تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

لَا جَزَاك الله من طَارق خيرا

حَدثنَا أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الْكَاتِب، الْمَعْرُوف وَالِده بـ: أبي اللَّيْث الهمذاني، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن بديع الْعقيلِيّ، قَالَ: رَأَيْت فَتى من بني عقيل، فِي ظَهره كُله شَرط كَشَرط الْحجام، إِلَّا أَنَّهَا أكبر، فَسَأَلته عَن سَبَب ذَلِك.

فَقَالَ: إِنِّي كنت هويت ابْنة عَم لي، وخطبتها، فَقَالُوا لي: إِنَّا لَا نُزَوِّجك إِيَّاهَا، إِلَّا بعد أَن تجْعَل الشبكة صَدَاقهَا، وَهِي فرس سَابِقَة كَانَت لبَعض بني بكر بن كلاب.

فتزوجتها على ذَلِك، وَخرجت أحتال فِي أَن أسل الْفرس؛ لأتمكن من الدُّخُول بابنة عمي.

قَالَ: فَأتيت الْحَيّ الَّذِي فِيهِ الْفرس، بِصُورَة مجتاز، فَمَا زلت أداخلهم، وَمرَّة أجيء إِلَى الخباء الَّذِي فِيهِ الرجل صَاحب الْفرس، كَأَنِّي سَائل، إِلَى أَن عرفت مربط الْفرس من الخباء، وَرَأَيْت لَهَا مهرَة.

فاحتلت حَتَّى دخلت الْبَيْت من كَسره، وحصلت خلف النضد تَحت عهن، كَانُوا نفشوه ليغزل، فَلَمَّا جن اللَّيْل؛ وافى صَاحب الْبَيْت، وَقد صنعت لَهُ الْمَرْأَة عشَاء، فَجَلَسَا يأكلان، وَقد استحكمت الظلمَة، وَلَا

مِصْبَاح لَهُم، وَكنت ساغبا، فأخرجت يَدي، وأهويت إِلَى الْقَصعَة، وأكلت مَعَهُمَا.

فأحس الرجل بيَدي، فأنكرها، وَقبض عَلَيْهَا، فقبضت على يَد الْمَرْأَة بيَدي الْأُخْرَى.

فَقَالَت لَهُ الْمَرْأَة: مَا لَك ويدي؟ فَظن أَنه قَابض على يَد الْمَرْأَة، فخلى يَدي، فخليت يَد الْمَرْأَة.

وأكلنا، ثمَّ أنْكرت الْمَرْأَة يَدي، وقبضت عَلَيْهَا، فقبضت على يَد الرجل، فَقَالَ لَهَا: مَا لَك ويدي؟ فخلت عَن يَدي، وخليت عَن يَده.

وانقضى الطَّعَام، واستلقى الرجل، ونام، فَلَمَّا استثقل، وَأَنا مراصدهم، وَالْفرس مُقَيّد، ومفتاح قيد الْفرس تَحت رَأس الْمَرْأَة.

فَوَافى عبد لَهُ أسود، فنبذ حَصَاة، فانتبهت الْمَرْأَة، وَقَامَت إِلَيْهِ، وَتركت الْمِفْتَاح فِي مَكَانَهُ، وَخرجت من الخباء إِلَى ظهر الْبَيْت ورمقتها بعيني، فَإِذا العَبْد قد علاها.

فَلَمَّا حصلا فِي شَأْنهمَا؛ دببت، فَأخذت الْمِفْتَاح، وَفتحت القفل، وَكَانَ معي لجام مَصْنُوع من شعر، فأوجرته الْفرس، وركبتها، وَخرجت عَلَيْهَا من الخباء.

فَقَامَتْ الْمَرْأَة من تَحت الْأسود، وَدخلت الخباء، ثمَّ صاحت، وذعر الْحَيّ، فصاحوا، وأحسوا بِي، وركبوا فِي طلبي، وَأَنا أكد الْفرس، وَخَلْفِي خلق مِنْهُم.

فَأَصْبَحت، وَلست أرى إِلَّا فَارِسًا وَاحِدًا بِرُمْح، فلحقني وَقد طلعت الشَّمْس، فَأخذ يطعنني، فَلَا تصل طعنته إِلَى أَكثر مِمَّا رَأَيْت من ظَهْري، لَا فرسه تلْحق بِي فتتمكن طعنته مني، وَلَا فرسي تبعدني إِلَى حَيْثُ لَا يمسني الرمْح.

حَتَّى وافيت إِلَى نهر جَار، فَصحت بالفرس، فوثبته، وَصَاح الْفَارِس

بفرسه، فَلم تثب.

فَلَمَّا رَأَيْت عجزها عَن العبور، نزلت عَن فرسي لأستريح، وأريحها، فصاح بِي الرجل.

فَقلت: مَا لَك؟ فَقَالَ: يَا هَذَا، أَنا صَاحب الْفرس الَّتِي تَحْتك، وَهَذِه ابْنَتهَا، فَإِذا أَخَذتهَا، فَلَا تخدعن عَنْهَا، فَإِنَّهَا تَسَاوِي عشر ديات، وَعشر ديات، وَعشر ديات، وَمَا طلبت عَلَيْهَا شَيْئا قطّ إِلَّا لحقته، وَلَا طلبني أحد، وَأَنا عَلَيْهَا، إِلَّا فته، وَإِنَّمَا سميت الشبكة؛ لِأَنَّهَا لم ترد شَيْئا قطّ إِلَّا أَدْرَكته فَكَانَت كالشبكة فِي التَّعَلُّق بِهِ.

فَقلت لَهُ: أما إِذْ نصحتني، فوَاللَّه لأنصحنك، وَلَا أكذبك، إِنَّه كَانَ من أَمْرِي البارحة، كَيْت وَكَيْت، حَتَّى قصصت عَلَيْهِ قصَّة امْرَأَته، وَالْعَبْد، وحيلتي فِي الْفرس.

فَأَطْرَقَ سَاعَة، ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ، وَقَالَ: مَا لَك، لَا جَزَاك الله من طَارق خيرا، أخذت قعدتي، وَقتلت عَبدِي، وَطلقت ابْنة عمي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.