تجاوز إلى المحتوى

من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

وصية المهلب بن أبي صفرة الأزدي

ولما احتضر المهلب بن أبي صفرة أوصى بنيه فقال: أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن تقوى الله تعقب الجنة، وإن صلة الرحم تنسىء في الأجل، وتثري المال، وتجمع الشمل وتكثر العدد، وتعمر الديار، وتعز الجانب. وأنهاكم عن معصية الله، فإنها تعقب النار، وإن قطيعة الرحم تورث القلة والذلة، وتفرق الجمع، وتذر الديار بلقعاً وتذهب المال، وتطمع العدو، وتبدي العورة. يا بني، قومكم قومكم! إنه ليس لكم عليهم فضل بل هم أفضل منكم إذ فضلوكم وسودوكم ووطؤوا أعقابكم، وبلغوا حاجاتكم لما أردتم، وأعانوكم، فلهم بذلك حق عليكم، وبلاء عندكم لا تؤدون شكره ولا تقومون بحقه. فإن طلبوا فأطلبوهم، وإن سألوا فأعطوهم، وإن لم يسألوا فابتدئوهم، وإن شتموا فاحتملوهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم ولا تغلق دونهم. يا بني، إني أحب الرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره للرجل منكم أن يكون للسانه الفضل على فعله.

يا بني، اتقوا الجواب وزلة اللسان، فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من زلته وينتعش منها، ويزل لسانه فيوبقه، وتكون فيه هلكته. يا بني، إذا غدا عليكم رجل أو راح فكفى بذلكم مسألةً وتذكرةً بنفسه. يا بني، ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أحسن منها تحتكم. يا بني، أحبوا المعروف، واكرهوا المنكر واجتنبوه، وآثروا الجود على البخل، واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه، في احتماله لها، وشكره والوفاء لصاحبها. يا بني، سودوا كباركم واعرفوا فضل ذوي أسنانكم تعظموا به، وارحموا صغيركم وقربوه وألطفوه واجبروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم، وخذوا على يدي سفهائكم، وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم بما قدرتم عليه، واصبروا للحقوق ونوائب الدهر. وعليكم في الحرب بالأناة، والتؤدة في اللقاء. وعليكم بالتماس الخديعة، في الحرب، لعدوكم، وإياكم والنزق والعجلة، فإن المكيدة والأناة والخديعة في الحرب أنفع من الشجاعة. واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن ظفر امرؤ وقد أخذ بالحزم قال القائل: قد أتى الأمر من وجهه، وإن لم يظفر قال: ما ضيع ولا فرط ولكن القضاء غالب. والزموا الحزم على أي الحالتين وقع الأمر،

والزموا الطاعة والجماعة، وإياكم والخلاف. تواصلوا وتآزروا وتعاطفوا، فإن ذلك يثبت المودة. وخذوا فيما أوصيكم به بالجد والقوة والقيام به تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها، وبآخرتكم إذا صرتم إليها ولا قوة إلا بالله. وليكن أول ما تبدؤون به إذا أصبحتم تعليم القرآن والسنن والفرائض، وتأدبوا بآداب الصالحين من قبلكم من سلفكم، ولا تقاعدوا أهل الدعارة والريبة، ولا يطمع في ذلك منكم طامع. وإياكم والخفة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه، وأدوا حق الله عليكم، فإني قد أبلغت إليكم في وصيتي، واتخذت لله الحجة عليكم..

وتوفي بمرو الروذ وولي خراسان أربع سنين. فقال نهار بن توسعة:

ألا ذهب الغزو المقرّب للغنىومات النّدى والحزم بعد المهلّب
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة
أقاما بمرو الرّوذ رهن ترابهوقد غيّبا عن كلّ شرقٍ ومغرب

قال: ثم ولي بعد المهلب قتيبة بن مسلم فدخل عليه نهار بن توسعة وهو يعطي الناس، فلما رآه عرفه وقال: أنت القائل في المهلب ما قلت؟ قال:

بل أنا الذي أقول:

وما كان مذ كنّا ولا كان قبلناولا هو فينا كائن كابن مسلم
أعمّ لأهل الشّرك قتلاً بسيفهوأقسم فينا مغنماً بعد مغنم

قال: إن شئت فأقلل، وإن شئت فأكثر، لا تصيب مني خيراً. يا غلام، حلق على اسمه فلزم بيته حتى ولي يزيد بن المهلب خراسان، فأتاه فدخل عليه وهو يقول:

فإن يك ذنبي يا قتيبة أنّنيبكيت أمرءاً قد كان في الجود أوحدا
أبا كلّ مظلومٍ ومن لا أبا لهوغيث مغيباتٍ أطلن التّلدّدا
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة
فشأنك إنّ الله إن سؤت محسنٌإليّ فقد أبقى يزيد ومخلدا

فقال له: احتكم، فقال: مئة ألف.

ويقال: إن مخلد بن يزيد هو الذي أعطاه، لأن أباه كان قدمه خليفةً على خراسان. فكان يقول بعد موت مخلد: رحم الله مخلداً، ما ترك لي بعده من قول.

وكان يزيد بن المهلب أوصى مخلداً ابنه، لما سار من خراسان إلى جرجان فاستخلفه على خراسان، أن قال له: يا بني، انظر هذا الحي من اليمن فكن فيهم كما قال أبو دؤاد الإيادي:

إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهمفرش واصطنع عند الّذين بهم ترمي
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وكن لهذا الحي من بكر بن وائل كما قال امرؤ القيس:

يا راكباً قولا لإخواننامن كان من كندة أو وائل
إنّا وإيّاكم وما بينناكموضع الزّور من الكاهل

قال: ونمى إلي عن مسلمة بن علقمة قال: كتب مروان بن محمد إلى ولد المسور يعزيهم عن أبيهم: قد بلغ أمير المؤمنين الذي كان من نازل قضاء الله في المسور بن عمرو، وما اختار الله له من المصير إليه، فعند الله يحتسب أمير المؤمنين مصابه ونعم المتوفي توفاه الله من بينكم. وفي جود الله الخلف الكافي. وقد أعاضكم الله من رزيئتكم رأياً من أمير المؤمنين جميلاً، فيه حسن الخلف عليكم. فلتحسن ظنونكم بربكم وخليفتكم فإن الله لم يقبض ولياً له إلا أحسن خلافته في ولده وأهل لحمته.

وتحدث يعقوب بن داود قال: عزي السائب بن الأقرع عن ابن له، فقال السائب: هكذا الدنيا تصبح لك سارةً، وتمسي عليك متنكرة. ثم تمثل:

ألا قد أرى أن لا خلود وأنّهسينعق في داري غرابٌ ويحجل
ويقسم ميراثي رجالٌ أعزّةٌوتذهل عنّي الوالدات وتشغل

وتحدث النضر بن إسحاق قال: ماتت امراة بكر بن عبد الله المزني فاشتد حزنه عليها، فنهاه الحسن فقال: يا أبا سعيد، إنها كانت مواتية، وكانت.. وكانت.. فقال له الحسن:

لا تيأس، فعند الله خير منها. فتتزوج أختها بعدها، فمر به الحسن بعد ذلك فقال: يا أبا سعيد، هذه خير من أختها.

قال أبو الحسن المدائني عن الحسن الجفري قال: لما مات سعيد، أخو الحسن، حزن عليه الحسن وقال: إنه لأعز أهلي علي، ولأن يكون لي أحب إلي من أن أكون له. فعاتبه بعض إخوانه فقال الحسن: يا عبد الله، قد حزن يعقوب على ابنه يوسف فلم يعنفه الله ﷿ بذلك.

وقال عن كليب بن خلف: قال عبد الكريم المازني لعبد الله بن عبد الله بن الأهتم: كيف كان جزعك على أهل بيتك؟ فقال: ما ترك حب الغداء والعشاء في قلبي حزناً على أحد.

وقال يزيد بن عياض بن جعدبة: كان عبد الله بن الزبير إذا أصابته مصيبة قال: قد قتل أبي وإمامي عثمان بن عفان فصبرت.

وقال أبو عبد الرحمن العجلاني: أخبرنا إسماعيل بن يسار قال:

مات ابن لأرطاة بن سهية المري، من غطفان، فأقام على قبره حولاً يأتيه كل غداة فيقول: يا عمرو، إن أقمت حتى أمسي هل أنت رائح معي؟ ويأتيه عند المساء فيقول مثل ذلك، ثم ينصرف. فلما كان في رأس الحول تمثل:

إلى الحول ثمّ اسم السّلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

ثم انصرف عنه وهو يقول:

وقفت على قبر ابن ليلى فلم يكنوقوفي عليه غير مبكىً ومجزع
هل أنت أبن ليلى إن نظرتك رائحٌمع القوم أو غادٍ غداة غدٍ معي؟
فلو كان لبّي شاهداً ما أصابنيشهيقٌ على قبرٍ بأحجار أجرع
فما كنت إلاّ والهاً بعد زفرةٍعلى شجوها بعد الحنين المرجّع
متى لا تجده تنصرف لطياتهامن الأرض أو ترجع لإلفٍ فترتع
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
على الدّهر فاعتب إنّه غير معتبٍوفي غير من قد وارت الأرض فاطمع

وقال أبو محمد الكعبي: قال عمر بن الخطاب ﵁ حين استشهد أخوه زيد بن الخطاب باليمامة وحضره رجل من بني عدي بن كعب، فرجع إلى المدينة، فلما رآه عمر دمعت عينه ثم قال:

أخلّفت زيداً ثاوياً وأتيتني

وقال المثنى بن عبد الله بن عوف: كان عمر بن الخطاب ﵀ إذا أصابته مصيبة قال: قد فقدت زيداً فصبرت. وكان يقول: ما هبت الصبا إلا وجدت نسيم زيد.

وقال أبو الحسن: أخبرني من أثق به عن حكيم من الحكماء قال: مات أخ له فجزع عليه، فقال له قائل من أصحابه: اصنع بنفسك ما يصنعه بك الدهر.

وأخبر عن أبي إبراهيم قال: قال عباد بن مخاشن: استشهد لي ابنان فجزعت عليهما. فقال له رجل: ثم ماذا؟ قال: كان جرحاً فبراً.

وتحدث قال: لما مات معاوية دخل على يزيد أشراف أهل الشام، فلم يجتمع لأحد منهم تعزية مع تهنئة إلا عطاء بن أبي صيفي فإنه قال: يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرئاسة، ومنحت السياسة؛ فاحتسب عند الله عظيم الرزية، واشكره على جميل العطية وقال الأصمعي: لما ماتت البانوقة، ابنة المهدي، اشتد جزعه عليها فحجب الناس، فتلطف شبيب بن شيبة فدخل عليه فقال:

يا أمير المؤمنين، والله لله خير لها منك، ولثواب الله خير لك منها. وإن أحق ما صبر عليه ما لم يقدر على دفعه. فكان هذا أول ما تسلى به، وأذن للناس.

وقال جويرية بن أسماء: اشتكى ابن لعبد الله بن عمر بن الخطاب، فجزع عليه. فلما مات لم يظهر منه مثل ما كان يظهر في مرضه. فقيل له في ذلك فقال: كان ذلك مني رحمةً له ورقة، فلما وقع القضاء رضيت وسلمت.

وقال أبو الحسن: أصبح رجل من بني نهشل وقد موتت له عدة أباعر وشاء، فقال: لئن كانت المنية باتت تطيف بي ثم أصبحت، وقد زالت عني إلى شاتي وبعيري، ثم جزعت إني لجزوع ثم قال:

المرء يسعى سادراًحتّى يقال له تعاله

وتحدث أبو الحسن المدائني، أو غيره، عن أبان بن تغلب النحوي قال: شهدت امرأةً من الأعراب وبين يديها ابن لها رجل وهو يجود بنفسه وعندها جماعة من قومها. فلما قضى وثبت إليه فغمضته وعصبته وترحمت عليه ثم تنحت إلى مجلسها فقالت: يا أبان، ما أحق من ألبس النعمة وأطيلت به النظرة ألا يعجز عن التوثق لنفسه من قبل حل عقدته والحلول بعقوته والحيالة بينه وبين نفسه. قال: فقال رجل من الأعراب ممن حضرها: إنا لم نزل نسمع أنما الجزع للنساء، فوأبيك لقد كرم صبرك، وما أشبهت للنساء؟! فقالت: ما ميز إنسان بين صبر وجزع إلا وجد بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما.

أما الصبر فحسن العلانية، محمود العاقبة. وأما الجزع فغير معوض عوضاً مع مأثمه ولو كانا رجلين في صورة كان الصبر أولاهما بالغلبة على الحسن في الخلقة والكرم في الطبيعة.

وقال أبان: حدثنا ابن السماك قال: جلسنا ننتظر جنازةً لتخرج إذ مر بنا أعرابي فوقف علينا فسلم ثم قال: إن أعظم المصيبة مصابكم برسول الله ﷺ، عظم الله أجركم، ورحم ميتكم قال ابن السماك: فما يخيل إلي أني سمعت كلمات أوجز منهن: إنه صدر كلامه برسول الله ﷺ، وعزانا، وترحم على ميتنا في كلمة واحدة.

وقال أبان: سمعت بعض الأعراب يتلهف على حميم له ثم تنفس الصعداء وقال: أيهات! عتب الناس على الدهر فلم يعتب مستعتباً، ولم يرث لمتلهف عليه، ثم قال: كل امريء منا يجري في السوابق من حتم الله عليه.

وتحدث الحرمازي رحمة الله عليه قال: كان مروان بن عبد الملك، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، من أحب ولد عبد الملك إليه، فتوفي في حياة عبد الملك، وكان أهل العلم بعبد الملك بن مروان يرون أنه لو بقي لثلث به في العهد. فكتب إلى عبد الملك بعض عمومته من بني الحكم وهو غائب يعزيه عنه ويسأله كيف كان صبره.

فكتب إليه بعد الملك:

كتبت تسأل عن صبري لتعلمهعلى الرّزيّة بالمأمول مروان
فقد صبرت بعون الله محتسباًلموعد الله من فوزٍ ورضوان
ولو حزنت ولم أصبر لفرقتهما كان في فقده منهاة أحزاني

وقال الحرمازي: كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام فعجل عليه سليمان فقال له: يا بن ملخن أمه، ففتح فاه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد العزيز فأمسك على فيه ورد كلمته وقال له: يا أبا عبد الملك، أخوك إمامك وله السن عليك. فقال: يا أبا حفص قتلتني. قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي أحر من الجمر. ومال لجنبه فمات. وفيه يقول جرير يخاطب أخاه لأمه، يزيد بن عبد الملك:

أبا خالدٍ فارقت مروان عن رضىًوكان يزين الأرض أن تنزلا معا
فسيروا فلا مروان للحيّ إن شكواولا الرّكب إن أمسوا مخفّين جوّعا

قال: وبلغني أن عبد الملك أمرغاسله إذا فرغ من جهازه أن يؤذنه، ففعل، فكشف عن وجهه ثم قال: الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحبه.

قال أبو الحسن: لما حضرت أيوب بن سليمان بن عبد الملك الوفاة وكان ولي عهد أبيه دخل عليه وهو يجود بنفسه، ومعه عمر بن عبد العزيز وسعيد ابن عقبة ورجاء بن حيوة قال: فجعل ينظر في وجهه وهو يفوق بنفسه فخنقته العبرة فردها ثم نظر إلينا فقال: إنه، والله، ما يملك العبد أن يسبق إلى قلبه الوجد عند المصيبة والناس عند ذلك أخياف، فمنهم من يغلب صبره جزعه، فذلك الجلد الحازم المحتسب، ومنهم من يغلب جزعه صبره، فذلك المغلوب الضعيف العقدة، وليست منكم حشمة، وإني أجد في قلبي لوعةً إن لم أبردها بعبرة خشيت أن تنصدع كبدي كمداً وأسفاً. فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، الصبر أولى بك فلا تحبطن أجرك. قال سعيد بن عقبة: فنظر إلي وإلى رجاء بن حيوة نظر مستغيث يرجو أن نساعده على ما أراد من البكاء. فأما أنا فكرهت أن آمره أو أنهاه، وأما رجاء فقال: يا أمير المؤمنين، افعل، فإني لا أرى بأساً ما لم تأت الأمر المفرط. فقد بلغني أن رسول الله ﷺ لما هلك إبراهيم اشتد وجده عليه فدمعت عيناه فقال: تدمع العين ويوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك لمحزونون يا إبراهيم. قال: وأرسل عينيه فبكى حتى ظننا أن نياط قلبه قد انصدع، فقال عمر: يا رجاء، هذا ما صنعت بأمير المؤمنين! فقال: دعه، يا أبا حفص، يقض من بكائه وطراً، فإنه لو لم يخرج من صدره ما ترى لخفت أن يأتي عليه، ثم رقأت عبرته فدعا بماء فغسل وجهه فأقبل علينا وقد قضى

الفتى، فأمر بجهازه وخرج يمشي أمام جنازته، فلما دفن وحثي عليه التراب وقف قليلاً ينظر إلى قبره ثم قال:

وقفت على قبرٍ مقيمٍ بقفرةٍمتاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارق

ثم قال: السلام عليك يا أيوب السريع

كنت لنا أنساً فأوحشتنافالعيش من بعدك مرّ المذاق

ثم قال: أدن، يا غلام، دابتي، فركب ثم عطف برأس دابته إلى القبر ثم قال:

فإن صبرت فلم ألفظك من شبعٍوإن جزعت فعلقٌ منفسٌ ذهبا

فقال عمر: يا أمير المؤمنين، بل الصبر، فإنه أقرب إلى الله وسيلة وليس الجزع يحيي من مات، وبالله العصمة والتوفيق.

وقال الحسن بن عمارة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة قالت: لما مات عبد الله بن أبي بكر وجد عليه أبو بكر وجداً شديداً ثم دخل علي فقال: يا عائشة، والله لكأنما أخذ بأذن شاة من دارنا فأخرجت، فقلت: الحمد لله الذي عزم لك على رشدك، وربط على قلبك. قالت: ثم جاء بعد ذلك فقال: أي بنية، أتخافين أن تكونوا دفنتم عبد الله وهو حي؟. فقلت: استعذ بالله يا أبه. فقال:

أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أي بنية، إنه ليس أحد إلا وله من الشيطان لمة. فرثته عاتكة امرأته، وهي ابنة زيد بن عمرو بن نفيل فقالت:

فآليت لا تنفكّ عيني سخينةًعليك وجلدي آخر الدّهر أغبرا

وهذا يتصل بخبر ليس من هذا الباب.

ولما مات عبد الرحمن بن أبي بكر لم تحضره عائشة، فأتت قبره فقالت: يا أخي، لو كنت شهدت وفاتك لم أزر قبرك ثم تمثلت:

وكنّا كندماني جذيمة حقبةًمن الدّهر حتّى قيل لن نتصدّعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فلمّا تفرّقنا كأني ومالكاًلطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

وحدثنا ابن عائشة، وحدثنيه غيره وحديثه أتم أن عائشة حضرت أبا بكر رحمة الله عليه وهو يقضي فقالت: هذا والله قوله:

أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر

فقال: أي بنية، لا تقولي كذا وقولي: وجاءت سكرة الموت بالحق وهكذا كان يقرؤها أبو بكر ﵀.

قال الهلالي: كان أبو بكر الصديق، رحمة الله عليه، إذا قيل له: مات فلان قال: لا إله إلا الله. وكان عثمان، ﵀، إذا قيل له: مات فلان قال: لا إله إلا الله

وقال الهلالي: قيل لمعاوية: مات زياد، فقال: وارجلاه، ثم قال:

أفردت سهماً في الكنانة واحداًسيرمى به أو يكسر السّهم كاسر

وقال: لما هلك ابن معاذ بن جبل، كتب إليه رسول الله ﷺ: من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد. فإن أنفسنا وأهلينا وأموالنا ودائع الله جل ذكره وعواريه المستودعة يمتع بها من يشاء إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم، فأمرنا بالشكر إذ أعطانا، وبالصبر إذ ابتلانا، فكان ابنك من مواهب الله الهنية، ومن عواريه المستودعة يمتع بها من يشاء إلى أجل معدود، ويقبضها لوقت معلوم. وقد متعك الله به، في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كبير، فالصلاة والرحمة والهدى، يا معاذ إن صبرت واحتسبت. فلا يذهبن جزعك أجرك فتندم على ما فاتك. فإنك لم قدمت على ثواب مصيبتك، قد أرضيت ربك وتنجزت موعوده علمت أن المصيبة قد قصرت عنك. واعلم أن الجزع لا يرد ميتاً ولا يدفع حزناً. فأحسن العزاء، وتنجز الموعود، وليذهب أسفك ما هو نازل بك فكأن قد.

ولما مات مسمع جاء شبيب بن شيبة حتى أخذ بالباب الذي فيه ولده وأهله وبنو عمه فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم قال:

بكّوا حذيفة لن ترثّوا مثلهحتّى تبيد قبائلٌ لم تخلق

قال الأصمعي: مر رجل على بعض مقابر العرب فإذا هو بشيخ قاعد على شفير قبر، وبين يديه فتية كأنهم الرماح يدفنون رجلاً، والشيخ يقول:

أحثوا على الدّيسم من برد الثّرىقدماً أبى ربّك إلاّ ما ترى

قال: فسألت الشيخ: من الميت؟ فقال: ابني. فقلت: فمن هؤلاء؟ قال: بنوه.

وقال أبو جعفر الدمشقي: حدثنا أبو بكر السلمي عن المعافى بن عمران عن شهاب بن خراش عن عبد الرحمن بن عثمان قال: دخلنا على معاذ بن جبل وهو قاعد عند رأس ابن له يجود بنفسه، فما ملكنا أنفسنا أن ذرفت أعيننا وانتحب بعضنا فزجره معاذ وقال: مه، فوالله لعلم الله برضاي بهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله ﷺ، فإني سمعته يقول: من كان له ابن وكان عليه عزيزاً وبه ضنيناً، فصبر على مصيبته واحتسبه أبدل الله الميت داراً خيراً من داره، وقراراً خيراً من قراره، وأبد المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان. فما برحنا حتى قضى الغلام حين أخذ المنادي في النداء لصلاة الظهر، فرحنا نريد

الصلاة فما جئنا إلا وقد غسله وحنطه وكفنه ودخل بسريره غير منتظر لشهادة الإخوان ولا لجمع الجيران.

قال: فلما بلغنا ذلك تلاحقناه فقلنا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن، هلا انتظرتنا حتى نفرغ من صلاتنا ونشهد ابن أخينا. فقال: أمرنا ألا ننتظر بموتانا ساعةً، ماتوا من ليل أو نهار. والإذن فيهم من نعي الجاهلية. قال: فنزل في القبر ونزل معه آخر فقلت: الثالث يا أبا عبد الرحمن، فقال: إنما يقول الثالث الذين لا يعلمون. فلما سوى عليه التراب أراد الخروج فناولته يدي لأنتشطه من القبر فأبى وقال: ما أدع ذلك لفضل قوة، ولكن أكره أن يرى الجاهل أن ذلك مني جزع أو استرخاء عند المصيبة. ثم أتى مجلسه فدعا بدهن فادهن بكحل فاكتحل وببردة فلبسها، وأكثر في يومه ذلك من التبسم، ينوي به ما ينوي، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. في الله خلف من كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك لكل ما فات. وقال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: من أصيب بمصيبة فدعا عليها ويلاً غضب الله عليه، ومن لطم عليها وجهاً احتجب الله عنه، ومن خرق عليها ثوباً خرق دينه ومزقه وبدده.

قال: فلما كان طاعون عمواس طعن معاذ في يده، فدخلنا عليه فرأيناه مغمىً عليه، باسطاً يده كأنه يصافح قوماً ويرحب بهم. فلما أفاق قلنا له: يا أبا عبد الرحمن، دخلنا عليك وكأنك تصافح قوماً وترحب بهم. فقال: أجل، شكرني ربي بصبري على ابني فأرسل إلي ملائكة من الكروبيين يشيعوني إلى قبري.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب وصايا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.