تجاوز إلى المحتوى

من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

وصية معاوية بن أبي سفيان

﵀

قال عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب: لما ثقل معاوية، بعث إلى يزيد وهو في ضياعه، فأتاه غلام له يقال له عجلان، فأخبره بثقل أبيه، فأقبل وقد قال في ذلك شعراً:

جاء البريد بقرطاسٍ يخبّ بهفأوجس القلب من قرطاسه جزعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
قلنا: لك الويل ماذا في صحيفتكمقال: الخليفة أمسى مثبتاً وجعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
فمادت الأرض أو كادت تميد بناكأنّ أغبر من أركانها انصدعا
ثمّت ملنا إلى عيسٍ مزمّمةٍنغشى الفجاج بها لا نأتلي سرعا
لسنا نبالي إذا بلّغن أرحلناما مات منهنّ بالبيداء أو ظلعا
حتّى دفعنا لرأس النّاس كلّهمهدياً، وخيرهم فعلاً ومصطنعا
من لم تزل نفسه توفي على شرفٍتوشك مقادير تلك النّفس أن تقعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «جاء البريد بقرطاس يخب به»
لمّا انتهينا وباب الدّار منصفقٌلصوت رملة ريع القلب فانقلعا

قال: فلما دخل على معاوية خلا به وأخرج عنه أهل بيته وقال: يا بني قد جاء أمر الله، وهذا أوان هلاكي، ما أنت صانع بهذه الأمة بعدي؟ فمن أجلك آثرت الدنيا على الآخرة، وحملت الوزر على ظهري لتعلو بني أبيك. قال يزيد: آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة أبي بكر الذي قاتل أهل الردة ومضى والأمة عنه راضون؟. قال:

لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمر الذي مصر الأمصار وجند الأجناد، وفرض الأعطية، وجبى الفيء وقاتل العدو، ومضى والأمة عنه راضون؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه ﵇، آخذهم به وأقتلهم عليه. قال: أولا تسير بسيرة عمك عثمان بن عفان الذي أكل في حياته، وورث في مماته، واحتمل الوزر على ظهره؟. قال: لا، إلا بكتاب الله وسنة نبيه، آخذهم به واقتلهم عليه. قال: يا يزيد، انقطع منك الرجاء وأظنك ستخالف هؤلاء جميعاً فتقتل خيار قومك وتغزو حرم ربك بأشابات الناس فتطعمهم لحومهم بغير الحق فتدركك ميتة فجاءة، فلا دنيا أصبت، ولا آخرة أدركت. يا يزيد أما إذا لم تصب الرشد فإني قد وطأت لك الأمور، وذللت لك أهل العز، وأخضعت لك رقاب العرب، وكفيتك الرحلة والترحال، وجمعت لك ما لم يجمعه واحد، وإني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا ثلاثة نفر: الحسين ابن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير. فأما عبد الله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وتخلى من الدنيا وشغل نفسه بالقرآن. وما أظنه يقاتل عليها إلا أن تأتيه عفواً. وأما الذي يجثم جثوم الأسد ويروغ روغان الثعلب، فإن أمكنته الفرصة وثب فابن الزبير، فإن هو فعل فاستمكنت منه فقطعه إرباً إرباً إلا أن يلتمس منك صلحاً، فإن فعل فاقبل منه واحقن دماء قومه تقبل قلوبهم إليك.

وأما الحسين بن علي فإن له رحماً وحقاً وولادة من رسول الله ﷺ ولا أظنه أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه عليك، فإن قدرت عليه فاصفح عنه. فإني لو كنت صاحبه صفحت وعفوت عنه قم عني. وصلى عليه عمرو بن العاص.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب وصايا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.