من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
حمار أهليّ
معروف ليس في الحيوان من ينزو على غير جنسه إلا هو والفرس ونزوه بعد تمام ثلاثين شهرا وكنيته أبو محمود وأبو جحش وغير ذلك وهو أنواع فمنه ما هو لين الأعطاف سريع الحركة ومنه ما هو بضد ذلك ويوصف بالهداية إلى سلوك الطريق.
لطيفة: في الحديث عن النبي ﷺ أنه لما فتح خيبر أصاب حمارا أسود فكلمه فقال: ما اسمك فقال: يزيد بن شهاب أخرج الله تعالى من نسل جدي ستين حمارا كلها لا يركبها إلا نبي ولم يبق من الأنبياء غيرك وكنت أتوقعك لتركبني وأنا عند يهودي يجيع بطني ويضرب ظهري وكنت أعثر به عمدا فسماه النبي ﷺ يعفورا وقال له: أتشتهي
الإناث؟ قال: لا. وكان ﷺ يركبه في حوايجه وإذا أراد حاجة عند إنسان أرسله إليه فيدفع الباب برأسه فيخرج صاحب البيت فيعرفه ويقضي حاجته. فلما مات النبي ﷺ ذهب إلى بئر كانت لأبي الهيثم فتردى فيها جزعا على النبي ﷺ فكانت قبره وقيل هذا الحديث منكر وقد ذكره السهيلي في التعريف والإعلام وللناس في ذمه ومدحه أقوال متباينة بحسب الأغراض. فمن مدحه أن أبا صفوان وجد راكبا على حمار فقيل له في ذلك فقال: عير هي من نسل الأكراد يحمل الرحل ويبلغ العقبة ويمنعني أن أكون جبارا في الأرض وقال آخر: وأقل الدواب مؤنة وأكثرها معونة وأخفضها مهوى وأقربها مرتعا وكان حمار أبي يسارة مثلا في الصحة والقوة وهو حمار أسود حمل الناس عليه من منى إلى المزدلفة أربعين سنة وكان خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي يختاران ركوب الحمار ويجعلان أبا يسارة قدوة لهما وحجة. ومن ذمه ما نقل عن عبد الحميد الكاتب أنه قال: لا تركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يدك وإن كان بليدا أتعب رجلك وقيل: ما ينبغي لمركب الدجال أن يكون مركبا للرجال. وقال أعرابي: الحمار بئس المطية إن أوقفته أدلى وإن تركته ولى كثير الروث قليل الغوث سريع إلى الفرارة بطيء في الغارة لا توقى به الدماء ولا تمهر به النساء ولا يحلب في الإناء، قال الزمخشري:
إنّ الحمار ومن فوقهحماران شرّهما الرّاكب
ومن العرب من لا يركبه أبدا ولو بلغت به الحاجة والجهد.
قيل: كان لرجل بالبادية حمار وكلب وديك فالديك يوقظه للصلاة والكلب يحرسه إذا نام والحمار يحمل أثاثه إذا رحل قال: فجاء الثعلب فأكل الديك فقال: عسى أن يكون خيرا ثم أصيب الكلب بعد ذلك، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عسى أن يكون خيرا ثم جاء الذئب فبقر بطن الحمار فقال: عسى أن يكون خيرا، قال:
ثم إن جيرانه من الحي أغير عليهم فأخذوا فأصبح ينظر إلى منازلهم وقد خلت، فقيل له: إنما أخذوا بأصوات دوابهم فقال: إنما كانت الخيرة في هلاك ما عندي فمن عرف لطف الله رضي بفعله.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع