تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثاني من هذا الباب فيمن عشق وعف والافتخار بالعفاف

روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ من عشق فعف، فمات، فهو شهيد، وقال ﷺ: عفوا تعف نساؤكم.

وقال بعضهم: رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضعف والنحافة رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ فقالت: حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي:

تزوّد كلّ الناس زادا يقيهمومالي زاد والسلام على نفسي

فناديت كما أمرتني، وإذا بفتى نحيل الجسم قد أقبل إليّ، فقال: أنا الزاد، فمضيت به إليها، فما زاد على النظر والبكاء، ثم قالت له: انصرف بسلام، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك يا هذا، أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد؟

قال إبراهيم بن محمد المهلبي:

كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعنيمنه الحياء وخوف الله والحذر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة
وكم خلوت بمن أهوى فيقنعنيمنه الفكاهة والتأنيس والنظر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهموليس لي في حرام منهم وطر
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم»
كذلك الحبّ لا إتيان معصيةلا خير في لذّة من بعدها سقر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة

وقال بعض بني كلب:

إن أكن طامح اللحاظ فإنّيوالذي يملك الفؤاد عفيف

ونحو ذلك قول القائل:

فقالت بحق الله إلّا أتيتناإذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت وما في القوم يقظان غيرهاوقد نام عنها كل واش وحارس
فبتنا بليل طيّب نستلذهجميعا ولم أقلب لها كفّ لامس

ونزل رجل على صديق له مستترا خائفا من عدو له، فأنزله في منزله وتركه فيه، وسافر لبعض حوائجه، وقال لامرأته: أوصيك بضيفي هذا خيرا، فلما عاد بعد شهر قال لها: كيف ضيفنا: قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف قد أطبق عينيه، فلم ينظر إلى امرأة صاحبه ولا إلى منزله إلى أن عاد من سفره.

وكان عمر بن أبي ربيعة عفيفا يصف ويعف ويحوم ولا يرد.

ودخلت بثينة على عبد الملك بن مروان، فقال لها يا بثينة: ما أرى فيك شيئا مما كان يقوله جميل، فقالت:

يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إليّ بعينين ليستا في رأسك،

قال: فكيف رأيتيه في عشقه؟ قالت: كان كما قال الشاعر:

لا والذي تسجد الجباه لهمالي بما تحت ذيلها خبر
ولا بفيها ولا هممت بهاما كان إلّا الحديث والنظر

وقد قدمت هذين البيتين في الجزء الأول، فيما جاء في الكتابة على سبيل الرمز وعن أبي سهل الساعدي قال: دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت، فقال لي: يا أبا سهل، إن رجلا يلقى الله ولم يسفك دما، ولم يشرب خمرا، ولم يأت فاحشة أفترجو له الجنة؟ قلت: أي والله، فمن هو؟ قال: إني لأرجو أن أكون ذلك، فذكرت له بثينة، فقال: إني لفي آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة لا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت حدثت نفسي بريبة قط.

وعن عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ أنه دعته بغي إلى نفسها، وبذلت له مالا، وكانت تتكهن وتسمع بإتيان رسول الله ﷺ، وكانت جميلة، فأرادت أن تخدع عبد الله رجاء أن يكون النبي ﷺ منها للنور الذي رأته بين عينيه، فأبى وقال:

أمّا الحرام فالحمام دونهوالحلّ لا حل فنستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينهيحمي الكريم عرضه ودينه

وقال آخر:

وأحور مخضوب البنان محجّبدعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها
بخلت بنفسي عن مقام يشينهاولست مريدا ذاك طوعا ولا كرها

وراود شاب ليلى الأخيلية عن نفسها فاشمأزت، وقالت:

وذي حاجة قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى صاحب وخليل

وقال ابن ميادة:

موانع لا يعطين حبّة خردلوهنّ دوان في الحديث أوانس
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبةكما كرهت صوت اللجام الشوامس
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

حور حرائر ما هممن بريبةكظباء مكّة صيدهنّ حرام
يحسبن من لين الكلام فواسقاويصدّهن عن الخنى الإسلام

وكان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف:

أتأذنون لصبّ في زيارتكمفعندكم شهوات السمع والبصر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أتأذنون لصب في زيارتكم»
لا يظهر الشوق إن طال الجلوس بهعفّ الضمير ولكن فاسق النظر

واختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر، فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، وكانت واحدة زمانها في الحسن والأدب طلبت منها بخمسمائة ألف درهم، فهويها إبراهيم، وكره أن يراودها عن نفسها، فغنى يوما وهي قائمة على رأسه:

يا غزالا لي إليهشافع من مقلتيه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أنا ضيف وجزاء المضيف إحسان إليه

ففهمت الجارية ما أراد، فحكت ذلك لمولاتها فقالت:

إذهبي إليه، فأعلميه أني وهبتك له، فعادت إليه، فلما رآها أعاد البيتين، فأكبت عليه، فقال لها: كفى، فلست بخائن، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.

