من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن المؤدب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الله بن إبراهيم بن مثنى الطوسي المعروف بابن المؤدب، أصله من المهدية وكان شاعراً مذكوراً مشهوراً قليل الشعر، مفرطاً في حب الغلمان مجاهراً بذلك، بعيد الغور ذا حيلة ومكيدة، مغرى بالسياحة والكيمياء والأحجار، معسراً مقتراً عليه متلافاً إذا أفاد.
خرج مرة يريد صقلية فأسره الروم، وأقام عندهم مدة إلى أن هادن ثقة الدولة ملك الروم وبعث إليه بالأسرى، وكان المؤدب من جملتهم، فمدح ثقة الدولة، ورام صلته فلم يصله بما أرضاه، فتكلم فيه فبلغ ذلك ثقة الدولة فطلبه فاختفى، وطالت المدة، فخرج وهو سكران بعض الليالي ليشتري نقلاً، فما شعر إلا وقد قيد وحمل إلى بين يدي ثقة الدولة، فقال له: ما الذي بلغني عنك؟ قال للحال يا سيدنا، قال: من الذي يقول:
والحر ممتحن بأولاد الزنا
قال: الذي يقول:
وعداوة الشعراء بئس المقتنىفتنمر ساعة
ثم أمر له بمائة رباعي وأمر بإخراجه من المدينة، كراهية أن تقوم عليه نفسه فيعاقبه، فخرج، ثم مدح ثقة الدولة بقصيدة منها:
أبيت أراعي النجم في دار غربةٍوفي القلب مني نار حزن مضرم
أرى كل نجم في السماء محلهونجمي أراه في النجوم المنجم
سأحمل نفسي في لظى الحرب جملةتبلغها من خطبها كل معظم
فإن سلمت عاشت بعز وإن تمتإلى حيث ألقت رحلها أم قشعم
وقال وهو في الأسر:
لا يذكر الله قوماًحللت فيهم بخير
جاهدت بالسيف جهديحتى أسرت وغيري
والآن لست أطيق الجهاد إلا بأيري
فهات من شئت منهملو كان صاحب دير
وكان صديقاً لعبد الله بن رشيق، وهو يؤدب بعض أولاد تجار القيروان، وكان حسناً، وكان ابن المؤدب يزوره، فعلق بالغلام، وخرج ابن رشيق للحج، فكلما أتي بمعلم لم يقم عنده إلا أسبوعاً ويدعي الغلام أنه راوده، فذكر ابن المؤدب لوالده فأحضره، فما كان إلا ساعة جلوسه في المسجد ودخول الغلام إليه فأغلق باب الصحن وقام فبلغ أربه منه، وخرج الغلام إلى أبيه مبادراً فأخبره فقال أبوه: الآن تقرر عندي أنك كاذب وكذبت على من كان قبله، وصرفه إلى المكتب، فأقام على تلك الحال مدة طويلة وقال:
وظبي أنيسٍ عالجته حبائليفغادرنه قبل الوثوق صريعا
وكان رجال حاولوه ففاتهمسباقاً ولكني خلقت سريعا
فتكت به إن شاء في بيت ربهوإن لم يشأ مستصعباً ومطيعا
ليعلم أهل القيروان بأننيإذا رمت أمراً لم أجده منيعا
فيا لغزال ألجأته كلابهإلى أسد ضارٍ وصادف جوعا
وكان قد اشتهر في محبة غلام علمه، فتذمم أبوه أن يقتله جهاراً، وخرجوا يتصيدون، فأمر من حل حزام دابته سراً، وتبعوه طرداً، فسقط وانكسرت فخذه حتى ظهر مخه وعظمه؛ ومات سنة أربع عشرة وأربعمائة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع