من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
جذيمة بن مالك
صاحب الزّبّاء وقصير، وكان يقال له جذيمة الأبرص، فلمّا ملك قالوا على وجه الكناية: «جذيمة الأبرش»، فلما عظم شأنه قالوا: «جذيمة الوضّاح».
ولم يقولوا: جذيمة الأوضح، لأنّهم يضعون هذا الاسم في موضع الكناية عن الأبرص، وذلك كثير. وليس في الأرض أبرص يقال له الوضّاح غير جذيمة، ومن يقال له الأوضح كثير. والكناية إذا طال استعمالهم لها صارت
كالإفصاح.
فمن ذلك أنّهم كنوا عن الفرج فقالوا: كشف علينا متاعه. فصار المتاع والفرج سواء. والفرج والقبل والدّبر كلّه أيضا كنايات: وكذلك الخلا والحشّ والغائط كلّها كنايات. وكذلك البراز والزّبل والنّجو كنايات، والاسم الخرو، وجمعه خروان.
وقالوا في الكناية: فلان يدعو إلى نفسه، فلما طال ذلك وكثر قام في القبح مقام الأوّل.
وقالوا في الكناية عن قولهم: زنت فلانة: قحبت. والقحاب:
السّعال. وقال الشاعر في شاة له:
وإذا ما قحبت واحدةجاوب المبعد منها فخضف
فكأنّهم كانوا في التقدير يضعون سعلت مكان زنت، فلما طال ذلك صار قولهم: قحبت، أقبح من قولهم: زنت.
وربّما قيل للأبرص: أبرش، وأقشر، وأنمش، وأرقط، وأبقع، ومبقّع وبقيع، ومولّع، ومرقّع. وبكلّ ذلك جاء الشعر. قال السّيّد الحميريّ، وكان إذا قضى وطره من الكلام لم يكن يحفل بما وراء ذلك.
والسيّد حميريّ، وهو السيّد بن محمد، ويكني أبا هاشم، ومولده بعمان، ومنشؤه بالبصرة. ومات في خلافة الرشيد. قال في هجائه لأبي بكر، وعمر، وعبد الله بن عمر، ولغيرهم من الصحابة:
فبعدا وسحقا لتلك الوجوهللجبت والعدل والأبرش
[عتيق] وصاحبه الظّالمينوعجلهما ذلك الأرقش
فيا نفس حتّى متى تبلطينعلى الخائن الأوّل المرتشى
ثم قال:
فهذا ولا قول نعمانهمولا قول سفيان والأعمش
أمّا العلماء فلم يقل أحد منهم إن أبا بكر كان أبرش، وكذلك عمر،
ولا قال أحد منهم إنّ عبد الله بن عمر كان أرقش، وهو الذي سمّاه العجل، وكان شديد الأدمة، أتاه ذلك من قبل أخواله آل مظعون.
ومن العجب خبر ضبر الأعمش مع أبي حنيفة وسفيان، وهذان من المرجئة والأعمش من الغالية.
وقال ابن عنقاء الفزاريّ في المرقّع بن ذي الرّأسين، وهو أبو شوّال بن المرقّع:
فقلت لشوّال توقّ ذبابهولا تحم أنفا أن يخيم مرقّع
وقال أبو عاصم في أيمن بن خريم فيما أظنّ:
فأرغم الله أنفا أنت حاملهوزاد جلدك في تبقيعه بقعا
جلد تسربل ثوب الذّلّ ظاهرهواستبطن اللّؤم حتّى ضاق فانصدعا
قالوا:
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع