تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

أَبُو جَعْفَر بن شيرزاد

كَانَ لداره أَرْبَعَة عشر بَابا حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن شيرزاد، قَالَ: حَدثنِي خَالِي، وَابْن عَم أبي، أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن يحيى بن شيرزاد، قَالَ: لما سعي عَليّ عِنْد بجكم، حَتَّى صرفني عَن كتبته، ونكبني، وألزمني

بِمِائَتي ألف دِينَار، فأديت أَكْثَرهَا من غير أَن أبيع شَيْئا من أملاكي الظَّاهِرَة.

فَلَمَّا قاربت وفاءها، استحضرني أَحْمد بن عَليّ الْكُوفِي كَاتبه وَكَانَت لَهُ مُرُوءَة، وَأخذ يخاطبني بِكَلَام طَوِيل، هُوَ تقدمة واعتذار لشَيْء يُرِيد أَن يخاطبني بِهِ.

فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي مَا تُرِيدُ؟ وَمَا بك حَاجَة إِلَى التَّسَبُّب، فَإِنِّي بمودتك واثق.

فَقَالَ: إِن هَذَا الرجل، يَعْنِي بجكم، قد رَجَعَ عَلَيْك فِي صلحك، وطمع فِيك، وطالبني أَن آخذ مِنْك مِائَتي ألف دِينَار أُخْرَى، وَوَاللَّه، مَا هَذَا عَن رَأْيِي، وَلَا لي فِيهِ مدْخل، وَلَا هُوَ من فعلي وَلَو قدرت على إِزَالَته عَنْك لفَعَلت.

قَالَ: فَأخذت أَحْلف لَهُ أَنِّي لَا أهتدي إِلَيْهَا، وَلَا إِلَى عشرهَا، وَأَن النكبة قد استنفدت مَالِي، وَلم يبْق لي شَيْء، إِلَّا دَاري، وضيعتي، وَأَنا أسميهما، وَلَا أكتم شَيْئا مِنْهُمَا، وَأخرج لَهُ عَنْهُمَا، ليهب لي روحي.

قَالَ: فطال الْخطاب بَيْننَا، فَلَمَّا قَامَ فِي نَفسه صدقي، فكر طَويلا.

ثمَّ قَالَ: يَا سَيِّدي، هَذَا رجل أعجمي، وَعِنْده أَن وَرَاءَك أَضْعَاف هَذَا المَال، وَأَن فِيك من الْفضل مَا يصلح لقلب دولته عَلَيْهِ، وَأَنت، وَالله، مَعَه فِي طَرِيق الْقَتْل، إِلَّا أَن يَكْفِيك الله ﷿، وَوَاللَّه، مَا أحب أَن يجْرِي مثل هَذَا

على يَدي، وَلَا فِي أيامي، فيلزمني عاره إِلَى الْأَبَد، وأجسره على قتل كِتَابه، فدبر خلاصك.

فتحيرت، ثمَّ سكنت، وَقلت لَهُ: تُعْطِينِي مِيثَاقك، وتحلف لي أَن سرك فِي محبَّة خلاصي كعلانيتك، حَتَّى أَقُول لَك مَا عِنْدِي؟ فَفعل.

فَحَلَفت لَهُ أَنِّي قد صدقته، وأنني لَا أمتنع مِمَّا يجريه عَليّ من بعد هَذَا الْيَمين، وَلَو شَاءَ مني أَن أفتح دواتي، وأكتب بَين يَدَيْهِ.

وَقلت لَهُ: أَنْت وقتك مقبل، ووقتي مُدبر، وَأَنت فارغ الْقلب، وَأَنا ذاهل بالمحنة، فدبر أَمْرِي الْآن كَيفَ شِئْت، فَإِنَّهُ ينفتح لَك بِهَاتَيْنِ الخلتين، مَا قد استبهم عَليّ.

قَالَ: ففكر، ثمَّ قَالَ: أَنا إِن آيست هَذَا الرجل من مَالك، لم آمنهُ على دمك، وَإِن أطمعته فِي مَالك، وَلَيْسَ لَك مَا تعلله بِهِ، أدَّت بك الْمُطَالبَة إِلَى التّلف، وَلَكِن الصَّوَاب عِنْدِي أَن أطمعه فِي ضيعتك، وأصف لَهُ جلالتها فأشتريها لَهُ مِنْك، وَأَقُول لَهُ: إِن ضيَاع السوَاد الخراجية، قد أجمع شُيُوخ الْكتاب بالحضرة، قَدِيما وحديثًا، على أَن كل مَا كَانَ مِنْهُ غَلَّته دِرْهَم، فَقيمته أَرْبَعَة دَرَاهِم، وَأَبُو جَعْفَر يَقُول: إِن غلَّة الضَّيْعَة، بعد الْخراج، خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار، وَإنَّهُ يضمنهَا بذلك، حَاصِلا، خَالِصا، بعد الْخراج والمؤن، وَيُقِيم بذلك كفلاء، فاشترها مِنْهُ بِمِائَتي ألف دِينَار كملًا، وَيحصل لعقبك ملك جليل، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُؤَدِّي بَاقِي المصادرة الأولى، وَتصير ضَامِنا للضيعة، فأدفعها إِلَيْك، وَمن سَاعَة إِلَى سَاعَة فرج، وَأَنا أحتال بحيلة فِي أَن

يكون الْكتاب عِنْدِي، فَلَا أسلمه إِلَيْهِ، فَلَعَلَّ حَادِثَة تحدث، وَترجع إِلَيْك ضيعتك، وَتَكون بالعاجل قد تخلصت، وَسلم دمك أَربع سِنِين.

قَالَ: فَعلمت أَنه قد نصحني، وآثر خلاصي، وأجبت.

فَدخل إِلَى بجكم، وَلم يزل مَعَه فِي محادثات، إِلَى أَن تقرر الْأَمر على مَا قاولني عَلَيْهِ، وأحضر الشُّهُود، وَكتب عَليّ الْكتاب بالابتياع، وَالْكتاب بِالْإِجَارَة.

وَقَالَ لي: ألوجه أَن تقيم كفلاء بِبَقِيَّة المصادرة الأولى، فقد استأذنته فِي صرفك إِلَى مَنْزِلك، وَإِذا انصرفت، فانضم، وَلَا يراك أحد، وَكن متحذرًا، وَلَا تظهر أَنَّك مستتر، فتغريه بك.

قَالَ: فشكرته، وأقمت الكفلاء بِالْمَالِ، إِلَى أَيَّام مَعْلُومَة، فصرفني.

فعدت إِلَى دَاري، وَكنت متحذرًا، أَجْلِس فِي كل يَوْم، فَيدْخل إِلَيّ بعض النَّاس، بِمِقْدَار مَا يعلم أَنِّي بداري، فَإِذا كَانَ نصف النَّهَار، خرجت إِلَى منَازِل إخْوَانِي، وأقمت يَوْمًا عِنْد هَذَا، وَيَوْما عِنْد الآخر، وراعيت أَخْبَار دَاري، أتوقع أَن يجيئها من يكبسها، فَأَكُون بِحَيْثُ لَا يعرف خبري، فأنجو.

فطال ذَلِك، والسلامة مستمرة، وَانْحَدَرَ بجكم إِلَى وَاسِط، فأنست بِالْجُلُوسِ والاستقرار فِي دَاري.

فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام، ضَاقَ صَدْرِي ضيقا لَا أعرف سَببه، وَاسْتَوْحَشْت، وفكرت فِي أَمْرِي، وَقلت: إِن كبست على غَفلَة، فَمَاذَا أصنع؟ قَالَ: وَكَانَ لداري أَرْبَعَة عشر بَابا، إِلَى أَرْبَعَة عشر سكَّة، وشارعًا، وزقاقًا نَافِذا، وَمِنْهَا عدَّة أَبْوَاب لَا يعرف جِيرَانهَا أَنَّهَا تُفْضِي إِلَى دَاري، وأكثرها عَلَيْهِ الْأَبْوَاب الْحَدِيد.

قَالَ: فتراءى لي، أَن أرْسلت إِلَى غلماني الْمُقَاتلَة، وَكَانُوا مُتَفَرّقين عني، قد صرفتهم لِئَلَّا يصير لي حَدِيث، فجاءوني، وَاجْتمعَ مِنْهُم، وَمن أَوْلَادهم، نَحْو ثلث مائَة غُلَام.

فَقلت لَهُم: إِذا كَانَ اللَّيْلَة فاحضروا جَمِيعًا بسلاحكم، وبيتوا عِنْدِي لَيْلًا، وَأقِيمُوا نَهَارا، إِلَى أَن أدبر أَمْرِي.

قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِك، وفرقتهم فِي الْحجر المقاربة للمجلس الَّذِي كنت أَجْلِس فِيهِ، وَقلت: إِن كبست، فشاغلوا عني من يطلبني، لأنجو.

قَالَ: وَكنت أدبر كَيفَ أعمل فِي قلب الدولة، أَو استصلاح بجكم، فَلم يَقع لي الرَّأْي، وَلَا أجد إِلَى ذَلِك طَرِيقا.

وَكنت أوصيت بوابي، أَن يغلق بَابي الْمَعْلُوم للنَّاس، وَلَا يَفْتَحهُ لأحد من خلق الله، إِلَّا بأَمْري.

وأجلست غُلَاما كَانَ يحجبني فِي أَيَّام الدولة، وَمَعَهُ عشرُون غُلَاما بسلاح خلف الْبَاب، وأمرته أَن لَا يفتح لأحد.

فَمَا مضى لهَذَا إِلَّا يَوْمَانِ أَو ثَلَاثَة، حَتَّى جَاءَنِي حاجبي، وَقَالَ: قد دق الْبَاب.

فَقلت: من الطارق؟ فَقَالَ: أَنا غُلَام مُحَمَّد بن ينَال الترجمان، وَهُوَ وَأَبُو بكر النَّقِيب بِالْبَابِ، يستأذنان على سيدنَا بِالدُّخُولِ.

فَقلت فِي نَفسِي: بلية وَالله.

وَأمرت الغلمان، فَاجْتمعُوا بأسرهم، متسلحين، فِي بَيت لَهُ قبَّة كَبِيرَة، كنت جَالِسا فِي أحد أروقته، وأمرتهم أَن لَا ينبسوا بِكَلِمَة.

وَقلت للحاجب: اصْعَدْ إِلَى السَّطْح، فَانْظُر مَا ترى، وَأَخْبرنِي بِهِ، فَفعل.

وَعَاد، فَقَالَ: رَأَيْت الشَّارِع مملوءًا بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال، وَقد أحاطوا بِالدَّار من جنبات كَثِيرَة، وَلما رأوني أراقبهم تنحيت.

فصاح بِي الترجمان، قَائِلا: كلمني، وَمَا عَلَيْك بَأْس.

فأخرجت رَأْسِي، فَقَالَ: وَيحك، مَا جِئْنَا لمكروه، وَمَا جِئْنَا إِلَّا لبشارة، فَعرف سيدنَا بذلك.

فَقلت: لَيْسَ هُوَ فِي الدَّار، وَلَكِن أراسله، ثمَّ أخبر الْأَمِير أيده الله، فِي غَد، برَسُول إِلَى دَاره.

فَقَالَ: أَنا هَاهُنَا وَاقِف سَاعَة، إِلَى أَن يرى رَأْيه.

ففكرت، وَقلت: هَذِه حِيلَة للقبض عَليّ، لَا شكّ فِي ذَلِك.

ثمَّ رجعت، فَقلت: يجوز أَن يكون بجكم، قد تغير على الْكُوفِي، وَلَا يجد لخدمته غَيْرِي، واعترضني الطمع، وَكَاد أَن يفْسد رَأْيِي.

ثمَّ قلت للغلمان: إِن قلت لكم اخْرُجُوا، فضعوا على أبي بكر النَّقِيب، والترجمان أَيْدِيكُم، فاخرجوا وخذوا رأسيهما، وَلَا تستأذنوا الْبَتَّةَ، فَأَجَابُوا.

فَقلت: احْذَرُوا أَن تخالفوا فَأهْلك.

فَقَالُوا: نعم.

ثمَّ قلت للحاجب: اطلع السَّطْح، وَقل لَهُ: إِنِّي على حَال من اختلال الْفرش وَالْكِسْوَة، لَا أحب مَعَه دُخُول أحد إِلَيّ، فَإِن رضيت أَن تدخل أَنْت وَأَبُو بكر النَّقِيب فَقَط، وَإِلَّا فَأَنا أصلح أَمْرِي وأجيء إِلَى دَارك اللَّيْلَة.

قَالَ: فَعَاد الْغُلَام، وَقَالَ: كَلمته، فَقَالَ: رَضِينَا بذلك.

فَقلت: يَا فلَان، اخْرُج، وَاحْذَرْ أَن يفتح الْبَاب كُله فَتدخل الْجَمَاعَة، وَأرى أَن تَقول لَهُ، أَن يتباعد عَن الْبَاب إِلَى الشَّارِع قَلِيلا، وَينزل، ويقصده هُوَ وَأَبُو بكر النَّقِيب فَقَط، وَاجعَل فِي الدهليز نفسين يمسكان الْبَاب من نقاوة الغلمان.

فَقَالَ: نعم.

ثمَّ قُمْت بنفسي، فأغلقت بَاب حَدِيد كَانَ بَين صحن الدَّار والدهليز، وَجعلت خَلفه جمَاعَة غلْمَان بِالسِّلَاحِ.

وَقلت: قل لَهما أَن يدخلا، وَافْتَحْ من الْبَاب الَّذِي على الشَّارِع قَلِيلا فَإِن ازْدحم النَّاس، وتكاثروا، فَهِيَ حِيلَة، فَدَعْهُمْ يدْخلُونَ، وَصَحَّ: مَا هَذَا؟ فَأعْلم أَنَّهَا حِيلَة، فَأخْرج من بعض الْأَبْوَاب، أما هم فيفضون إِلَى هَذَا الْبَاب، وَهُوَ مقفل، ووراءه الغلمان.

وَإِن حضرا وحيدين، فَقل لَهما: الشَّرْط أَن أقفل الْبَاب من وَرَاء ظهريكما بَيْنكُمَا وَبَين أصحابكما، ثمَّ افْتَحْ الْبَاب الَّذِي يَلِي الشَّارِع، حَتَّى يدخلَانِ، ثمَّ اقفله، وارم مفاتيحه من تَحت الْبَاب الثَّانِي إِلَيْنَا إِلَى الصحن، ودق هَذَا الْبَاب، فَإِنِّي وَاقِف وَرَاءه، لأتقدم بفتحه، فيدخلان.

فَفعل الْحَاجِب ذَلِك، وَحصل أَبُو بكر النَّقِيب والترجمان فِي الدهليز وحيدين.

فَلَمَّا سَمِعت صَوت قفل الْبَاب الْخَارِجِي، وَأَنا عِنْد الْبَاب الداخلي، ودق الْحَاجِب الْبَاب الثَّانِي، وَرمى بالمفتاح، عدت إِلَى مجلسي، فَجَلَست فِيهِ، ونحيت من كنت أقمته وَرَاء الْبَاب الثَّانِي بِالسِّلَاحِ، وأعدت عَلَيْهِم الْوَصِيَّة بِقَتْلِهِمَا إِن صحت: يَا غلْمَان اخْرُجُوا.

ثمَّ تقدّمت إِلَى غُلَام لي كَانَ وَاقِفًا بِلَا سلَاح، أَن يفتح الْبَاب، ويدخلهما، فَفعل ذَلِك.

وألقيت نَفسِي على الْفراش كَأَنِّي عليل، ودخلا، فَلم أوفهما الْحق، وأخفيت كَلَامي، كَمَا يفعل العليل.

فَقَالَا: أيش خبرك؟ فَقلت: أَنا مُنْذُ أَيَّام عليل، وارتعت بحضوركما.

فَأخذ الترجمان يحلف أَنه مَا حضر إِلَّا ليردني إِلَى منزلتي، واستكتابي لبجكم، فشكرته على ذَلِك.

وَقلت: أَنا تائب من التَّصَرُّف، وَلَا أصلح لَهُ.

فَقَالَ: قد أَمرنِي الْأَمِير بمخاطبتك فِي الْخُرُوج إِلَيْهِ، إِلَى وَاسِط، لتقرير هَذَا الْأَمر، وَلَا يجوز أَن أكتب إِلَيْهِ بِمثل هَذَا عَنْك، وَلَكِن إِذا كنت زاهدًا فِي الْحَقِيقَة، فَاخْرُج إِلَيْهِ، وأحدث بخدمته عهدا، واستعفه، فَإِنَّهُ لَا يجبرك.

فَقلت: هَل كاتبني بِشَيْء توصله إِلَيّ.

فَقَالَ: لَا، وَلكنه اقْتصر على مَا كتب بِهِ إِلَيّ، لعلمه بمودتي لَك، وَلِئَلَّا يفشو الْخَبَر.

فَقلت: تقفني على كِتَابه إِلَيْك.

فَقَالَ: لم أحملهُ معي.

فَعلمت أَنه قد كُوتِبَ بِالْقَبْضِ عَليّ، وَأَنه يتَوَصَّل بالحيلة لتحصيلي.

فَقلت: أَنا عليل كَمَا ترى، وَلَا فضل فِي للسَّفر، وَلَكِن تجيب الْأَمِير أَطَالَ الله بَقَاءَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة، وَأَنِّي أخرج بعد أُسْبُوع، إِذا استقللت قَلِيلا.

فَقَالَ: يقبح هَذَا، وَالْوَجْه أَن تخرج.

فَقلت: لَا أقدر.

فراجعني، وراجعته، إِلَى أَن قَالَ: لَا بُد من خُرُوجك.

فَقلت: إِنِّي لَا أخرج.

فَقَالَ: تخرج طَائِعا أَو كَارِهًا.

فَجَلَست، وَظهر فِي أثر الاحتداد مَعَ الْقُدْرَة، وَقلت: إِنِّي لَا أخرج، وَلَا كَرَامَة لَك، فاجهد جهدك، وَذَهَبت لأصيح بالغلمان.

وَكَانَ أَبُو بكر النَّقِيب خبيثًا، فَقَالَ: أسأَل سيدنَا بِاللَّه الْعَظِيم أَن لَا يتَكَلَّم بِحرف، ويدعني وَهَذَا الْأَمر.

ثمَّ أَخذ بيد الترجمان وقاما إِلَى نَاحيَة فِي الْمجْلس بعيدَة، لَا أسمع مَا يجْرِي بَينهمَا، فأطالا السرَار، ثمَّ جَاءَا إِلَيّ.

فَأخذ أَبُو بكر يعْتَذر إِلَيّ مِمَّا جرى، ويخاطبني باللين، وَيَقُول: فَبعد كم يخرج سيدنَا؟ حَتَّى نقتنع بوعده، وننصرف.

فَقلت: بعد عشرَة أَيَّام.

فَقَالَ: قد رَضِينَا.

فَأخذ الترجمان ينزق عَليّ فِي الْكَلَام، وَأَبُو بكر يغمزه، ويرفق بِهِ.

فَلَمَّا بلغا إِلَى قريب من الدهليز، رَجَعَ أَبُو بكر، وجر الترجمان، مَعَه وَقَالَ: هَذَا لَيْسَ يعرفك حق معرفتك، وَعِنْده أَنه يقدر يَسْتَوْفِي عَلَيْك الْحجَّة، فبالله إِلَّا مَا عَرفته مَا كَانَ فِي نَفسك أَن تعمله بِنَا، لَو اسْتَوْفَيْنَا عَلَيْك الْمُطَالبَة، لِئَلَّا أقع فِي مَكْرُوه مَعَه وَمَعَ الْأَمِير.

فَقلت فِي نَفسِي: أَنا أُرِيد الْهَرَب السَّاعَة، فَمَا معنى مساترتي لَهما مَا أردْت أَن أَفعلهُ، وَلم لَا أظهره ليَكُون أهيب فِي نفوسهما؟ فَقلت للغلام الَّذِي كَانَ وَاقِفًا على رَأْسِي بِلَا سلَاح: امْضِ إِلَى أَصْحَابنَا،

وَقل لَهُم أَن يخرجُوا، وَلَا يعملوا مَا كنت قلت لَهُم.

فَمضى الْغُلَام، وَفتح الْبَاب عَلَيْهِم، وَقَالَ: اخْرُجُوا، وَلَا تحدثُوا على الْقَوْم حَادِثَة، فَخرج الْقَوْم بِالسِّلَاحِ.

فَقلت: هَؤُلَاءِ أعددتهم لدفعكما عَن نَفسِي، إِن رمتما قسري على مَا لَا أوثره.

قَالَ: فَمَاتَ الترجمان فِي جلده، واصفر وتحير.

فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: أَنْت تظن أَنَّك بِالْجَبَلِ، وَلَيْسَ تعلم بَين يَدي من أَنْت الْآن؟ عرفت أَن الرَّأْي كَانَ فِي يَدي، لَا فِي يدك؟ وَالله، لَو زِدْت فِي الْمَعْنى، لخرج هَؤُلَاءِ فَأخذُوا رَأسك ورأسي.

فَقلت: معَاذ الله، وَلَكِن كَانُوا يمنعوكما من أذاي.

ثمَّ قلت للغلمان: كونُوا مَعَهُمَا، إِلَى أَن يخرجَا، وتغلقوا الْأَبْوَاب خلفهمَا، فَفَعَلُوا.

وَقمت فِي الْحَال فَلبِست خفًا وإزارًا على صُورَة النِّسَاء، واستصحبت جمَاعَة من عَجَائِز دَاري، وَخرجت مَعَهُنَّ من بَاب من تِلْكَ الْأَبْوَاب الْخفية، متحيرًا، لَا أَدْرِي أَيْن أقصد.

فقصدت عدَّة مَوَاضِع، كلما قصدت موضعا، علمت أَنه لَا يحملني، فأتجاوزه، إِلَى أَن كدني الْمَشْي، وَقربت من الرصافة، فَعَن لي أَن أقصد خَالَة المقتدر، وأطرح نَفسِي عَلَيْهَا.

فصرفت جَمِيع من كَانَ معي، إِلَّا وَاحِدَة، وقصدت دَار الْخَالَة، وَدخلت دهليزها.

فَقَامَ إِلَيّ الْخَادِم، وَقَالَ: من أَقُول؟ فَقَالَت الْعَجُوز: امْرَأَة لَا تحب أَن تسمي نَفسهَا، فَدخل وَإِذا بالخالة قد خرجت إِلَى الدهليز.

فَقَالَت لَهَا الامرأة: يَا ستي، تأمرين الْخَادِم بالانصراف، فَأَمَرته، فَانْصَرف.

فَكشفت وَجْهي، وَقلت: يَا ستي، الله، الله فِي دمي، اشتريني، فَقَالَت: يَا أَبَا جَعْفَر، مَا الْخَبَر؟ فَقلت: أدخليني، أحَدثك.

فَقَالَت: كن مَكَانك، فَإِنِّي قد علمت أَنَّك مَا جئتني إِلَّا مستترًا.

ثمَّ دخلت، فأبطأت، حَتَّى قلت: قد كرهت دخولي، وستخرج إِلَيّ من يصرفني، وتعتذر، وهممت بالانصراف.

وَإِذا بهَا قد خرجت، ثمَّ قَالَت: أرعبتك بالانتظار، وَمَا كَانَ ذَلِك إِلَّا عَن احْتِيَاط لَك، فَادْخُلْ.

فَدخلت فَإِذا دارها الأولى، على عظمها، فارغة، مَا فِيهَا أحد.

فسلكت بِي، وبالمرأة الْعَجُوز، إِلَى مَوضِع من الدَّار، فَدخلت إِلَى حجرَة، فأقفلتها بِيَدِهَا، ومشت بَين أَيْدِينَا، حَتَّى انْتَهَت بِنَا إِلَى سرداب، فأنزلتنا فِيهِ، ومشينا فِيهِ طَويلا، وَهِي بَين أَيْدِينَا، حَتَّى صعدت مِنْهُ إِلَى دَرَجَة طَوِيلَة، أفضت بِنَا إِلَى دَار فِي نِهَايَة الْحسن والسرو، وفيهَا من الْفرش، والآلات، كل شَيْء حسن.

وَقَالَت: إِنَّمَا احْتبست عَنْك، حَتَّى أصلحت لَك هَذِه الدَّار، وأخليت الأولى، حَتَّى لَا يراك الَّذين كَانُوا فِيهَا، فَيعرف خبرك، فعرفني قصتك.

فَذَكرتهَا لَهَا، من أَولهَا إِلَى آخرهَا.

فَقَالَت: اجْلِسْ هَاهُنَا مَا شِئْت، فوَاللَّه، إِنَّك تسرني بذلك، فاحفظ

نَفسك من أَن ينتشر خبرك من جهتك، فَلَيْسَ معي من جهتي من يدْخل عَلَيْك أَو يخرج مِنْك، فتهلك نَفسك، وتهلكني، فَإنَّك تعلم أَن هَذَا الرجل ظَالِم جَاهِل، لَا يعرف حق مثلي.

فَقلت: مَا معي غير هَذِه الْعَجُوز، وَلست أدعها تخرج.

فَقَالَت: هَذَا هُوَ الصَّوَاب.

فأقمت عِنْدهَا مُدَّة، فَكَانَت تجيئني كل يَوْم، وتعرفني أَخْبَار الدُّنْيَا، وتحادثني سَاعَة، وتنصرف، وَتحمل إِلَيّ كل شَيْء فاخر، من الْمَأْكُول، والمشروب، والبخور، وَأَخْدَم بِمَا لم أخدم بِمثلِهِ فِي أَيَّام دَوْلَتِي.

فَلَمَّا كَانَ فِي غَدَاة يَوْم بعد حصولي عِنْدهَا، قَالَت: يَا أَبَا جَعْفَر، أَنْت وَحدك، وَلَيْسَ يصلح أَن يخدمك كل أحد، وَقد حملت إِلَيْك هَذِه الْجَارِيَة، وأومأت إِلَى وصيفة كَانَت مَعهَا، فِي نِهَايَة الْحسن وَالْجمال، فاستخدمها، وَإِنَّهَا تَقول مقَام فراشة، وَقد أَهْدَيْتهَا لَك، وَإِن احتجت إِلَى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الرِّجَال، صلحت لذَلِك أَيْضا.

فَقبلت ذَلِك، وشكرتها، ودعوت لَهَا.

وتأملت الْجَارِيَة، فَإِذا هِيَ تغني أحسن غناء وأطيبه، فَكَانَ عيشي مَعهَا أطيب من عيشي أَيَّام الدولة.

وَمضى على استتاري نَحْو شَهْرَيْن، لَا يخرج من عِنْدِي أحد، وَلَا يدْخل إِلَيّ غير الْجَارِيَة.

فَقلت لَهَا يَوْمًا: قد تطلعت نَفسِي إِلَى معرفَة الْأَخْبَار، وإنفاذ هَذِه الْعَجُوز إِلَى من تتعرف ذَلِك مِنْهُ.

فَقَالَت: افْعَل، واحتفظ جهدك.

فَكتبت مَعَ الْعَجُوز كتابا إِلَى وَكيل لي أَثِق بِهِ، آمره أَن يتعرف لي الْأَخْبَار،

وَيكْتب إِلَيّ بهَا مَعَ الْعَجُوز.

ورسمت لَهُ أَن ينفذ طيورًا مَعَ غُلَام أسميته لَهُ وَكنت بِهِ واثقًا من دون سَائِر غلماني، ويأمره بالْمقَام بواسط، وَالْمُكَاتبَة على الطُّيُور فِي كل يَوْم بالأخبار، وَأَن يكْتب عني إِلَى جمَاعَة بواسط، كنت أَثِق بهم، بِأَن يمدوا الْغُلَام بالأخبار.

ورسمت للعجوز أَن لَا تعرف الْوَكِيل موضعي، لِئَلَّا يظْهر شَيْء من الْأَمر، وَيَقَع الْوَكِيل، وَيُطَالب بِي، فَيدل عَليّ.

فَعَاد الْجَواب إِلَيّ، بِمَا عِنْده من الْأَخْبَار، وَأَنه لَا يَنْقَضِي يَوْمه، حَتَّى ينفذ الْغُلَام والطيور.

فأمهلته عشرَة أَيَّام، ثمَّ رددت الْعَجُوز، فأنفذ لي على يَدهَا، كتبا وَردت على الطُّيُور، فقرأتها، وَمضى على ذَلِك مُدَّة.

فَأَصْبَحت يَوْمًا وَأَنا على نِهَايَة النشاط، وَالسُّرُور، والانبساط، من غير سَبَب أعرفهُ، فَقلت للعجوز: امْضِي إِلَى فلَان، واعرفي هَل ورد عَلَيْهِ كتاب من وَاسِط؟ فمضت الْعَجُوز إِلَى الْوَكِيل، فَهِيَ عِنْده، إِذْ سقط عَلَيْهِ طَائِر بِكِتَاب، فَحله، وَسلمهُ إِلَيْهَا، من غير أَن يقف عَلَيْهِ.

فجاءتني بِهِ، فَإِذا هُوَ من الْغُلَام الْمُرَتّب بواسط، بتاريخ يَوْمه، وَأَكْثَره رطب، كتب فِي الْحَال يذكر فِيهِ وُرُود الْأَخْبَار إِلَى وَاسِط، بقتل الأكراد لبجكم، وَأَن النَّاس قد اختلطوا وماجوا.

فَقبلت الأَرْض شكرا لله ﷿، وكتبت فِي الْحَال إِلَى الْكُوفِي رقْعَة أشكره فِيهَا على جميله، وأعرفه أَنِّي مَا طويت خبري عَنهُ إِلَى الْآن، إِلَّا إشفاقًا عَلَيْهِ من أَن يسْأَل عني، فَيكون مَتى حلف أَنه لَا يعرف خبري، صَادِقا، وَأَن أقل حُقُوق مَا عاملني بِهِ، أَن أعرفهُ مَا يجب أَن يتحرز مِنْهُ، وَذكرت لَهُ مَا ورد من الْخَبَر، وأشرت عَلَيْهِ بالاستتار.

وأنفذت رقعتي إِلَيْهِ بذلك، طي رقعتي إِلَى الْوَكِيل، وأمرته أَن يمْضِي بهَا فِي الْوَقْت إِلَيْهِ.

وَقلت للعجوز: إِذا مضى الْوَكِيل فارجعي أَنْت، وَلَا تقعدي فِي دَار الْوَكِيل.

فَعَادَت، وعرفتني أَن الْوَكِيل توجه إِلَى الْكُوفِي.

فَلَمَّا كَانَ بَين العشاءين من ذَلِك الْيَوْم رَددتهَا إِلَى الْوَكِيل، وَقلت لَهَا: اطرقي بَابه، فَإِن كَانَ فِي بَيته، على حَال سَلامَة فادخلي، وَإِن بَان لَك أَنه معتقل، أَو أَن دَاره مُوكل بهَا، فانصرفي وَلَا تدخلي.

فَعَادَت إِلَيّ برقعة الْوَكِيل، وطيها رقْعَة من أبي عبد الله الْكُوفِي.

وَفِي رقْعَة الْوَكِيل: إِنَّه حِين أوصل الرقعة إِلَى الْكُوفِي، بَان لَهُ فِي وَجهه الِاضْطِرَاب، وَإنَّهُ مَا صلى الْعَصْر فِي ذَلِك الْيَوْم، حَتَّى امْتَلَأَ الْبَلَد بِأَن الْكُوفِي قد استتر، وَأَن بجكم قد حدثت بِهِ حَادِثَة لَا نَدْرِي مَا هِيَ، وَقد عدت بعد الْعَصْر إِلَى دَار الْكُوفِي، فَوَجَدتهَا مغلقة، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أحد، وَإِنِّي قد أنفذت جَوَاب الْكُوفِي طي رقعتي.

وقرأت رقْعَة الْكُوفِي، فَإِذا هُوَ يشكرني، وَيَقُول: قد علمت أَن مثلك يَا سَيِّدي لَا يفتعل مثل هَذَا الْخَبَر، وَلَا يضيع مروءته، وَأَن مثله يجوز أَن يكون صَحِيحا، وَقد تشاغل الَّذين مَعَ الْأَمِير بالهرب، عَن أَن يكتبوا لي بالحادث، وَكتب بِهِ من رتبته أَنْت، كَمَا ذكرت فِي رقعتك، فَأوجب الرَّأْي أَن أستظهر لنَفْسي، فَإِن كَانَ الْخَبَر صَحِيحا، وَهُوَ عِنْدِي صَحِيح، فَالرَّأْي معي، وَإِن

كَانَ بَاطِلا، فَلَا يضرني ذَلِك عِنْد صَاحِبي إِن كَانَ حَيا، لِأَنَّهُ يتصورني جَبَانًا لَا غير، فَيكون أسلم فِي العاجل.

وَقد أنفذت إِلَيْك، يَا سَيِّدي، طي رقعتي هَذِه، الْكِتَابَيْنِ اللَّذين كتبتهما عَلَيْك فِي ضيعتك بالابتياع وَالْإِجَارَة، ابْتِغَاء إتْمَام مودتك، ولتعلم صدقي فِيمَا كنت توسطته، ونصحي فِيمَا عاملتك بِهِ، فَإِن كَانَ موت الرجل صَحِيحا، فقد رجعت إِلَيْك ضيعتك، وَإِن كَانَ بَاطِلا فَإِنَّهُ لَا يسألني عَنْهُمَا، وَلَا يذكرهما، وَإِن ذكرهمَا جحدت أَنِّي تسلمتهما، وقضيت حَقك بذلك، وأعدت نِعْمَتك عَلَيْك.

قَالَ: وَإِذا بالكتابين فِي طي الرقعة، فمزقتهما فِي الْحَال.

ولبست من عِنْد الْخَالَة، خفًا، وإزارًا، بعد أَن عرفتها الصُّورَة، وَخرجت مَعَ الْعَجُوز، وَجئْت إِلَى دَاري فدخلتها من بعض أَبْوَابهَا الْخفية.

فَلَمَّا كَانَ من الْغَد، قوي الْخَبَر بقتل بجكم، ففتحت بَابي، وَفرج الله عني المحنة.

فَلَمَّا كَانَ الْعشَاء، أَتَانِي رَسُول الْخَالَة، وَمَعَهُ الْجَارِيَة، وَقَالَ: سيدتي تقرئك السَّلَام، وَتقول لَك: لم تدع جاريتك عندنَا؟ قَالَ: وَإِذا هِيَ قد حملت مَعهَا، كل مَا كَانَت قد أخدمتنيه من فرش، وَآله، وَغير ذَلِك، من أَشْيَاء كَثِيرَة جليلة الْمِقْدَار.

وَقَالَت: هَذَا جهاز الْجَارِيَة، وَأحب أَن تقبله مني.

فقبلته، ورددت الرَّسُول شاكرًا، وَقد من الله عَليّ بِالْعودِ إِلَى أحسن حَال.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.