تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثاني من هذا الباب في شكر النعمة

أما الشكر الواجب على جميع الخلائق فشكر القلب، وهو أن يعلم العبد أن النعمة من الله ﷿، وأن لا نعمة على الخلق من أهل السموات والأرض إلا وبدايتها من الله تعالى حتى يكون الشكر لله عن نفسك، وعن غيرك والدليل على أن الشكر محله القلب وهو المعرفة. قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ

أيقنوا أنها من الله.

وقيل: الشكر معرفة العجز عن الشكر وقد روي أن داود ﵇ قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله تعالى إليه: الآن قد شكرتني. وفي هذا يقال الشكر على الشكر أتم الشكر.

ولمحمود الوراق:

إذا كان شكري نعمة الله نعمةعليّ له في مثلها يجب الشكر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا كان شكري نعمة الله نعمة»
فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضلهوإن طالت الأيام واتصل العمر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا كان شكري نعمة الله نعمة»
إذا مسّ بالسرّاء عمّ سرورهاوإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إذا كان شكري نعمة الله نعمة»
فما منهما إلّا له فيه نعمةتضيق بها الأوهام والسر والجهر

وفي مناجاة موسى ﵇: إلهي خلقت آدم بيدك، وفعلت وفعلت، فكيف أشكرك؟ فقال: إعلم إن ذلك مني، فكانت معرفته بذلك شكره لي. وأما شكر اللسان، فقد قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

ويروى عن النعمان بن بشير ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بالنعم شكر».

وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: تذكروا النعم، فإن ذكرها شكر. وأما الشكر الذي في الجوارح، فقد قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً

الآية، فجعل العمل شكرا.

وروي أن النبي ﷺ قام حتى تورمت قدماه، فقيل له:

يا رسول الله: أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا لله شكورا.

وقال أبو هارون: دخلت على أبي حازم، فقلت له:

يرحمك الله ما شكر العينين: قال: إذا رأيت بهما خيرا ذكرته، وإذا رأيت بهما شرا سترته، قلت: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيرا حفظته، وإذا سمعت بهما شرا نسيته.

وفي حكمة إدريس ﵊: لن يستطيع أحد أن يشكر الله على نعمة بمثل الإنعام على خلقه ليكون صانعا إلى الخلق مثل ما صنع الخالق إليه، فإذا أردت أن تحرس دوام النعمة من الله تعالى عليك، فأدم مواساة الفقراء. وقد وعد الله تعالى عباده بالزيادة على الشكر، فقال تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ

. وقد جعل لعباده علامة يعرف بها الشاكر، فمن لم يظهر عليه المزيد علمنا أنه لم يشكر، فإذا رأينا الغني يشكر الله تعالى بلسانه، وماله في نقصان علمنا أنه قد أخلّ بالشكر، إما أنه لا يزكي ماله أو يزكيه لغير أهله، أو يؤخره عن وقته، أو يمنع حقا واجبا عليه من كسوة عريان، أو إطعام جائع أو شبه ذلك، فيدخل في قول النبي ﷺ: «لو صدق السائل ما أفلح من رده».

قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ

. وإذا غيروا ما بهم من الطاعات غيّر الله ما بهم من الإحسان.

وقال بعض الحكماء من أعطي أربعا لم يمنع من أربع، من أعطي الشكر لا يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لا يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب.

وقال المغيرة بن شعبة: أشكر من أنعم عليك وأنعم على من شكرك، فإنه لا بقاء للنعم إذا كفرت، ولا زوال لها إذا شكرت.

وكان الحسن يقول: ابن آدم متى تنفك من شكر النعمة وأنت مرتهن بها، كلما شكرت نعمة تجد ذلك بالشكر أعظم منها عليك، فأنت لا تنفك بالشكر من نعمة إلا إلى ما هو أعظم منها.

وروي أن عثمان بن عفان ﵁ دعي إلى أقوام ليأخذهم على ريبة، فافترقوا قبل أن يأخذهم عثمان، فأعتق رقبة شكرا لله تعالى إذ لم يجر على يديه فضيحة مسلم.

ويروى أن نملة قالت لسليمان بن داود ﵉:

يا نبي الله أنا على قدري أشكر لله منك، وكان راكبا على فرس ذلول فخرّ ساجدا لله تعالى، ثم قال: لولا أني أبجلك لسألتك عن أن تنزع مني ما أعطيتني.

وقال صدقة بن يسار: بينما داود ﵇ في محرابه إذ مرت به دودة، فتفكر في خلقها، وقال: ما يعبأ الله بخلق هذه، فأنطقها الله تعالى له، فقال له: يا داود تعجبك نفسك، وأنا على قدر ما آتاني الله تعالى أذكر لله وأشكر له منك على ما آتاك.

وقال علي ﵁: احذروا إنفار النعم فما كل شارد مردود. وعنه ﵇: إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا اتصالها بقلة الشكر. وقيل: إذا قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر. وقال حكيم:

الشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان ومكافأة اليد. قال الشاعر:

أفادتكم النعماء مني ثلاثةيدي ولساني والضمير المحجّبا

وقال ابن عائشة: كان يقال ما أنعم الله على عبد نعمة، فظلم بها إلا كان له حقا على الله تعالى أن يزيلها عنه، وأنشد أبو العباس بن عمارة في المعنى:

أعارك ماله لتقوم فيهبواجبه وتقضي بعض حقه
فلم تقصد لطاعته ولكنقويت على معاصيه برزقه

وقال آخر:

ولو أنّ لي في كل منبت شعرةلسانا يطيل الشكر كنت مقصّرا

وقال محمد بن حبيب الراوية: إذا قل الشكر خسر المن. وروي: إذا جحدت الصنيعة خسر الامتنان. وسئل بعض الحكماء: ما أضيع الأشياء؟ قال: مطر الجود في أرض سبخة لا يجف ثراها، ولا ينبت مرعاها، وسراج يوقد في الشمس، وجارية حسناء تزف إلى أعمى، وصنيعة تسدى إلى من لا يشكرها.

وقال عبد الأعلى بن حماد: دخلت على المتوكل، فقال: يا أبا يحيى: قد هممنا أن نصلك بخير فتدافعته الأمور، فقلت: يا أمير المؤمنين بلغني عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: من لم يشكر الهمة لم يشكر النعمة. وأنشدته:

لأشكرن لك معروفا هممت بهفإنّ همّك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدرفالشرّ بالقدر المحتوم مصروف

وقال أبو فراس بن حمدان:

وما نعمة مكفورة قد صنعتهاإلى غير ذي شكر تمانعني أخرى
سآتي جميلا ما حييت فإنّنيإذا لم أفد شكرا أفدت به أجرا
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «وما نعمة مشكورة قد صنعتها»

وقال عمر بن الخطاب ﵁: من امتطى الشكر بلغ به المزيد. وقيل: من جعل الحمد خاتمة النعمة جعله الله فاتحة للمزيد. وقال ابن السماك: النعمة من الله تعالى على عبده مجهولة، فإذا فقدت عرفت. وقيل: من لم يشكر على النعمة فقد استدعى زوالها. وكان يقال: إذا كانت النعمة وسيمة، فاجعل الشكر لها تميمة.

وقال حكيم: لا تصطنعوا ثلاثة، اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة، والفاحش فإنه يرى أن الذي صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه، والأحمق فإنه لا يعرف قدر ما أسديت إليه. وإذا اصطنعت الكريم فازرع المعروف واحصد الشكر. ودخل أبو نخيلة على السفاح لينشده، فقال: ما عسيت أن تقول بعد قولك لمسلمة:

أمسلمة يا فخر كلّ خليفةويا فارس الدنيا ويا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشكر دين على الفتىوما كلّ من أوليته نعمة يقضي
وأحييت لي ذكري وما كان خاملاولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
للشاعر أبو نخيلة، اقرأ القصيدة

وسمعه الرشيد فقال: هكذا يكون شعر الأشراف مدح صاحبه، ولم يضع نفسه.

وعن نصر بن سيار عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «من أنعم على رجل نعمة فلم يشكر له فدعا عليه استجيب له». ثم قال نصر:

اللهم إني أنعمت على بني سام فلم يشكروا، اللهم اقتلهم، فقتلوا كلهم.

وعن علي بن الحسين ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المؤمن ليشبع من الطعام، فيحمد الله تعالى، فيعطيه من الأجر ما يعطي الصائم القائم، إن الله شاكر يحب الشاكرين».

وعن محمد بن علي: ما أنعم الله على عبد نعمة، فعلم أنها من الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها، ولا أذنب عبد ذنبا فعلم أن الله قد أطلع عليه إن شاء غفر له وإن شاء أخذه قبل أن يستغفره إلا غفر الله له قبل أن يستغفره.

وأولى رجل رجلا أعرابيا خيرا، فقال: لا أبلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.

وأنشد بعضهم وأجاد:

سأشكر لا أنّي أجازيك منعمابشكري ولكن كي يزاد لك الشكر
للشاعر أبو الحسين النوري، اقرأ القصيدة
وأذكر أياما لديّ اصطنعتهاوآخر ما يبقى على الشاكر الذكر

وقال آخر:

أوليتني نعما أبوح بشكرهاوكفيتني كلّ الأمور بأسرها
فلأشكرنّك ما حييت وإن أمتفلتشكرنّك أعظمي في قبرها

وقال آخر:

أيا ربّ قد أحسنت عودا وبدأةإليّ فلم ينهض بإحسانك الشكر
للشاعر زينب فواز، اقرأ القصيدة
فمن كان ذا عذر لديك وحجةفعذري إقراري بأن ليس لي عذر
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي»

وقال محمود الوراق:

إلهي لك الحمد الذي أنت أهلهعلى نعم ما كنت قط لها أهلا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إلهي لك الحمد الذي أنت أهله»
إن زدت تقصيرا تزدني تفضّلاكأنّي بالتقصير أستوجب الفضلا

وقد أحسن نصيب في وصف الثناء والشكر بقوله:

فعاجوا وأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكنوا أثنت عليك الحقائب

وقال رجل من غطفان:

الشكر أفضل ما حاولت ملتمسابه الزيادة عند الله والناس

وقيل: أشكر المنعم عليك وأنعم على الشاكر لك تستوجب من ربك الزيادة ومن أخيك المناصحة.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني والأربعون في المدح والثناء وشكر النعمة والمكافأة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.