من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
وأما نعوت الأطعمة وما جاء في فيها
فقد نقل عن الرشيد أنه سأل أبا الحارث عن الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب، فقال: يا أمير المؤمنين لا أقضي على غائب. فأحضرهما إليه، فجعل يأكل من هذا لقمة ومن هذا لقمة ثم قال: يا أمير المؤمنين كلّما أردت أن أقضي لأحدهما أتى الآخر بحجته.
واختلف الرشيد وأم جعفر في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب فحضر أبو يوسف القاضي فسأله الرشيد عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين لا يقضى على غائب فأحضرهما فأكل حتى اكتفى، فقال له الرشيد: احكم. قال: قد اصطلح الخصمان يا أمير المؤمنين. فضحك الرشيد وأمر له بألف دينار، فبلغ ذلك زبيدة فأمرت له بألف دينار إلا دينارا.
وسمع الحسن البصري رجلا يعيب الفالوذج فقال:
لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما أظن عاقلا يعيبه. وقال الأصمعي: أول من صنع الفالوذج عبد الله بن جدعان. وأتي أعرابي بفالوذج فأكل منه لقمة فقيل له: هل تعرف هذا؟ فقال: هذا وحياتك الصراط المستقيم.
وكان أحب الطعام إلى رسول الله ﷺ اللحم. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم. وكان ﷺ يقول: هو سيد الطعام في الدنيا والآخرة وهو يزيد في السمع ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل. وكان ﷺ يحب الدّبّاء ويقول: يا عائشة إذا طبختي قدرا فأكثروا فيها من الدباء فأنها تشد القلب الحزين وهي شجرة أخي يونس.
وعنه ﷺ أنه قال: عليكم بالقرع فإنه يشد الفؤاد ويزيد في الدماغ، وعليكم بالعدس فإنه يرق القلب ويغزر الدمعة.
وعن أبي رافع قال: كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: أكل التمر أمان من القولنج وشرب العسل على الريق أمان من الفالج، وأكل السفرجل يحسن الولد وأكل الرمان يصلح الكبد والزبيب يشد العصب ويذهب بالنصب والوصب والكرفس يقوي المعدة ويطيب النكهة، وأطيب اللحم الكتف. وكان يديم أكل الهريسة»
وكان يأكل على سماط معاوية ويصلي خلف علي ويجلس وحده. فسئل عن ذلك فقال: طعام معاوية أدسم، والصلاة خلف علي أفضل، وهو أعلم والجلوس وحدي لي أسلم. وسميت المتوكلية بالمتوكل والمأمونية بالمأمون.
وقال الحسن بن سهل يوما على مائدة المأمون: الأرز يزيد في العمر فسأله المأمون عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين أن طب الهند صحيح وهم يقولون أن الأرز يري منامات حسنة، ومن رأى مناما حسنا كان في نهارين.
فاستحسن قوله ووصله.
وقال أبو صفوان: الأرز الأبيض بالسمن والسكر ليس من طعام أهل الدنيا. وقيل لأبي الحارث: ما تقول في الفالوذجة؟ قال: وددت لو أنها وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بالفالوذجة لآمن ولكنه لقيه بعصا. وكانت العرب لا تعرف الألوان إنما كان طعامهم اللحم بطبخ بالماء والملح، حتى كان زمن معاوية رضي الله تعالى عنه فاتّخذ الألوان.
ويقال للمرقة المسخنة، بنت نارين وكان بعض المترفهين يقول: جنبوا مائدتي بنت نارين. وقالوا: كل طعام أعيد عليه التسخين مرتين فهو فاسد. وقيل إذا ألقي اللحم في العسل ثم أخرج بعد شهر طريا فإنه لا يتغير.
ويقال للسكباج سيد المرق وشيخ الأطعمة وزين الموائد. ويقال إذا طبخت اللحم بالخل فقد ألقيت عن معدتك ثلث المؤنة، ويقال للخبز ابن حبة. قال بعضهم:
في حبّة القلب منيزرعت حبّ ابن حبه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أكرموا الخبز» قالوا: وما كرامته يا رسول الله؟ قال لا ينتظر به الأدام إذا وجدتم الخبز فكلوه حتى تؤتوا بغيره. وفي
الحديث: «من داوم على اللحم أربعين يوما قسا قلبه ومن تركه أربعين يوما ساء خلقه»، وقيل: المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها كل البقول إلا الكرّاث، وسمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل واحد زيتون وحب رمان.
ودخل ابن قزعة يوما على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه، فقال ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز؟ فقال: صفه حتى أطعمك منه فقال: ما الذي أصف من حسن لونه، فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبدا وعسلا، أطيب الثمر كأنه مخ الشحم، سهل المقشرلين المكسر عذب المطعم بين الطعوم، سلس في الحلقوم، ثم مد يده وأكل.
وسمع رجلا يذم الزبد فقال له: ما الذي ذممت منه سواد لونه أم بشاعة طعمه أم صعوبة مدخله أم خشونة ملمسه؟
وقيل له: ما تقول في الباذنجان فقال: أذناب المحاجم وبطون العقارب وبزور الزقوم. قيل له أنه يحشى باللحم فيكون طيبا، فقال لو حشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح.
وصنع الحجاج وليمة واحتفل فيها ثم قال لزاذان: هل عمل كسرى مثلها؟ فاستعفاه، فأقسم عليه فقال: أو لم عبد عند كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة، في يد كل واحد إبريق من ذهب. فقال الحجاج: أف والله ما تركت فارس لمن بعدها من الملوك شرفا.
وأهدى رجل إلى آخر فالوذجة زنخة وكتب إليه: إني اخترت لعملها السكر السوسي والعسل المارداني والزعفران الأصبهاني، فأجابه: والله العظيم ما عملت إلا قبل أن توجد أصبهان وقبل أن تفتح السوس وقبل أن يوحي ربك إلى النحل.
وقيل أن أبا جهنم بن عطية كان عينا لأبي مسلم الخولاني على المنصور، فأحس المنصور بذلك فطاوله الحديث يوما حتى عطش، فاستسقى فدعا له بقدح من سويق اللوز فيه السم فناوله إياه فشرب منه فما بلغ داره حتى مات، فقيل في ذلك:
تجنّب سويق اللوز لا تقربنّهفشرب سويق اللوز أردى أبا جهم
وقال أبو طالب المأموني:
فما حملت كفّ أمرىء متطعماألذّ وأشهى من أصابع زينب
وأصابع زينب ضرب من الحلوى يعمل ببغداد، يشبه أصابع النساء المنقوشة. ودخل السائب على علي رضي الله تعالى عنه في يوم شات، فناوله قدحا فيه عسل وسمن ولبن، فأباه فقال أما أنك لو شربته لم تزل دفئا شبعان سائر يومك.
وعن نافع بن أبي نعيم قال: كان أبو طالب يعطي عليا قدحا من اللبن يصبه على اللات، فكان علي يشرب اللبن ويبول على اللات.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع