تجاوز إلى المحتوى

من «الفرج بعد الشدة» للمحسن التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

تَعْذِيب الْعمَّال المطالبين بضربهم بالمقارع وَوضع الْحِجَارَة على أكتافهم

وَذكر مُحَمَّد بن عَبدُوس، فِي كِتَابه (كتاب الوزراء)، قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عَليّ بن بَيَان، قرَابَة ابْن بسطَام، قَالَ: قَالَ لي سُلَيْمَان بن سهل البرقي، وَكَانَ أستاذ أبي الْعَبَّاس بن بسطَام.

انصرفت من بعض الْأَعْمَال، فألفيت عمر بن فرج يتقلد الدِّيوَان، وَكَانَ فِي نَفسه عَليّ شَيْء، فأخفيت نَفسِي، وسترت أَصْحَابِي.

فطلبني، وأذكى الْعُيُون عَليّ، فَلم يصلوا إِلَيّ، فَأمر أَن يعْمل لي مُؤَامَرَة تشْتَمل على ثَلَاث مائَة ألف.

وَكَانَت بيني وَبَين نجاح بن سَلمَة مَوَدَّة، فَأَنا فِي عَشِيَّة من العشايا، فِي استتاري، إِذْ وَردت عَليّ رقْعَة نجاح يَأْمُرنِي بالمصير إِلَيْهِ.

فَلَمَّا صرت إِلَيْهِ، قَالَ لي: صر إِلَى عمر بن فرج، وَسلم عَلَيْهِ، وعرفه أَنِّي قد بعثت بك إِلَيْهِ.

قَالَ: فَقلت لَهُ: يَا سَيِّدي، انْظُر مَا تَقول، فَإِنَّهُ قد نذر دمي، فَكيف أمضي إِلَيْهِ هَكَذَا؟

فَقَالَ: نعم، اعْلَم أَنه قَالَ لي الْيَوْم، إِن فلسطين قد انغلقت علينا، وفسدت، مَعَ جلالتها، وَقد أكلهَا الْعمَّال، وَإنَّهُ فِي طلب من يَكْفِيهِ أمرهَا، ويحفظ مَالهَا، وَلَيْسَ يعرف من يُرْضِي كِفَايَته.

فَقلت لَهُ: إِن أردْت الْكِفَايَة، فَهَذَا سُلَيْمَان بن سهل، وَفِيه من الْكِفَايَة وَالْإِخْلَاص وَالْجد، مَا لَا يشك فِيهِ، فَلم عطلته، وأخفته؟ فَقَالَ: كَيفَ لي بِهِ؟ فَقلت: تؤمنه، وتزيل مَا عَلَيْهِ من الْمُطَالبَة، وتقلده فلسطين، فَإِنَّهُ يَكْفِيك، ويوفر عَلَيْك، ويجملك فِيمَا يتَصَرَّف لَك فِيهِ، وَأَنا أبْعث بِهِ إِلَيْك.

فَقَالَ: ابْعَثْ بِهِ إِلَيّ، وَهُوَ آمن.

فصر إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يعرض لَك إِلَّا بِمَا تحب.

فبكرت إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي ديوانه، فَلَمَّا دخلت صحن الدَّار، رَأَيْت الْعمَّال على أكتافهم الْحِجَارَة، والمقارع تأخذهم، فهالني مَا رَأَيْت.

فَلَمَّا وصلت إِلَيْهِ، سلمت عَلَيْهِ، وَقلت: إِنِّي كنت خَادِم أبي الْفضل، أَعنِي فرج الرخجي، وَأحد صنائعه.

فَقَالَ: لَوْلَا مَا تمت بِهِ من هَذِه الْخدمَة، لَكُنْت أحد هَؤُلَاءِ الَّذين تراهم.

ثمَّ رفع مُصَلَّاهُ، وَأخرج الْكتب بولايتي فلسطين، وَسلمهَا إِلَيّ، وَأَمرَنِي بكتمان أَمْرِي عَن النَّاس، والاستعداد للمسير.

فَأخذت الْكتب، وشخصت إِلَى هُنَاكَ، فأرضيته، وقضيت حق نَفسِي.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٩٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْبَاب الثَّامِن

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.