وأنشد المبرد:

ما إن دعاني الهوى لفاحشةإلّا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى فاحش مددت يديولا مشت بي لزلة قدم

وقال آخر:

يقول لا تنظر فذاك بليةبلى كل ذي عينين لا بدّ ناظر
وهل باكتحال العين بالعين ريبةإذا عفّ فيما بينهنّ السرائر

وكان بعض الخلفاء قد نذر على نفسه أن لا ينشد شعرا، ومتى أنشد بيت شعر فعليه عتق رقبة. قال: فبينما هو في الطواف يوما إذ نظر إلى شاب يتحدث مع شابة جميلة الوجه، فقال له: يا هذا اتق الله أفي مثل هذا المكان؟ فقال يا أمير المؤمنين: والله ما ذاك لخنى، ولكنها ابنة عمي وأعز الناس عليّ وإن أباها منعني من تزوجها لفقري وفاقتي، وطلب مني مائة ناقة، ومائة أوقية من الذهب، ولم أقدر من ذلك. قال: فطلب الخليفة أباها، ودفع إليه ما اشترطه على ابن أخيه، ولم يقم من مقامه حتى عقد له عليها، ثم دخل الخليفة إلى بيته وهو يترنم ببيت من الشعر، فقالت له جارية من حظاياه: أراك اليوم ما مولاي تنشد الشعر، أفنسيت ما نذرت أم تراك قد هويت، فأنشد هذه الأبيات يقول:

تقول وليدتي لما رأتنيطربت وكنت قد أسليت حينا
أراك اليوم قد أحدثت عهداوأورثك الهوى داء دفينا
بحقك هل سمعت لها حديثافشاقك أو رأيت لها جبينا
فقلت شكا إليّ أخ محبّكمثل زماننا إذ تعلمينا
وذو الشجو القديم وإن تعزّىمحبّ حين يلقى العاشقينا

ثم عدّ الأبيات فإذا هي خمسة أبيات، فأعتق خمس رقاب، ثم قال: لله درك من خمسة أعتقت خمسة، وجمعت بين رأسين في الحلال.

وروي عن عثمان الضحاك قال: خرجت أريد الحج فنزلت بخيمة بالأبواء فإذا بجارية جالسة على باب الخيمة، فأعجبني حسنها فتمثلت بقول نصيب.

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل لا تملينا فما ملّك القلب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «بزينب المم قبل ان يرحل الركب»

فقالت: يا هذا أتعرف قائل هذا البيت؟ قلت: بلى هو نصيب، فقالت: أتعرف زينبه؟ قلت: لا. قالت: أنا زينبه. قلت: حياك الله وحباك. قالت: أما والله إن اليوم موعده، وعدني العام الأول بالاجتماع في هذا اليوم، فلعلك أن لا تبرح حتى تراه. قال: فبينما هي تكلمني إذا أنا براكب قالت: ترى ذلك الراكب؟ قلت: نعم. قالت:

إني لأحسبه إياه، فأقبل فإذا هو نصيب، فنزل قريبا من الخيمة، ثم أقبل فسلم، ثم جلس قريبا منها، فسألته أن ينشدها، فأنشدها، فقلت في نفسي: محبان قد طال التنائي بينهما، فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة، فقمت إلى بعيري لأشد عليه، فقال: على رسلك إني معك، فجلست حتى نهض معي فسرنا وتسامرنا، فقال لي: أقلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء فلا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة. قلت: نعم قد كان ذلك. قال: ورب البيت منذ أحببتها ما جلست منها مجلسا هو أقرب من مجلسي هذا، فتعجبت لذلك، وقلت: والله هذه هي العفة في المحبة.

وعن محمد بن يحيى المدني قال: سمعت بعض المدنيين يقول: كان الرجل إذا أحب الفتاة يطوف حول دارها حولا يفرح أن يرى من يراها، فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار، واليوم هو يشير إليها، وتشير إليه ويعدها وتعده، فإن التقيا لم يتشاكيا حبا ولم يتناشدا شعرا بل يقوم إليها، ويجلس بين شعبتيها كأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة.

وقال الأصمعي: قلت لأعرابية: ما تعدون العشق فيكم؟ قالت: الضمة والغمزة والقبلة، ثم أنشأت تقول:

ما الحبّ إلّا قبلةوغمز كف وعضد
ما الحبّ إلّا هكذاإن نكح الحبّ فسد
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ما الحبُّ إلا قُبَلٌ»

ثم قالت: كيف تعدون أنتم العشق؟ قلت: نمسك بقرنيها ونفرق بين رجليها. قالت: لست بعاشق أنت طالب ولد، ثم أنشأت تقول:

قد فسد العشق وهان الهوىوصار من يعشق مستعجلا
يريد أن ينكح أحبابهمن قبل أن يشهد أو ينحلا

وقيل لرجل: وقد زفت عشيقته على ابن عم لها:

أيسرك أن تظفر بها الليلة؟ قال: نعم والذي أمتعني بحبها وأشقاني بطلبها. قيل، فما كنت صانعا بها قال: كنت أطيع الحب في لثمها وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق عشرين سنة بما يبقى ذميم عاره، وينشر قبيح أخباره، إني إذن للئيم لم يلدني كريم.

ومر سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في ليلة في بعض سكك المدينة، فسمع امرأة تقول:

ألا طال هذا الليل وازوّر جانبهوليس إلى جنبي خليل ألا عبه
فو الله لولا الله تخشى عواقبهلحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربّي والحياء يعفّنيوإكرام بعلي أن تنال مراتبه

قال، فسأل عمر رضي الله تعالى عنه عنها، فقيل له:

إنها امرأة فلان، وله في الغزاة ثمانية أشهر، فأمر عمر رضي الله تعالى عنه أن لا يغيب الرجل عن امرأته أكثر من أربعة أشهر.

ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في كتاب تلقيح فهوم الأثر عن محمد بن عثمان بن أبي خيثمة السلمي عن أبيه عن جده قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يطوف ذات ليلة في سكك المدينة إذ سمع امرأة تقول:

هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم من سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبلسهل المحيا كريم غير ملجاج
تنميه أعراق صدق حين تنسبهأخي وفاء عن المكروب فرّاج

فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا أرى معي بالمدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن. عليّ بنصر بن حجاج، فلما أصبح أتي بنصر بن حجاج، فإذا هو من أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فقال عمر: عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذن من شعرك، فأخذ من شعره، فخرج من عنده وله وجنتان كأنهما شقتا قمر، فقال له:

اعتم فاعتم، فافتتن الناس بعينيه، فقال له عمر: والله لا تساكنني في بلدة أنا فيها، فقال يا أمير المؤمنين: ما ذنبي؟

قال: هو ما أقول لك، ثم سيره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدر من عمر إليها شيء فدست إليه المرأة أبياتا وهي:

قل للإمام الذي تخشى بوادرهمالي وللخمر أو نصر بن حجاج
للشاعر فريعة بنت همام الزلفاء، اقرأ القصيدة
لا تجعل الظنّ حقّا أن تبيّنهإن السبيل سبيل الخائف الراجي
للشاعر فريعة بنت همام الزلفاء، اقرأ القصيدة
إن الهوى زمّ بالتقوى فتحبسهحتى يقرّ بإلجام وإسراج

قال، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وقال: الحمد لله الذي زم الهوى بالتقوى قال: وطال مكث نصر بن حجاج بالبصرة، فخرجت أمه يوما بين الأذان والإقامة متعرضة لعمر فإذا هو قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة، فقالت له: يا أمير المؤمنين والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله تعالى، وليحاسبك الله أيبيتن عبد الله وعاصم إلى جنبيك، وبيني وبين ابني الفيافي، والأودية، فقال لها: إن ابني لم تهتف بهما العواتق في خدورهن، ثم أرسل عمر إلى البصرة بريدا إلى عتبة بن غزوان فأقام أياما ثم نادى عتبة من أراد أن يكتب إلى أمير المؤمنين، فليكتب، فإن البريد خارج، فكتب نصر بن حجاج: بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليك يا أمير المؤمنين أما بعد، فاسمع مني هذه الأبيات:

لعمري لئن سيرتني أو حرمتنيوما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفيّا على غير ريبةوقد كان لي بالمكّتين مقام
لئن غنت الذلفاء يوما بمنيةوبعض أماني النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعدهبقاء ومالي جرمة فألام
فيمنعني ممّا تقول تكرّميوآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها ممّا تقول صلاتهاوحال لها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعيفقد جبّ مني كاهل وسنام

قال، فلما قرأ عمر رضي الله تعالى عنه هذه الأبيات قال: أما ولي السلطان، فلا، وأقطعه دارا بالبصرة في سوقها، فلما مات عمر ركب راحلته وتوجه نحو المدينة، والله ﷾ أعلم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الحادي والسبعون في ذكر العشق ومن بلي به والافتخار بالعفاف وأخبار من مات بالعشق وما في معنى ذلك

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.