَا يبْقى معي شَيْء من السِّلَاح.
قَالَ: فشأنك، ففوق نَحوه سَهْما، فحين أطلقهُ؛ تَلقاهُ البانواني بحربي كَانَ مَعَه، وَالْحَرْبِيّ آلَة من السِّلَاح عِنْدهم مَعْرُوفَة، فَاعْترضَ السهْم بِهِ، فَقَطعه نِصْفَيْنِ، وَسلم مِنْهُ.
فتحير الجناذي، فَلم يزل يرميه بنشابة بعد أُخْرَى، إِلَى أَن ذهب النشاب،
وَلم يبْق مَعَه إِلَّا اثْنَتَانِ.
فضعفت نفس التَّاجِر، وأيقن بِالْهَلَاكِ، وَقَالَ للجناذي: اللهَ اللهَ فِي دمي.
فَقَالَ لَهُ الجناذي: لَا تخف، سأريك من رميي مَا يتحدث بِهِ، انْظُر إِلَى هَذَا الطَّائِر الَّذِي يطير فِي السَّمَاء، فَإِنِّي أرميه، فأصرعه على رَأسك، ثمَّ أرميك فَلَا أخطئك.
قَالَ: فَرفع البانواني رَأسه، ينظر إِلَى الطَّائِر، فَرَمَاهُ الجناذي، فَأصَاب فُؤَاده، فَخر صَرِيعًا، وَمَات.
فَقَالَ للتاجر: ارْجع الْآن آمنا.
فَرجع إِلَى دَاره، فَأَقَامَ عِنْده إِلَى أَن اجتازت بهم صُحْبَة، فَمضى التَّاجِر مَعهَا، فوصل إِلَى مأمنه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع