من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
وصية جندب بن عبد الله البجلي
وروى شعبة بن الحجاج عن يونس بن جبير قال: شيعنا جندب ابن عبد الله، فقلنا له: أوصنا. فقال: أوصيكم بتقوى الله وبالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدي النهار، فاعلموا واعملوا به على ما كان من جهد وفاقة. فإن عظم بلاء فقدم مالك دون نفسك، فإن جاوز البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك. واعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب دينه، واعلم أنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وأن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها.
ولما حضرت الوفاة عمر بن هبيرة جزع وجعل يقول: لله در البغلات المسرجات الواقفات بأبواب السلطان. والله لوددت أني كنت راعي إبل مئة لرجل سيء الملكة.
ولما احتضر إبراهيم بن يزيد النخعي جزع جزعاً شديداً وجعل يقول: نفسي أعز الأنفس علي. فقيل له: يا أبا عمران، أتجزع هذا الجزع من الموت؟ فقال:
وأي غرر أعظم مما أنا فيه، إنما أتوقع رسولاً من ربي إما بجنة وإما بنار.
ويروى أن فتىً من الأعراب حضرته الوفاة، فنظر إلى أبيه وأمه يبكيان حواليه بكاءً ذريعاً، فقال: ما يبكيكما؟ فقالا له: إنا لنعلم أن للموت ما تلد الوالدة، ولكن لزهو كان فيك. فقال: آلله، ما يبكيكما إلا ذاك! فحلفا على ذلك فقال: فوالله الذي لا إله إلا هو ما يسرني أن إليكما من أمري ما إلى ربي.
ويروى أن رجلاً من أبناء فارس احتضر فجزع فقيل له: ما بك؟ فقال: ما ظنكم بمن يقطع سفراً بعيداً بلا زاد، ويقدم على حكم عادل بلا حجة، ويسكن قبراً موحشاً بلا مؤنس؟.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع