تجاوز إلى المحتوى

من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب آخر من العوج الحادث الذي يزول بزوال العلّة

من الظّلع العارض، الذي لم يكن في أصل الخلقة، وهو أنّ البعير يسمن جدّا، ويتراكم عليه الشّحم واللحم، فيصير به ظلع ويخلّط في المشي، ويهاب بسيط الأرض، ويحسب المستوي هبطة، والسّهولة وعورة، قال طفيل الغنويّ وذكر إبله:

تهاب الطّريق السّهل تحسب أنّهاوعور وراط وهي بيداء بلقع
وقد سمنت حتّى كأنّ مخاضهاتفشّغها ظلع وليست بظلّع
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «إذا دعاهن ارعوين لصوته»

ويقال إنّها إذا سمنت جدّا، وتراكم عليها اللّحم وصار ظلّ أبدانها أعظم استهالته وفزعت منه. وأنشدني أبو العاص بن عبد الوهاب قال:

أنشده يونس بن حبيب، وخلف بن حيّان، قول العكلي:

مضت فزعات من زوائد ظلّهافعدن وقد عادت لهنّ قلوب

يقول: رجعن من تلك السّفرة وقد تواضعن وذهب عنهنّ ذلك الشّحم، فذهب عنهنّ ذلك الفزع.

وقال آخر:

معاقيل من أيديهم وأنوفهمبكارا ونيبا تركب الحزن ظلّعا

هجاهم بأخذ الدّيات، وجعلها سمانا على وجه السّخرية.

وقال محرز بن المكعبر:

وجئتم بها مدمومة جرشيّةتكاد من الدّمّ المبيّن تظلع

يقول: قد متلأت دما وأثقلها ذلك.

وفي سمن الإبل قال الشاعر:

أرى غيثا كأفواه العزاليغزيرا، تستدير به السّحاب
به تمشي العشار مخزّماتوتنفع أهلها المعزى الرّباب

يقول: خزموا مشافر الإبل كي لا تربع في ذلك المكان فتزداد سمنا فتهلك.

وحدّثنى مهديّ بن إبراهيم قال: ربّما رأيت البعير في بعض مراعي

مضر وقد قتله الشّحم، وإنه لمتصدّع جلد الكركرة، على مثل شطّ السّنام.

وحدّثني أبو البهلول الهجيمي- وكان شاعرا فصيحا داهيا- قال:

إذا خفنا على الإبل أن تموت سمنا عدلنا بها عن وادي بلهجيم إلى موضع هو أرقّ نباتا وأقلّ دسما. وزعم أنّهم يحصدون السّنبل في واديهم كلّ عام مرّتين.

ونحن نرى الدّجاجة تسمن في بعض البيوت، وكذلك البطّة، فإذا أفرط عليها السّمن فربّما ماتت. ولا بدّ من أن تعمّى قبل ذلك، وذلك إذا جعلوها في وعاء وخيّطوا عليها ومنعوها من الحركة.

وقد يتّخذون للصّبّي طمرين، وكذلك الفصيل. فلا يزال ذلك الشّحم القديم لازما لتلك الأبدان. وما سقي اللّبن فهو في البهائم أنجع.

قال: وقال أبو مجيب: «تعقم، ولا تعقم الأصلاب » كأنّه يذهب إلى أنّ المرأة والشاة والأتان والناقة إذا سمنّ جدّا صرن عقّرا.

ولا يعتري ذلك الرجل، والتّيس، والعير، والجمل.

وإذا نزل الغيث وعمّ ودرّ كان حزن الممعز والمصرم بقدر سرور صاحب الهجمة. ممّن يقولون: «كلأ يتّجع به كبد المصرم ». ويقولون عند ذلك: «مرعى ولا أكولة » وقد قال الشاعر في الدّعاء على رجل:

وجنّبت الجيوش أبا زهيروجاد على مسارحك السّحاب

لأنّ الفقير لا يغزوه أحد. وإذا جاد السّحاب على مسارح المصرم كان أشدّ لحسرته. وقال الآخر:

غيث سماكيّ أجشّ رعدههيهات من نوّ الثّريّا عهده
أرزم عشرا يستحرّ صفدهجاءت معا كمأته وزبده

ويقال غمامة خرساء، ورعد أجشّ. كذلك يجدون في الغيوم

الثّقال المرجحنّة، وهي في السّحاب المتكاثف القليل المخارق، الظّاهر الرّطوبة، القريب من الأرض.

وقال شاعرهم في صفة الغيث واشتراطه صفة دون صفة:

سحائب لا من صيّف ذي صواعقولا مخرفات صوبهنّ حميم
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودهابكين بها حتّى يعيش هشيم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ووصف امرؤ القيس المرعى الموفّر النّبت فقال:

تحاماه أطراف الرماح تحامياوجاد عليه كلّ أسحم هطّال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وإلى ذلك ذهب أبو النّجم في قوله:

تبقّلت من أوّل التبقّلبين رماحي مالك ونهشل

وقال الهذليّ:

وإنهما لجوّابا خروقوشرّابان بالنّطف الطّوامي

كأنّهما في طول ما ينقّبان في البلاد، ويجوبان في المفاوز، يهجمان على مياه ليست لها أرباب ولا هي على طرق الغزاة والبغاة، والماء طام يطفح. وربّ موضع هذا هو ضدّ هذا، وهو كما قال امرؤ القيس:

مجرّ جيوش غانمين وخيّب

ووصف النّمر بن تولب الرّوضة والأرض المحمودة، والبطن الخصيب العشيب، والوادي الكريم فقال:

وكأنّها دقرى تخيّل نبتهاأنف يعمّ الضّال نبت بحارها
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
عزيت وباكرها الشّتاء بديمةوطفاء تملؤها إلى أصبارها

وقال في مثل ذلك:

كأنّ جمرة أو عزّت لها شبهافي العين يوم تلاقينا بأرمام
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
ميثاء جاد عليها واكف هطلفأمرعت لاحتيال فرط أعوام
إذا يجفّ ثراها بلّها ديممن واكف نزل بالماء سجّام
لم يرعها أحد وارتبّها زمنافأو من الأرض محفوف بأعلام
تسمع للطّير في حافاتها زجلاكأنّ أصواتها أصوات جرّام
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
كأنّ ريح خزاماها وحنوتهاباللّيل ريح النجوج وأهضام
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وقال آخر في صفة روضة:

كانت لنا من غطفان جارهحلّالة ظعّانة سيّاره
كأنّها من ربل وشارةوالحلي حلي التّبر والحجاره
مدفع ميثاء إلى قرارهإياك أعني واسمعي يا جاره

وقال بشّار بن برد:

وحديث كأنّه قطع الرّوض وفيه الصّفراء والحمراء

وأنشد الأصمعيّ في هزال المال:

طائيّة تبكي على أجمالهاومن منعنا الرّيف من عيالها

فما تخطّى الطّنب من تهزالها

ويقال إنّ الحيوان يحتشي من اللّحم والشحم على قدر سعة جلده.

ويقال إنّ سعة الجلد من أعون الأمور على بعد الوثبة. وإذا كان فضفاض الإهاب واسع الإبطين ضابعا، وكان طويل العنق، لا يسبقه شيء.

فالبعير يعدو بطول عنقه، وبه ينهض بحمله الثّقيل بعد بروكه. والثّور يسرع بسعة جلده، ويبطىء بالوقص الذي في عنقه. والحمار يسرع

بطول عنقه، ويبطىء بضيق جلده. والفرس يسرع بسعة إبطه وجلده، وبطول عنقه وعظم جفرته. ولذلك قال الشاعر:

ببطنه يعدو الذّكر

وزعم أبو عبيدة، وأبو الحسن، أنّ الفرس ليس له طحال.

قال: ولذلك لا يحتشي ريحا ولا يناله من الرّبو ما ينال غيره من ذوات الأربع. قال الشاعر:

رحيب الجوف معتدل قراههريت الشّدق فضفاض الإهاب

وقال آخر:

وضاق عنه جلده الفضفاض

وأما قول الآخر:

يا سعد كيف أنت إذ أصحابيعاتبتهم فتركوا عتابي
وخلّ جسيمي وانحنت أصلابيوكثرت فواضل الإهاب

وهذا عيب، لأنه وصف شيخا قد نحل جسمه، وذهب شحمه ولحمه، ودقّ عظمه ورقّ عصبه، فماج إهابه، وصار فارغا، بعد أن كان مملوّا. فإذا صار الجلد كذلك وذهب الذي كان يملؤه وتمدّد وتبسّط، وذهبت البلّة، وأعقب مكانها اليبس، تقبّض جلده وتشنّج إهابه. ولذلك قال النّمر بن تولب:

كأنّ محطّا في يدي حارثيّةصناع علت منّي به الجلد من عل
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

والمحط: مدلكة مملّسة يحطّ بها أصحاب المصاحف ظهور جلود رقاب المصاحف لتجعل تلك الجزوز نقوشا.

وما أحسن ما قال النّمر بن تولب، ولقد جهدت أن أصيب بيت شعر مثل هذا للعرب فما قدرت عليه، وكذلك قول عنترة:

فترى الذّباب بها يغنّى وحدههزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ ذراعه بذراعهفعل المكبّ على الزّناد الأجذم

ووصف الشاعر الثّور فقال:

وأغلب فضفاض جلد اللّبانيدافع غبغبه بالوظيف
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

ووصف أبو موسى الأشعريّ البقرة فقال: إذا صغر رأسها ودقّ قرنها واتّسع جلدها فإنها مما تكون كريمة.

وليس للإنسان من بين جميع الحيوان جلد إذا سلخ تبرّأ من اللّحم، وفرق ما بين جلده وسائر الجلود فرق ما بين القرقمان والحوصلة.

وقال البقطريّ: سابقوا بين فرس وحمار وثور، فجاء الفرس سابقا، وشهد ذلك بعض الأعراب فقال: ليس الطّبق كالضابع ولا الأوقص كالأعنق. يقول: لأنّ الحمار طبق كزّ رجع الإبطين، لا

يستطيع إذا عدا أن يمدّ ضبعيه كالفرس والكلب. قال الشاعر:

كم تضبعون وكم نأسو كلومكموأنتم ألف ألف أو تزيدونا

وقال رؤبة:

ولا تني أيد علينا تضبعبما أصبناها وأخرى تشفع

يقول: إذا دعا الله علينا مدّ ضبعيه ورفعهما إلى السماء. وقال الراجز:

إنّ الجياد الضّابعات

وقال بعض اللّصوص وهو يتمنّى أن يستاق أموال عبد القيس:

نجائب عبديّ يكون بغاؤهدعاء، وقد جاوزن عرض الشّقائق

يقول: ليس عندهم من بذل المجهود إلّا الدّعاء والابتهال على من ظلمهم.

ووصف الهذليّ الثّور وجلده للنعل فقال:

وصلهما جميل

وهم لا يذكرون جلد الجاموس، ولا يعرفون النّعال إلّا من البقر والإبل، ومن رديء الجلود عندهم جلد الضّبع وجلد العثّ. قال الراجز:

يا ليت لي نعلين من جلد الضّبعوشركا من استها لا ينقطع

كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع

فقد دلّك بقوله: «كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع» على أنّه قد وضعه في موضع التجوّز والاحتمال. وقال الآخر:

إهابه مثل إهاب العثّ

ثم رجع بنا القول في العرج والظّلع. قال الحطيئة:

تسدّيتها من بعد نام ظالع الكلاب وأخبى ناره كلّ موقد

النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.