من «البرصان والعرجان والعميان والحولان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
قول الأصمعيّ في ظلع الكلاب
قال الأصمعيّ في ظلع الكلاب، وزعم أنّ الكلب إذا أصاب رجله
شيء فظلع، وهو يريد سفاد الكلبة، ويخاف أن تمنعه الكلاب السليمة الأبدان، وهو ينتظر نومها. وهي لا تنام حتّى تملّ من النّباح والتجاوب، وتهدا كل رجل منها، ولذلك قال: «أخبي ناره كلّ موقد».
وقال الآخر: لا، ولكن الكلب الظالع هو الهائج. ويقال للكلب ظلع إذا هاج. وأنشد:
يبيت يشكو وجعا ولا وجعوهو إذا أعطى زادا ابتلع
أسرع شيء عدوه إلى الطّمعكأنّه الكلب إذا الكلب ظلع
وقال الآخر: بل الكلب إذا هاج اعتراه بعض الخماع، فإذا مشى رأيته كأنّه يظلع. وقد قال الطّفيل:
وقد سمنت حتّى كأنّ مخاضهاتفشّغها ظلع وليست بظلّع
وقال ابن عنقاء الفزاريّ:
أمرّ على عوج طوال كأنّهبذي الشّثّ سيد آبه اللّيل جائع
بغى كسبه أطراف ليل كأنّهوليس به ظلع من الخمص ظالع
يقول: ليس به ظلع من علّة حادثة، سوى الظّلع الذي ركّب عليه في أصل الخلقة، لأنّه أقزل، والأقزل أسوأ حالا من كثير من العرجان، لأنّ الذّئب لا يزال مضطربا في مشيته، ونساه أشدّ تشنّجا من نسا الفرس والغراب. والذئب أقزل مرثوم الخطم بسواد، سائل الأنف، وكذلك أنف البقرة يكون سائلا ومرثوما بسواد وكذلك الكلب. وأما قول الشاعر:
غاداك ذيب سلجم أنيابهيسبق حدّ نابه لعابه
فإنّما ذكر ذلك على جهة المثل، كما قال الشاعر:
وبنو نمير قد لقينا جمعهمخيل تضبّ لثاتها للمغنم
وكما قال الآخر:
ضبّت لثات بني عمرو لوقعتهميوم النّجير وكانوا معشرا حشدا
وإنّما هذا على جهة المثل، لأنّ الإنسان ما دام له ريق فهو حيّ، وصاحب الفزع والذي يكيد بنفسه يجفّ ريقه جفوفا شديدا. وعلى حساب ذلك يصيب المحزون. والجبان في الحرب والخائف، يشتدّ عطشهما ويجفّ ريقهما. وقال ابن أحمر:
هذا الثّناء وأجدر أن أصاحبهوقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقد قال الآخر:
إذا ما استيأس الريّق عاصبه
وقال الزّبير بن العوّام وهو يرقّص عروة بن الزّبير:
أبيض من آل أبي عتيقمبارك من ولد الصّدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي
وقال بشّار:
رهبة أو رغبة في ودّهإنّه إن شاء أحلى وأمرّ
يتّقي الموت به أشياعهحين جفّ الرّيق وانشقّ البصر
النص من طبعة دار الجيل ببيروت (١٤١٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع