من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الأول في المدح والثناء
المدح وصف الممدوح بأخلاق يمدح عليها صاحبها، يكون نعتا حميدا، وهذا يصح من المولى في حق عبده، فقد قال الله تعالى في حق نبيه أيوب ﵊:
إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
. وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
وقال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
إلى آخر الآية، فعلى هذا يجوز مدح الإنسان بما فيه من الأخلاق الحميدة. وأما قوله ﷺ: «إذا رأيتم المادحين فاحثوا في وجوههم التراب» ! فقد قال العتبي: هو المدح الباطل والكذب، وأما مدح الرجل بما فيه فلا بأس به.
وقد مدح أبو طالب والعباس وحسان وكعب وغيرهم رسول الله ﷺ ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا، وقد مدح هو ﷺ المهاجرين والأنصار ﵁.
وفي حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الرد عليه، والثاني كأنه يقال له: بكفّيك التراب. وكان أبو بكر الصديق ﵁ إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون، واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.
ومدح سارية الديلي رسول الله ﷺ وهو سارية الذي أمره عمر ﵁ على السرية، وناداه في خطبته بقوله: يا سارية الجبل، فمن مدحه في رسول الله ﷺ قوله:
فما حملت من ناقة فوق ظهرهاأبر وأوفى ذمة من محمد
وهو أصدق بيت قالته العرب.
ومن أحسن ما مدحه به حسان ﵁ قوله:
وأحسن منك لم تر قطّ عينيوأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّأ من كل عيبكأنك قد خلقت كما تشاء
ومن أحسن ما مدحه به عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ قوله:
لو لم تكن فيه آيات مبيّنةكانت بديهته تنبيك بالخبر
ولما حججت وزرته ﷺ، تطفلت على جنابه المعظم وامتدحته بأبيات مطولة، وأنشدتها بين يديه بالحجرة الشريفة تجاه الصندوق الشريف وأنا مكشوف الرأس، وأبكي من جملتها:
يا سيد السادات جئتك قاصداأرجو رضاك وأحتمي بحماكا
والله يا خير الخلائق إنّ ليقلبا مشوقا لا يروم سواكا
ووحق جاهك إنني بك مغرموالله يعلم إنني أهواكا
أنت الذي لولاك ما خلق امرؤكلّا ولا خلق الورى لولاكا
أنت الذي من نورك البدر اكتسىوالشمس مشرقة بنور بهاكا
أنت الذي لمّا رفعت إلى السمابك قد سمت وتزينت لسراكا
أنت الذي ناداك ربك مرحباولقد دعاك لقربه وحباكا
أنت الذي فينا سألت شفاعةناداك ربك لم تكن لسواكا
أنت الذي لمّا توسل آدممن ذنبه بك فاز وهو أباك
وبك الخليل دعا فعادت نارهبردا وقد خمدت بنور سناكا
ودعاك أيوب لضر مسّهفأزيل عنه الضر حين دعاكا
وبك المسيح أتى بشيرا مخبرابصفات حسنك مادحا لعلاكا
وكذاك موسى لم يزل متوسّلابك في القيامة مرتج لنداكا
والأنبياء وكلّ خلق في الورىوالرسل والأملاك تحت لواكا
لك معجرات أعجزت كل الورىوفضائل جلّت فليس تحاكى
نطق الذراع بسمّه لك معلناوالضب قد لبّاك حين أتاكا
والذئب جاءك والغزالة قد أتتبك تستجير وتحتمي بحماكا
وكذا الوحوش أتت إليك وسلّمتوشكا البعير إليك حين رآكا
ودعوت أشجارا أتتك مطيعةوسعت إليك مجيبة لنداكا
والماء فاض براحتيك وسبّحتصمّ الحصى بالفضل في يمناكا
وعليك ظلّلت الغمامة في الورىوالجذع حنّ إلى كريم لقاكا
وكذاك لا أثر لمشيك في الثرىوالصخر قد غاصت به قدماكا
وشفيت ذا العاهات من أمراضهوملأت كلّ الأرض من جدواكا
ورددت عين قتادة بعد العمىوابن الحصين شفيته بشفاكا
وكذا حبيب وابن عفرا عندماجرحا شفيتهما بلمس يداكا
وعلي من رمد به داويتهفي خيبر فشفي بطيب لماكا
وسألت ربّك في ابن جابر بعدماقد مات أحياه وقد أرضاكا
ومسست شاة لأمّ معبد بعدمانشفت فدرّت من شفا رقياكا
ودعوت عام المحل ربّك معلنافانهلّ قطر السحب عند دعاكا
ودعوت كلّ الخلق فانقادوا إلىدعواك طوعا سامعين نداكا
وخفضت دين الكفر يا علم الهدىورفعت دينك فاستقام هناكا
أعداك عادوا في القليب بجهلهمصرعى وقد حرموا الرضا بجفاكا
في يوم بدر قد أتتك ملائكمن عند ربّك قاتلت أعداكا
والفتح جاءك يوم فتحك مكةوالنصر في الأحزاب قد وافاكا
هود ويونس من بهاك تجمّلاوجمال يوسف من ضياء سناكا
قد فقت يا طه جميع الأنبيانورا فسبحان الذي سوّاكا
والله يا ياسين مثلك لم يكنفي العالمين وحق من نبّاكا
عن وصفك الشعراء يا مدثرعجزوا وكلّوا عن صفات علاكا
إنجيل عيسى قد أتى بك مخبراوأتى الكتاب لنا بمدح حلاكا
ماذا يقول المادحون وما عسىأن يجمع الكتّاب من معناكا
والله لو أنّ البحار مدادهموالعشب أقلام جعلن لذاكا
لم تقدر الثقلان تجمع ذرةأبدا وما اسطاعوا له إدراكا
لي فيك قلب مغرم يا سيديوحشاشة محشوة بهواكا
فإذا سكتّ ففيك صمتي كلّهوإذا نطقت فمادح علياكا
وإذا سمعت فعنك قولا طيباوإذا نظرت فلا أرى إلّاكا
يا مالكي كن شافعي من فاقتيإنّي فقير في الورى لغناكا
يا أكرم الثقلين يا كنز الورىجد لي بجودك وارضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم يكنلابن الخطيب من الأنام سواكا
فعساك تشفع فيه عند حسابهفلقد غدا مستمسكا بعراكا
ولأنت أكرم شافع ومشفعومن التجا لحماك نال وفاكا
فاجعل قراي شفاعة لي في غدفعسى أرى في الحشر تحت لواكا
صلّى عليك الله يا خير الورىما حنّ مشتاق إلى مثواكا
وعلى صحابتك الكرام جميعهموالتابعين وكل من والاكا
وماذا عسى أن يقول المادحون في وصف من مدحه الله تعالى وأثنى عليه، وقد قال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم، ولا فخر»، والله لو أن البحار مداد، والأشجار أقلام، وجميع الخلائق كتّاب لما استطاعوا أن يجمعوا النزر اليسير من بعض صفاته، ولكلّوا عن الإتيان ببعض بعض وصف معجزاته ﷺ.
ومدح رجل هشام بن عبد الملك، فقال له: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه، فقال: ما مدحتك، ولكن ذكّرتك نعم الله عليك لتجدد لها شكرا، فقال له هشام: هذا أحسن من المدح، ووصله وأكرمه.
وكتب رجل إلى عبد الله بن يحيى بن خاقان: رأيت نفسي فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، وأيقنت أني حيث انتهي من القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.
وقال الحارث بن ربيعة في رجل من آل المهلب:
فتى دهره شطران فيما ينوبهففي بأسه شطر وفي جوده شطر
فلا من بغاة الخير في عينه قذىولا من زئير الحرب في أذنه وقر
وقال أعرابي لرجل: لا يذمّ بلد أنت تأويه، ولا يشتكى زمان أنت فيه. وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العكلي، فلما قدم على عبد الملك بن مروان قال: يا أمير
المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فلم يكن بعد ذلك على قلب الحجاج أخفّ منه.
وقال رجل آخر: أنت بستان الدنيا، فقال له: وأنت النهر الذي يسقى منه ذلك البستان. وقال رجل لأبي عمرو الزاهد صاحب كتاب الياقوتة في اللغة: أنت والله عين الدنيا، فقال له: وأنت والله نور تلك العين. وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت الثقفي:
قوم إذا نزل الغريب بدارهمتركوه ربّ صواهل وقيان
وإذا دعوتهم ليوم كريهةسدّوا شعاع الشمس بالفرسان
وقال أوس بن حاتم الطائي:
فإن تنكحي مارية الخير حاتمافما مثله فينا ولا في الأعاجم
فتى لا يزال الدهر أكبر همّهفكاك أسير أو معونة غارم
وقال ابن حمدون في آل المهلب:
آل المهلب معشر أمجادورثوا المكارم والوفاء فسادوا
شاد المهلب ما بنى آباؤهوأتى بنوه ما بناه فشادوا
وكذاك من طابت مغارس نبتهوبنى له الآباء والأجداد
وكان الفرزدق هجّاء لعمر بن هبيرة، فلما سجن ونقب له السجن وسار هو وبنوه تحت الأرض، قال الفرزدق:
ولما رأيت الأرض قد سدّ ظهرهاولم يبق إلّا بطنها لك مخرجا
دعوت الذي ناداه يونس بعدماثوى في ثلاث مظلمات ففرجا
فقال ابن هبيرة: ما رأيت أشرف من الفرزدق هجاني أميرا ومدحني أسيرا.
وقال سري بن عبد الرحمن الرفّاء في خالد بن حاتم:
يا واحد العرب الذي دانت لهقحطان قاطبة وساد نزارا
إني لأرجو إن لقيتك سالماأن لا أعالج بعدك الأسفارا
وقال كعب بن مالك الأنصاري في آل هاشم:
يا آل هاشم الإله حباكمما ليس يبلغه اللسان المفصل
قوم لأصلهم السيادة كلّهاقدما وفرعهم النبي المرسل
وقال الحسين بن دعبل الخزاعي:
ملك الأمور بجوده وحسامهشرفا يقود عدوّه بزمامه
فأطاع أمر الجود في أموالهوأطاع أمر الله في أحكامه
وقال آخر:
يلقى السيوف بصدره وبنحرهويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطرف اصطبر لسني القنافعقرت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تراءى شخص ضيف مقبلمتسربل أثواب محل أغبر
أومى إلى الكوماء هذا طارقنحرتني الأعداء إن لم تنحر
وقال شاعر بني تميم:
إذا لبسوا عمائمهم طووهاعلى كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهمولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني تميمفأنت لأكرم الثقلين جار
وقالت امرأة، من بني نمير، وقد حضرتها الوفاة، وأهلها مجتمعون: من ذا الذي يقول:
لعمري ما رماح بني نميربطائشة الصدور ولا قصار
قالوا: زياد الأعجم. قالت: أشهدكم أن له الثلث من مالي، وكان مالا كثيرا.
وأثنى رجل على رجل، فقال: هو أفصح أهل زمانه إذا حدّث، وأحسنهم استماعا إذا حدّث وأمسكهم عن الملاحاة إذا خولف، يعطي صديقه النافلة ولا يسأله الفريضة، له نفس عن الفحشاء محصورة وعلى المعالي مقصورة كالذهب الإبريز الذي يعز كل أوان والشمس المنيرة التي لا تخفى بكل مكان، هو النجم المضيء للحيران، والمنهل البارد العذب للعطشان.
وقال الحسن بن هانىء:
إذا نحن أثنينا عليك بصالحفأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحهلغيرك إنسانا فأنت الذي نعني
وله في الفضل بن الربيع:
لقد نزلت أبا العباس منزلةما إن ترى خلفها الأبصار مطّرحا
وكلت بالدهر عينا غير غافلةبجود كفك تأسو كلّ ما جرحا
وقال زياد الأعجم في محمد بن القاسم الثقفي:
إنّ المنابر أصبحت مختالةبمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجّةيا قرب سورة سؤدد من مولد
ومن بدائع مدائح المتنبي قوله:
ليت المدائح تستوفي مناقبهفما كليب وأهل الأعصر الأول
خذ ما تراه ودع شيئا سمعت بهفي طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
وقد وجدت مكان القول ذا سعةفإن وجدت لسانا قائلا فقل
ومدح أبو العتاهية عمرو بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا وخلع عليه خلعا سنية حتى أنه لم يستطع أن يقوم، فغار الشعراء منه، فجمعهم وقال: يا لله العجب ما أشد حسد بعضكم لبعض إن أحدكم يأتينا ليمدحنا فيتغزل في قصيدته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى يذهب رونق شعره، وقد تشبب أبو العتاهية بأبيات يسيرة ثم قال:
إني أمنت من الزمان وصرفهلما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلالهجعلوا له حرّ الوجوه نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنّهاقطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفاوإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
ووفد أبو نواس على الخصيب بمصر، فأذن له وعنده الشعراء، فأنشد الشعراء أشعارهم، فلما فرغوا قال أبو نواس: أنشد أيها الأمير قصيدة هي كعصا موسى تلقف ما صنعوا. قال: أنشدها، فأنشده قصيدته التي منها قوله:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنافأي فتى بعد الخصيب نزور
فتى يشتري حسن الثناء بمالهويعلم أن الدائرات تدور
فما فاته جود ولا ضلّ دونهولكن يسير الجود حيث يسير
فاهتز الخصيب لها طربا، وأمر له بألف دينار ووصيف ووصيفة.
وحكي: أن أبا دلف سار يوما مع أخيه معقل، فرأيا امرأتين تتماشيان فقالت إحداهما للأخرى: هذا أبو دلف؟
قالت: نعم الذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلفبين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلفولت الدنيا على أثره
فبكى أبو دلف حتى جرت دموعه، فقال له معقل: ما لك يا أخي تبكي؟ فقال: لأني لم أقض حق الذي قال هذا. قال: أولم تعطه مائة ألف درهم؟ قال: والله ما في نفسي حسرة إلا لكوني لم أعطه مائة ألف دينار. ويقال:
هذه المدحة، فأين المنحة؟
قال بعضهم:
إذا ما المدح صار بلا نوالمن الممدوح كان هو الهجاء
وامتدح محمد بن سلطان المعروف بابن جيوش، محمد بن نصر صاحب حلب، فأجازه بألف دينار، ثم مات محمد بن نصر، وقام ولده نصر مقامه، فقصده محمد بن سلطان بقصيدة مدحه بها منها:
تباعدت عنكم حرمة لا زهادةوسرت إليكم حين مسّني الضرّ
فجاء أبو نصر بألف تصرّمتوإنّي عليم أنّ سيخلفها نصر
فلما فرغ من إنشادها، قال نصر: والله لو قال:
سيضعفها نصر لأضعفتها له، وأعطاه ألف دينار في طبق فضة.
ومدح بعض الشعراء وقيل: هو البديع الهمداني إنسانا فقال:
يكاد يحكيه صوب الغيث منسكبالو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقتوالليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقال آخر:
أخو كرم يفضي الورى من بساطهإلى روض مجد بالسماح مجوّد
وكم لجباه الراغبين لديه منمجال سجود في مجالس جود
ويقال: فلان رقيق الجود ودخيله، وزميل الكرم ونزيله، وغرّة الدهر وتحجيله، مواهبه الأنواء، وصدره الدهناء. عونه موقوف على اللهيف، وغوثه مبذول للضعيف، يطفو جوده على موجوده، وهمته على قدرته، ينابيع الجود تتفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. إن طلبت كريما في جوده متّ قبل وجوده، أو ماجدا في أخلاقه متّ ولم تلاقه، باسل تعود الأقدام حيث تزل الأقدام، وشجاع يرى الإحجام عارا لا تمحوه الأيام، له خلق لو مازح البحر لنفى ملوحته. وصفّى كدورته. خلق كنسيم الأشجار على صفحات الأنهار، وأطيب من زمن الورد في الأيام، وأبهج من نور البدر في الظلام، خلق يجمع الأهواء المتفرقة على محبته ويؤلف الآراء المتشتتة في مودته، هو ملح الأرض إذا فسدت وعمارة الدنيا إذا خربت، يحل دقائق الأشكال، ويزيل جلائل الإشكال. البيان أصغر صفاته والبلاغة عنوان خطراته، كأنما أوحي التوفيق إلى صدره وحبس الصواب بين طبعه وفكره، فهو يبعث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره، والمعاني تتغاير في الامتثال لأوامره، يوجز فلا يخل ويطنب فلا يمل، كلامه يشتد مرة حتى تقول الصخر أو أيبس ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، فهو إذا أنشا وشّى وإذا عبّر جبّر، وإذا أوجز أعجز، تاهت به الأيام وباهت في يمينه الأقلام، له أدب لو تصور شخصا لكان بالقلوب مختصا.
قال الشاعر:
له خلق على الأيام يصفوكما تصفو على الزمن العقار
وقال آخر:
لو كان يحوي الروض ناضر خلقهما كان يذبل نوره بشتائه
أو قابل الأفلاك طالع سعدهما صار نحس في نجوم سمائه
وقال آخر:
ووجهك بدر في الغياهب مشرقوكفّك في شهب السنين غمام
عجيب لبدر لا يزال أمامهسحاب ولا يغشاه منه ظلام
وأعجب من هذا غمام إذا سطاتلظّى مكان البرق منه حسام
وقال الحسين بن مطير الأسدي:
له يوم بؤس فيه للناس أبؤسويوم نعيم فيه للناس أنعم
فيمطر يوم الجود من كفّه النّدىويمطر يوم البؤس من كفّه الدم
فلو أنّ يوم البؤس خلّى عقابهعلى الناس لم يصبح على الأرض مجرم
ولو أنّ يوم الجود خلّى يمينهعن المال لم يصبح على الأرض معدم
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
والله ما عجبي لقدرك إنهقدر على باغي مداه بعيد
إلّا لكونك لست تشكو وحشةفي هذه الدنيا وأنت وحيد
ولصفي الدين الحلّي:
أثني فتثنيني صفاتك مظهراعيّا وكم أعيت صفاتك خاطبا
لو أنّني والخلق جمعا ألسننثني عليك لما قضينا الواجبا
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
أوصافكم تجري أحاديثهامجرى النجوم الزّهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكمتسنّدها الركبان من طرق
وللشيخ جمال الدين بن نباتة:
روت عنك أخبار المعالي محاسناكفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفّك عن عطاوخلقك عن نبل ورأيك عن سعد
وقال غيره:
من زار بابك لم تبرح جوارحهتروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكفّ عن صلةوالقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولأبي فراس بن حمدان:
لئن خلق الأنام لحب كأسومزمار وطنبور وعود
فلم يخلق بنو حمدان إلّالمجد أو لبأس أو لجود
وقال آخر:
إنّ الهبات التي جاد الكرام بهامطروقة وندى كفّيك مبتكر
ما زلت تسبق حتى قال حاسدكمله طريق إلى العلياء مقتصر
ولمحمد بن مناذر في آل برمك:
أتانا بنو الأملاك من آل برمكفيا طيب أخبار وأحسن منظر
لهم رحلة في كل عام إلى النداوأخرى إلى البيت العتيق المنوّر
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقتبيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلّا لجود أكفهموأقدامهم إلّا لسعي مظفّر
إذا رام يحيى الأمر ذلّت صعابهوناهيك من داع له ومدبّر
ولما عزل إبراهيم بن المنذر عن صدقات البصرة تلقاه مجنون وأنشد:
ليت شعري أي قوم أجدبوافأغيثوا بك من بعد العجف
نظر الله لهم من بينناوحرمناك بذنب قد سلف
يا أبا إسحاق سر في دعةوامض مصحوبا فما منك خلف
إنما أنت ربيع باكرحيثما صرّفه الله انصرف
وقال آخر:
لو كان يقعد فوق الشمس وارتفعواقوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس وارتفعواإلى السماء فأنتم سادة الناس
وللحسين بن مطير الأسدي في المهدي:
لو يعبد الناس يا مهدي أفضلهمما كان في الناس إلا أنت معبود
أضحت يمينك من جود مصورةلا بل يمينك منها صوّر الجود
لو أنّ من نوره مثقال خردلةفي السود طرّا إذن لابيضت السود
وقال آخر:
أوليتني نعما وفضلا زائداوبررتني حتى رأيتك والدا
أقسمت لو جاز السجود لمنعمما كنت إلا راكعا لك ساجدا
وقال آخر:
ثناؤك في الدنيا من المسك أعطروحظك في الدنيا جزيل موقر
وكفك بحر والأنامل أنهررعى الله كفّا فيه بحر وأنهر
أعيذك بالرحمن من كل حاسدفلا زالت الحساد تغبى وتصغر
لساني قصير في مديحك سيديلأنّي فقير والفقير مقصّر
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع