من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
باب مراث من أشعار المحدثين
قال أبو العباس: وقصدنا في وقتنا هذا لذكر مراث من أشعار المحدثين لننزل بها من خشونة أشعار القدماء إلى لطف المولدين لمشاكلة الدهر وملاحة القول لنمضي من ذلك شيئاً ثم نعود إلى أمرنا الأول إن شاء الله تعالى من أشعار قديمة ومواعظ حكيمة. وبالله الحول والقوة.
قال مسلم بن الوليد يرثي الفضل بن سهل ذا الرئاستين:
وهلت فلم أمتع عليك بعبرةٍوأكبرت أن ألقى بيومك ناعيا
فلمّا رأيت أنّه لاعج الأسىوأن ليس إلاّ الدّمع للحزن شافيا
بعثت لك الأنواح فارتجّ بينهانوائح يندبن العلى والمساعيا
أللبأس أم للجود أم لمقاومٍمن الملك يزحمن الجبال الرّواسيا
فلم أر إلاّ قبل يومك ضاحكاًولم أر إلاّ بعد يومك باكيا
وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابناً له أصيب به بالبصرة وهو واليها. وكان فيما يؤثر عنه يستحق أن يرثي وأن يوصف، وشعره هذا يستحق أن يبكي القلوب،
ويستنزل الدموع لحسن لفظه، وصحة معناه، وشرف قائله، وأنه إذا سمع علم أنه عن نية صادقة. قال:
نأى آخر الأيّام عنك حبيبفللعين سحٌّ دائمٌ وغروب
دعته نوىً لا يرتجى أوبةٌ لهافقلبك مسلوبٌ وأنت كئيب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائبٍوأحمد في الغيّاب ليس يؤوب
تبدّل داراً غير داري وجيرةًسواي وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطناً غير أنّهعلى طول أيّام المقام غريب
تولّى وأبقى بيننا طيب ذكرهكباقي ضياء الشّمس حين تغيب
خلا أنّ ذا يفنى ويبلى وذكرهبقلبي على طول الزّمان قشيب
كأن لم يكن كالدّرّ يلمع نورهبأصدافه لمّا تشنه ثقوب
كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضّحىسقاه النّدى فاهتزّ وهو رطيب
كأن لم يكن زين الفناء ومعقل النّساء إذا يومٌ يكون عصيب
وريحان قلبي كان حين أشمّهومؤنس قصري كان حين أغيب
قليلاً من الأيّام لم يرو ناظريبها منه حتّى أعلقته شعوب
كظلّ سحابٍ لم يقم غير ساعةٍإلى أن أطاحته فطاح جنوب
أو الشّمس لمّا عن غمامٍ تحسّرتمساءً وقد ولّت وحان غروب
كأنّي به إذ كنت في النّوم حالمٌنفى لذّة الأحلام عنه هبوب
فلست خطوب الدّهر أحفل بعدهولو كان ما منه الوليد يشيب
ولا لي شيءٌ عنه ما عشت لذّةٌولو نلت ما هبّت عليه هبوب
وكان نصيب العين من كلّ لذّةٍفأضحى وما للعين منه نصيب
وكان وقد آزى الرجال بعقلهفإن قال قولاً قال وهو مصيب
بما تتهاداه الرّكاب لحسنهويفحم منه الكهل وهو أريب
وكانت يدي ملأى به ثمّ أصبحتبعدل إلهي وهي منه سليب
وكنت به في النّائبات إذا عرتوظهري ممتدّ القناة صليب
بحال الّذي يجتاحه السّيل بغتةًفيفتقد الأدنين وهو حريب
جمعت أطبّاء العراق فلم يصبدواءك منهم في البلاد طبيب
ولم يملك الآسون دفعاً لمهجةٍعليها لأشراك المنون رقيب
سأبكيك ما أبقت دموعي والبكابعينيّ ماءً يا بنيّ يجيب
وما لاح نجمٌ أو تغنّت حمامةٌأو اخضرّ في فرع الأراك قضيب
وأضمر إن أنفدت دمعي لوعةًعليك لها تحت الضّلوع وجيب
حياتي ما كانت حياتي فإن أمتثويت وفي قلبي عليك ندوب
يعزّ عليّ أن تنالك ذرّةٌيمسّك منها في الممرّ دبيب
وما زال إشفاقي عليك عشيّةًحواك بها بعد النّعيم قليب
وما زال إشفاقي عليك عشيةًوسادك فيها جندلٌ وجبوب
فما لي إلاّ الموت بعدك راحةٌوليس لنا في العيش بعدك طيب
قصمت جناحي بعدما هدّ منكبيأخوك، ورأسي قد علاه مشيب
فأصبحت في الهلاّك إلاّ حشاشةًتذاب بنار الشّوق فهي تذوب
تولّيتما في حجّةٍ فتركتماصدىً يتولّى تارةً ويثوب
ولا رزء إلاّ دون رزئك رزؤهولو فتّتت حزناً عليك قلوب
وإنّي وإن قدّمت قبلي لعالمٌبأني وإن أبطأت منك قريب
وإنّ صباحاً نلتقي في مسائهصباحٌ إلى قلبي الغداة حبيب
وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية يرثي أخاً له، يقال له علي بن ثابت وكان علي ناسكاً فاضلاً أديباً شاعراً:
ألا من لي بأنسك أي أخيّاومن لي أن أبثّك ما لديّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشرٍكذاك خطوبه نشراً وطيّا
ولو نشرت قواك لي المناياشكوت إليك ما صنعت إليّا
بكيتك أي أخيّ بدرّ عينيفلم يغن البكاء عليك شيّا
وكانت في حياتك لي عظاتٌوأنت اليوم أو عظ منك حيّا
قال: أخذ هذا المعنى مما يؤثر عن بعض ملوك العجم أنه احتضر فحضره من يحضر الملوك من الحكماء حتى قضى. فقال ذلك الحكيم: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال أبو العتاهية أيضاً:
يا عليّ بن ثابتٍ أين أنتاأنت بين القبور حيث دفنتا
يا عليّ بن ثابتٍ بان منّيصاحبٌ جلّ فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحرّكتني لها وسكنتا
أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء وحضر ميتاً، فارتفع البكاء عيه حين قضى، فقال الحكيم: حركنا بسكونه.
وقال فيه أيضاً:
صاحبٌ كان لي هلكوالسّبيل الّذي سلك
يا عليّ بن ثابتٍغفر الله لي ولك
كلّ حيٍّ مملّكٍسوف يفنى وما ملك
قال أبو العباس: وأنشدني أبو محمد التوزي لرجل من قيس يرثي ابنه:
أجارتنا لا تجزعي وأنيبيأتاني من الموت المطلّ نصيبي
بنيّ على عيني وقلبي مكانهثوى بين أحجارٍ وبطن جبوب
عجبت لإسراع المنيّة نحوهوما كان لو ملّيته بعجيب
وما هدّ ركني أن سلبت جمالهعلى أنّني أرثي لكلّ سليب
صبرت على خير الفتوّ رزئتهولولا اتّقاء الله طال نحيبي
وما جزعي من نازلٍ عمّ فجعهومن ورد آباري وقصد شعيبي
لعمري لقد دافعت موت محمّدٍلو أنّ المنايا ترعوي لطبيب
وكان كريحان العروس بقاؤهذوى بعد إشراق الغصون وطيب
فيا حزناً نغّصت قرب محمّدٍوأيّ فتى نغّصت يوم ركوبي
أغرّ طويل السّاعدين مشيّعٌكسيف المحامي هزّ غير كذوب
دعته المنايا فاستجاب لصوتهافلله من داعٍ دعا ومجيب
فأصبحت أبدي للعدوّ جلادةًويا لك من قلبٍ هناك كئيب
يذكّرني نوح الحمام فراقهوإرنان أبكار النّساء وثيب
ولي كلّ يومٍ عبرةٌ لا أفيضهالأحظى بصبرٍ أو بحطّ ذنوب
أظلّ لأحداث المنون مفزّعاًكأنّ فؤادي في جناح طلوب
إذا شئت راعتني مقيماً وظاعناًمصارع شبّانٍ لديّ وشيب
غدا سلفٌ منّا وهجّر رائحٌعلى أثر الغادين قود جنيب
وما نحن إلاّ كالخليط الّذي مضىفرائس دهرٍ مخطيءٍ ومصيب
نؤمّل عيشاً في حياةٍ ذميمةٍأضرّت بأبدانٍ لنا وقلوب
وما خير عيشٍ لا يزال مفزّعاًبفوت نعيمٍ أو بموت حبيب
قال أبو العباس: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي عن الزبير بن بكار الزبيري عن سليمان بن العباس السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر العبلي إلى سويقة وهو طريد بني العباس وكان ذلك بزمان خروج ملك بني أمية وانتقاله إلى بني العباس، قاصداً لعبد الله وحسن، ابني حسن، فاستنشده عبد الله من شعره فأنشدهم فقالوا: نريد من شعرك ما رثيت به قومك، وما كان من أمركم وأمر القوم فأنشدهم قوله:
تقول أمامة لمّا رأتنشوزي عن المنزل المنفس
وقلّة نومي على مضجعيلدى هجعة الأعين النّعّس:
أبي، ما عراك؟ فقلت: الهموم عرين أباك فلا تبلسي
عرين أباك فحبّسنهمن الطّرد في شرّ ما محبس
لفقد العشيرة إذ نالهاسهامٌ من الحدث الموئس
رمتها المنون بلا نصّلٍولا طائشاتٍ ولا نكّس
بأسهمها الخالسات النّفوسمتى ما تصب مهجةً تخلس
فصرعاهم في نواحي البلاد ملقىً بأرضٍ ولم يرسس
تقيّ أصيب وأثوابهمن العار والعيب لم تدنس
وآخر قد رسّ في حفرةٍوآخر طار فلم يحسس
فكم من كوابٍ بواكي العيون حزناً ومن صبيةٍ بؤّس
إذا ما ذكرنهم لم تنمصباح الوجوه ولم تجلس
يرجّعن مثل بكاء الحمام في مأتمٍ قلق المجلس
فذاك الّذي غالني فاصمتيولا تسأليني وتستنحسي
وفي ذاك أشياء قد ضفننيولست لهنّ بمستحلس
أفاض المدامع قتلى كدىًوقتلى بكثوة لم ترمس
وبالزّابيين نفوسٌ ثوتوقتلى بنهر أبي فطرس
أولئك قومٌ أذاعت بهمحوادث من زمنٍ متعس
فذلّت قناتي لمن رامهاوأنزلت الرّغم بالمعطس
قال: فلما أتى عليها استبكى محمد بن عبد الله بن حسن، فنظر عبد الله إلى أخيه حسن فقال: مالك تنظر إلي! أما والله، لو كان ابنك على غير ما ترى لكان خيراً لنا ولك. فأقبل محمد على عمه بإظهار الشفقة على بن العباس ويقول إنهم ليسوا كبني أمية لقرب بني العباس من رسول الله ﷺ، وقام الحسن إلى منزله فبعث إلى العبلي بخمسين ديناراً، وأمر له عبد الله، ومحمد وإبراهيم ابناه، كل واحد بخمسين ديناراً. وكانت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مقتفية بالعبلي. وهند المذكورة هي امرأة عبد الله بن حسن، ومحمد وإبراهيم ولداها. فقال العبلي:
أقام ثويّ بنت أبي عبيدٍبخير منازل الجيران جارا
أتاهم خائفاً وجلاً طريداًفصادف خير دور النّاس دارا
إذا ذمّ الجوار نزيل قومٍشكرتهم ولم أذمم جوارا
فقالت هند لعبد الله وابنيها محمد وإبراهيم: والله ما مدحكم بأفضل مما مدحني به فلتعطنه عني مثل ما أعطاه أحدكم. فأعطوه عنها خمسين ديناراً.
فقال الزبير: إنما ينسب عبلياً من كان من ولد أمية الأصغر، وليس عبد الله هذا من ولده، إنما أمية عمه.
يقال: فلان يقتفي بفلان إذا كان يؤثره، والقفية: الطعام يؤثر به الرجل واحداً يقدمه. ويقال للرجل يختار ويقصد بالبر: ألقيت قفيتي عليك.
وقال أحد الأعراب الفصحاء:
لعمري لقد نادى بأرفع صوتهنعيّ حييٍّ أنّ سيّدكم هوى
أجل صادقاً والقائل الفاعل الّذيإذا قال قولاً أنبط الماء في الثّرى
فتىً قبلٌ لم تعنس ألسّنّ وجههسوى شهبٍ في الرّأس كالفجر في الدّجى
أشارت له الحرب العوان فجاءهايقعقع بالأقراب أوّل من أتى
ولم يجنها لكن جناها وليّهفأدى وآساه فكان كمن جنى
وقال أيضاً يرثيه:
ألا لهف الأرامل واليتامىولهف الباكيات على حييّ
لعمرك ما خشيت على حييّمتالف بين حجر والسّليّ
ولكنّي خشيت على حييّجريرة رمحه في كلّ حيّ
وقال امرأة من كندة ترثي إخوتها:
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهمفماتوا وأطراف القنا تقطر الدّما
ولو أنّهم فرّوا لكانوا أعزّةًولكن رأوا صبراً على الموت أكرما
هوت أمّهم ماذا بهم يوم صرّعوابجيشان من أسباب مجدٍ تصرّما
وقال رجل من الخوارج يرثي عدداً منهم:
ألا في الله لا في النّاس سالتبداوودٍ وإخوته الجذوع
مضوا قتلاً وتشريداً وصلباًتحوم عليهم طيرٌ وقوع
إذا ما اللّيل أظلم كابدوهفيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقامواوأهل الأمن في الدّنيا هجوع
وقالت الكندية:
لا تخبروا النّاس إلاّ أنّ سيّدكمأسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا
أعني فتىً لم تهبّ الرّيح رائحةًيوماً من الدّهر إلاّ ضرّ أو نفعا
الواهب الألف لا يبغي لها ثمناًإلاّ من الله والحمد الّذي صنعا
وقال أبو عبد الرحمن العتبي:
قد كنت أبكي على من فات من سلفيوأهل ودّي جميعٌ غير أشتات
والآن إذ فرّقت بيني وبينهمنوىً بكيت على أهل المودّات
وما بقاء امريءٍ كانت مدامعهمقسومةً بين أحياءٍ وأموات
وكان أبو عبد الرحمن وسيطاً في قريش، من ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان معدناً من معادن العلم بالأخبار جاهليتها وإسلاميتها وكان بالإسلامي أخبر. وتوالى له بنون موتاً. ورثاهم مراثي كثيرة نذكر بعضها مع ما في غيرهم من المراثي إن شاء الله.
فمن ذلك قوله:
أضحت بخدّي للدّموع رسومأسفاً عليك وفي الفؤاد كلوم
والصّبر يحمد في المصائب كلّهاإلاّ عليك فإنّه مذموم
يا واحداً من ستّةٍ أسكنتهمحفراً تقسّم بينهم ورجوم
لولا معالم روسهنّ لما اهتدىلحميمه بين القبور حميم
وقال أيضاً:
كلّ لساني عن وصف ما أجدوذقت ثكلاً ما ذاقه أحد
وأوطنت حرقةً حشاي فقدذاب عليها الفؤاد والكبد
إن أزمعت بالعزاء لجّ بها الشّوق فنيران حرّها تقد
ما عالج الحزن والحرارة في الأحشاء من لم يمت له ولد
فجعت بابنين ليس بينهماإلاّ ليالٍ ليست لها عدد
فالنّفس تطوى على أحرّ من الجمر وأدنى أرجائها الكمد
وكلّ حزنٍ يبلى على قدم الدّهر وحزني يجدّه الأبد
ويروى عن الحسن البصري أنه قال: قدم علينا بشر بن مروان وهو أشرف الناس، وأجمل الناس، وأشب الناس، ابن خليفة وأخو خليفة، فلبث خمسة وأربعين يوماً ثم طعن في نيطه فمات. فخرج به إلى قبره والناس معه. وجاء سودان ثلاثة يحملون أسود، فدفن هذا وهذا. وخرجت إلى الصحراء ثم رجعت وقد انصرف عنهما، فلم أعرف قبر هذا من قبر هذا.
قال أبو العباس: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك المعروف بالزيات وحدثني بهذا الحديث الذي أذكره غيره أيضاً أن محمد بن عبد الملك كانت له جارية وكان بها ضنيناً، وكان له منها ابن يقال له عمر وهو باق الآن، فماتت وابنها هذا صغير.
وسمعت أبا أيوب سليمان ابن وهب يتحدث بقطعة من خبر محمد بن عبد الملك في ضنه بابنه هذا. فرثاها ببيتين هما جاريان على ألسن الناس مشهوران:
يقول لي الخلاّن لو زرت قبرهافقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
على حال لم أحدث فأجهل عهدهاولم أبلغ السّنّ الّتي معها الصّبر
ورثاها فقال شعراً يقرب من القلب، ويضطر إلى تصديقه، ويرتاح لعهد قائله، ويرحم لشكوى بثه وهو:
ألا من رأى الطّفل المفارق أمّهبعيد الكرى عيناه تنسكبان؟
رأى كلّ أمٍّ وابنها غير أمّهيبيتان تحت اللّيل ينتجيان
يرنّ بصوتٍ فضّ قلبي نشيجهوسحّ دموعٍ ثرّة الهملان
وبات وحيداً في الفراش تحثّهبلابل قلبٍ دائم الخفقان
ألا إنّ سجلاً واحداً إن هرقتهمن الدّمع أو سجلين قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيت فإنماأداوي بهذا الدّمع ما تريان
وإنّ مكاناً في الثّرى خطّ لحدهلمن كان من قلبي بكلّ مكان
أحقّ مكانٍ بالزّيارة والهوىفهل أنتما إن عجت منتظران؟
فهبني عزمت الصّبر عنها لأنّنيجليدٌ، فمن بالصّبر لابن ثمان؟
ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبةًولا يأتسي بالنّاس في الحدثان
ألا من أمنّيه المنى وأعدّهلعثرة أيّامٍ وصرف زمان؟
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسيوإن غبت عنه حاطني وكفاني؟
فلم أر كالأيّام كيف تصيبنيولا مثل هذا الدّهر كيف رماني
ولا مثل أيّامٍ فجعت بفقدهاولا مثل يومٍ بعد ذاك دهاني
أعينيّ إلاّ تسعدا اليوم عبرتيفبئس إذن ما في غدٍ تعداني
أعينيّ إن أنع السّرور وأهلهوعهد الصّبا عندي فقد نعياني
أعينيّ إن أبك البشاشة والصّبافقد آذنا منّي وقد بكياني
ألا إنّ بيتاً لم أزره لشدّ ماتلبّس من قلبي به وعناني
ألا إنّ بيتاً لم أزره لعزّ ماتضمّن منه في الثّرى الكفنان
وقال رجل من الأنصار يذكر امرأة كانت له، وكانت به برة، وله حافظةً إذا غاب، وسارةً إذا حضر، فأصيب بها:
ألا ما لهذا البيت ليس بذي أهلتنكّرت ما قد كنت تألف من قبلي
أيا جارتا لا تبعدي خير جارةٍلبعلٍ وأحناه على ولدٍ طفل
فلو أنّني كنت العليل لأيقظتبنيها وما نامت ولا فعلت فعلي
وقال رجل من بني شيبان يرثي معن بن زائدة:
أحين ثوى معنٌ ثوى الجود والنّدىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
فيا قبر معنٍ أنت آخر خطّةٍمن الأرض خطّت للمكارم مضجعا
ويا قبر معنٍ كيف واريت جودهوقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتٌولو كان حيّاً ضقت حتّى تصدّعا
فتىً عيش في معروفه بعد موتهكما عاد غيثٌ بعد جدواه مرتعا
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم. وشهرة أفعال سعيد وبعد صيته في عقله وأدبه، وجاهه وقدره، وكثرة معروفه وتمكنه من الخلفاء، تغني عن ذكر شيء من أفعاله:
ما للسّماء عليه ليس تنفطروللكواكب لا تهوي فتنتثر؟
وللبلاد ألا تسمو زلازلهاوالرّاسيات ألا تردى فتنقعر؟
إنّ النّدى وأبا عمروٍ يضمهماقبرٌ ببغداد يستسقى به المطر
لله حزمٌ وجودٌ ضمّه جدثٌومكرماتٌ طواها التّرب والمدر
يا طالباً وزراً من ريب حادثةٍأودى سعيدٌ فلا كهفٌ ولا وزر
أبكى عليك عيون الحيّ من يمنٍومن ربيعة ما تبكي له مضر
كلّ القبائل قد ردّيت أرديةًمن فضل نعماك لا يجزي بها شكر
ما خصّ رزؤك لا قيساً ولا مضراًإنّ الرّزيّة معمومٌ بها البشر
لو كان يبكي كتاب الله من أحدٍلطول إلفٍ بكتك الآي والسّور
أبو الأرامل والأيتام ليس لهإلاّ مراعاتهم همٌّ ولا وطر
للهاربين مصادٌ غير مطّلعٍوللعفاة جنابٌ ممرعٌ خضر
من كلّ أفقٍ إليه العيس معملةٌوكلّ حيٍّ على أبوابه زمر
المصاد: رأس الجبل يتحصن فيه الخائفون، كما قال أوس بن حجر:
إذا أبرز الخوف الكعاب فإنّهممصادٌ لمن يأوي إليهم ومعقل
مشيّعٌ لا يفوت الذّحل صولتهوأكرم النّاس عفواً حين يقتدر
لا يزدهيه لغير الحقّ منطقهولا تناجيه إلاّ بالتّقى الفكر
ثبتٌ على زلل الأيّام مضطلعٌبالنّائبات لصعب الدّهر مقتسر
سامي الجفوني يروق الطّرف منظرهوأطهر النّاس غيباً حين يختبر
الحلم يصمته والعلم ينطقهوفي تقى الله ما يأتي وما يذر
لم تسم همّته يوماً إلى شرفٍإلاّ حباه بما يسمو له الظّفر
يعطيك فوق المنى من فضل نائلهوليس يعطيك إلاّ وهو معتذر
يزيد معروفه كبراً ويرفعهأنّ الجسيم لديه منه محتقر
وليس يسعى لغير الحمد يكسبهوليس إلاّ من المعروف يدّخر
عفّ الضّمير رحيب الباع مضطلعٌلحرمة الله والإسلام منتصر
ما انفكّ في كلّ فجٍّ من ندى يدهللنّاس جودان: محويٌّ ومنتظر
لو هاب عن عزّةٍ أو نجدةٍ قدرٌمن البريّة خلقاً هابك القدر
ليبك فقدك أطراف البلاد كمالم يخل من نعمةٍ أسديتها قطر
وليبكك المرملون الشّعث ضمّهممن كلّ أوبٍ إلى أبياتك السّفر
وذات هدمين تزجي دردقاً قزماًمثل الرّئال حباها البؤس والكبر
ويبكك الدّين والدّنيا لرعيهماوالبرّ والبحر والإعسار واليسر
كفلت عترة أقوامٍ مهاجرةٍعثمان جدّهم أو جدّهم عمر
وقد نصرت وقد آويت محتسباًأبناء قومٍ هم آووا وهم نصروا
يا ربّ أرملةٍ منهم ومكتهلٍأيتمته وهو مبيضٌّ له الشّعر
لله شمل جميعٍ كان ملتئماًأضحى ليوم سعيدٍ وهو منتشر
أمسى لفقدك ظهر الأرض مختشعاًبادي الكآبة واختالت بك الحفر
أحياك عمروٌ ولولاه وإخوتهعفا النّوال فلم يسمع له خبر
ألهمتهم طوعه فانقاد رشدهمكلٌّ يراه بحيث السّمع والبصر
كأنّهم كنفاه وهو بينهمبدر السّماء حوته الأنجم الزّهر
بنو قتيبة نور الأرض نورهمإذا خبا قمرٌ منهم بدا قمر
إذا تشاكهت الأيّام واشتبهتأبان أيّامك التّحجيل والغرر
إمّا ثويت فما أبقيت مكرمةًإلاّ بكفّيك منها العين والأثر
إنّ اللّيالي والأيّام لو نطقتأثنت بآلائك الآصال والبكر
كان النّدى في شهور الحول مقتسماًبين البريّة فاغتال النّدى صفر
قال: وكان سعيد عامراً لطرق الخير، عواداً على الأيتام والأرامل، وعلى أبناء المهاجرين والأنصار. وكان حسن العزاء، وكان يقدم من بنيه عمراً وسلماً فأتاه موت ابن له يقال له العباس في يوم مات سلم بحضرته، وكانت ميتة العباس بكرمان، قتله بها الخوارج، فذكر الحسن بن رجاء أنهم دخلوا عليه مع رجاء بن أبي الضحاك ليعزوه عنهما، فرأوا عنده من العزاء ما لو شهده من لم يعرف القصة لظن أنه المعزي.
وحدثني ابن لموسى بن سعيد بن سلم أن سعيداً كان عنده قوم على الطعام في عقب موت سلم، فحدثهم حديثاً ثم قال لهم، واللقمة في يده: حدثني بهذا ابني سلم ﵀. ثم وضع اللقمة في فيه.
وقال عبد الصمد فيه:
ربّ طفلٍ نعشته بعد يتموفقيرٍ أغنيته بعد عدم
كلّما عضّت الحوادث نادىرضي الله عن سعيد بن سلم
وقال عبد الصمد يرثي عمرو بن سعيد بن سلم:
هريقا دماً إن أنفدت عبرةٌ تجريأبى الصّبر أنّ الرّزء جلّ عن الصّبر
ولا تجمدا عينيّ قد حسّن البكاوفرط الأسى فقد المغيّب في القبر
ليغركما بالبثّ أن لست واقفاًمن الصّبر يوماً بعد عمروٍ على عذر
سلامٌ وسقيا من يد الله ثرّةٌعلى جسدٍ بالٍ بلمّاعةٍ قفر
جرت فوقه الأرواح أمناً لجريهوقد كنّ حسرى حين يجري كما تجري
تولّى النّدى والبأس والحلم والتّقىفلم يبق منها بعد عمرٍ وسوى الذّكر
فإن تطوه الأيّام لا تطو بعدهصنائع منه لا تبيد على النّشر
متى تلقه لا تلق إلاّ ممنّعاًحماه، مصون العرض مبتذل الوفر
وأيّ محلٍّ لا لكفّيه نعمةٌعلى أهله من أرض برٍّ ولا بحر
وما اختلفت حالان إلاّ رأيتهركوب الّتي تسبي هيوب الّتي تزري
ومن تكن الأوراق والتّبر ذخرهفما كان غير الحمد يرغب في ذخر
كلا حالتيه الجود أنّى تصرّفتبه دول الأيّام في العسر واليسر
وما عدمت يوماً لكفّيه أنعمٌتضاف له منها عوانٌ إلى بكر
وما انتسبت إلاّ إليه صنيعةٌوما نطقت إلاّ به ألسن الفخر
يرى غبناً يوماً يمرّ وليلةًعليه ولم يكسب طريقاً من الشّكر
تغضّ له الأبصار عند اجتلائهوليس به إلاّ الجلالة من كبر
ترى جهره جهر التّقيّ وسرّهإذا ما اختبرت السّرّ أتقى من الجهر
ولم يصح من يومٍ ولم يمس ليلةًبغير اكتساب الحمد مشتغل الفكر
وكانت تعمّ النّاس نعماء كفّهفعمّوا عليه بالمصيبة والأجر
تناعاه أقطار البلاد تفجّعاًلمصرعه تبكيه قطراً إلى قطر
تباشر بطن الأرض أنساً بقربهوأضحت عليه وهي خاشعة الظّهر
ولم تك تسقى الأرض إلاّ بسيبهإذا ما جفا أقطارها سبل القطر
إذا نشأت يوماً لكفّيه مزنةٌأديل الغنى في كلّ فجٍّ من القفر
هوى جبل الله الّذي كان معقلاًوعزّاً لدين الله، ذلاً على الكفر
عجبت لأيدي الحتف كيف تغلغلتإليك وبين النّسر بيتك والنّسر
وما كنت بالمغضي لدهرٍ على القذىولا ليّنٍ للحادثات على القسر
ولو دفع العزّ الحمام عن امريءٍلما نال عمراً للحمام شبا ظفر
ألم تك أسباب الرّدى طوع كفّهتبين لصرفي ما يريش وما يبري
إذا صاح داعي الرّوع سار أمامهلواءان معقودان بالفتح والنّصر
يقسّم آجال العدى عزم بأسهبهنديّة بيضٍ وخطّيّةٍ سمر
وما ذبّ إلاّ عن حمى الدّين سيفهولا قاد خيل الله إلاّ إلى ثغر
وقد كان يقري الحتف أعداء سلمهفأضحى قرى ما كان أعداءه يقري
تولّى أبو عمروٍ فقلنا لنا عمروٌكفانا طلوع البدر غيبوبة البدر
وكان أبو عمروٍ معاداً حياتهبعمروٍ، فلمّا مات مات أبو عمروٍ
وكنّا عليه نحذر الدّهر وحدهفلم يبق ما يخشى عليه من الدّهر
وهوّن وجدي أنّ من عاش بعدهيلاقي الّذي لاقى وإن مدّ في العمر
وهوّن وجدي أنّني لا أرى أمرءاًمن النّاس إلاّ وهو مغضٍ على وتر
رمتنا اللّيالي فيك يا عمرو بعد ماحمدنا بك الدّنيا، بقاصمة الظّهر
سأجزيك شكري ما حييت فإن أمتأبقّ ثناءً فيك يبقى إلى الحشر
وأوثر حزني فيك دون تجلّديوإسبال دمعٍ لا بكيءٍ ولا نزر
قال أبو العباس: وكان مروان بن أبي الجنوب بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة مداحاً للخلفاء من لدن المهدي إلى أن قام محمد ولي عهد، ولم يبلغ خلافته. وكان مطبوعاً خطيباً في شعره، صحيح المعاني، قليل الإغماض صلب الكلام، وأعطاه المهدي فأكثر. وفي ذلك يقول:
صدّقت يا خير مأمولٍ ومنتجعٍظنّي بأضعاف ما قد كنت أحتسب
أعطيت تسعين ألفاً غير متبعهامنّاً ولست بمنّانٍ لما تهب
فلما مات المهدي جزع عليه جزعاً شديداً، ورثاه بأشعار اخترنا منها قوله:
لو خلّدت بعد الإمام محمّدٍنفسي لما فرحت بطول بقائها
كم قائلٍ لمّا أتاه نعيّه:ليت اللّيالي آذنت بفنائها
إنّ البلاد غداة أصبح ثاوياًكادت تعود جبالها كصفائها
ترك المسامع فقده مستكّةًوشجا النّفوس وحال دون عزائها
فاليوم شاغبت النّفوس حرارةٌكالنّار موصدةً على أحشائها
واليوم أظلمت البلاد وربّماكشفت بغرّته دجى ظلمائها
واليوم أصبحت الأرامل ولّهاًتدعو وما ظلمت بطول شقائها
كانت تعوذ من الشّتاء إذا شتتبفنائه وتعيش في أذرائها
وتبيت آمنةً لدى حجراتهكحمام مكّة قطّناً وظبائها
أفنى البكاء على الإمام محمّدٍماء العيون فأستعدت بدمائها
لمّا استنار ببطن مكّة هلكهحنّ التّراب إليه من بطحائها
فرحت بطون الأرض إذ كسيت بهنوراً جلا ظلماتها بجلائها
وبكت أمير المؤمنين ظهورهاإذ غاب زين عشيّها وضحائها
كانت خلافته خلافة رحمةٍحتّى مضت أيّامه لمضائها
ما مرّ من يومٍ عليه وليلةٍإلاّ تدفّق كفّه بعطائها
روّى الظّماء بوادياً وغوادياًعفواً بأرشية النّدى ودلائها
عمّ الصّحاح بعدله وبعرفهوشفى المراض بسيفه من دائها
وصلت جناحي من فواضل سيبهسبعون ألفاً راشني بحبائها
فلأتبعنّ له المديح مراثياًيبقى على المهديّ حسن ثنائها
أثني لأجزيه أيادي عرفهعندي ولست ببالغ لجزائها
أقلي الحياة إذا رأيت قصورهغبراً خواشع بعد طول بهائها
وجياده قد عرّيت وقبابهمختلّةً عرصاتها لخلائها
فقدت مشرّفها الجياد فأصبحتتبكيه عند صباحها ومسائها
ففحولهنّ عن الحجور ذواهلٌوحجورهنّ تصدّ عن أفلائها
سقيت على الظّمإ القراح لفقدهامن كان يعرضها على أسمائها
ولقد تراها والحليب صبوحهاوغبوقها في قيظها وشتائها
قلعت لترك ركوبها غلمانهاولقد ترى ثبتاً على أقرائها
القلع: الذي لا يستقر على سرج.
يا من علا شمس النهار لفقدهرهج القتام فحال دون ضيائها
إنّ القبور قديمها وحديثهالصداك فاضلةٌ على أصدائها
ما حفرةٌ أسنى وأكرم ساكناًمن حفرةٍ حدروك في أرجائها
إلاّ الّتي أمسى النبيّ محمّدٌفيها فإنّ لتلك فضل سنائها
يا ليت نفسي قبل نفسك غالهاريب المنون فحال دون ثوائها
وبقيت ما بقي النّهار لأمّةٍما إن تملّ عليك طول بكائها
فجعت بسيرتك الرّعيّة بعدماأنسيتها الماضين من خلفائها
ألبستها كنفي رؤوفٍ حافظٍحرم الحقوق، موكّلٍ بأدائها
يمشي اليتامى في ذراه كأنّمايأوي المبيت بها إلى آبائها
لولا أبنك الكافي الخطوب لأدبرتعنّا بقيّة عيشنا برخائها
قال أبو العباس: كتب الحسن بن وهب إلى الأمير محمد ابن عبد الله بن طاهر يعزيه عن مصيبة:
بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاء الأمير مسروراً غير محزون، ومعطىً غير، مسلوب، ووفقه في أحواله كلها لما يستديم به النعمة، ويستحق عنده المثوبة. أفظعني أعز الله الأمير ما رأيت بالأمير جعلني الله فداءه من هذه الرزية التي كادت تكون أشبه بالنعم منها بالرزايا، لما وفر الله، إن شاء الله، للأمير أيده الله من ثوابها، وبقى له في نفسه حاطه الله من بعدها. فإن حياة الأمير مد الله في عمره حياة لأهله وذوي تأميله، بعد الذي جعل الله للدين والخلافة من الأنس والعز بسلامته، وللأمة من جيل مكانه وموضعه، ووفر الله للأمير، ولا نقصه وتولاه بحسن المدافعة عنه والحياطة، ولا أراه سوءاً في نفس ولا حميم، بقدرته وهذه جعلت فداء الأمير أبيات ينظر فيها أيده الله عند نشاطه إن شاء الله:
قل للمجير على الدّهورومقيل ذي الجدّ العثور
ولمن يصغّر كبرهمستعظم الخطب الكبير
حتّى يرى بعد الجلالة منه في حال الصّغير
إنّ الأمير أجلّ قدراً في ملمّات الأمور
من أن تفيض دموعهلفراق إلفٍ أو عشير
لا، بل يكون مسلّماًلحكومة الملك القدير
ويبثّه منه الرّضىعنه بإخلاص الضّمير
والصّبر في البلوى فيعطى وافياً أجر الصّبور
والشّكر في النّعمى يغنم ما يضاعف للشّكور
فالله ينسئ عمرهفي منتهى رتب الحبور
وإذا بكت غزر العيون فلا بكت عين الأمير
لا بل تبيت قريرةًأبداً على برد السّرور
ماذا بعبدك مذ رآك من الكآبة والفتور
عبدٌ يراك وليّ نعمته إلى يوم النّشور
ويراك جابر ما وهىمن عظمه ذاك الكسير
ويجنّ ودّاً، خبرهعند العليم به الخبير
قال: وكان الحسن بن وهب يقدم حبيب بن أوس أبا تمام الطائي تقديماً يتجاوز فيه، ولا يرى له في الشعر نداً قديماً فضلاً عن حديث. فأتاه خبر موته بالموصل فرثاه بشعر سلك فيه مثل طريقه، وترك مذهبه في السهولة والبيان وألفاظ الكتاب فقال:
سقى بالموصل القبر الغريباسحائب ينتحبن له نحيبا
إذا ظلّلنه أطلقن فيهشعيب المزن تتبعها شعيبا
الشعيب: المزادة التي يحملها البعير.
ولطّمت البروق لها خدوداًوشقّقت الرّعود لها جيوبا
فإنّ تراب ذاك القبر يحويحبيباً كان يدعى لي حبيبا
لبيباً شاعراً فطناً أديباأصيل الرّأي في الجلّى أريبا
إذا شاهدته روّاك ممّايسرّك رقّةً منه وطيبا
أبا تمّامٍ الطّائيّ إنّالقينا بعدك العجب العجيبا
فقدنا منك علقاً لا نرانانصيب له مدى الدّنيا ضريبا
وكنت أخاً لنا يدني إليناضمير الودّ والنّسب القريبا
وكانت مذحجٌ تطوى عليناجميعاً ثمّ تنشرنا شعوبا
فلمّا بنت نكّرت اللّياليقريب الدّار والأقصى الغريبا
وأبدى الدّهر أقبح صفحتيهووجهاً كالحاً جهماً قطوبا
فأحر بأن يطيب الموت فيهوأحر، بعيشةٍ ألاّ تطيبا
وقال أبو عبد الرحمن العتبي يرثي بنيه:
أما يزجر الدّهر عنّا المنونايبقّي البنات ويفني البنينا
وأنحت عليّ بلا رحمةٍفلم تبق فوق غصوني غصونا
وكنت أبا ستّةٍ كالبدوروقد فقؤوا أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات المنونكمرّ الدّراهم بالنّاقدينا
فألقين ذاك إلى صارخٍوألقين ذاك إلى ملحدينا
فما زال ذلك دأب الزّمان حتّى أماتهم أجمعينا
وحتّى بكى لي حسّادهموقد أتعبوا بالدّموع العيونا
وحسبك من حادثٍ بامريءٍترى حاسديه له راحمينا
رأيت بنيّ على ظهرهافصاروا إلى بطنها ينقلونا
فمن كان يسليه مرّ السّنينفحزني تجدّده لي السّنونا
وقال فيهم:
يا ستّةً أودعتهم حفر البلىلخدودهم تحت الجبوب وساد
منعوا جفوني أن يصافح بعضهابعضاً فهنّ وإن قربن بعاد
لمّا بقيت عماد بيتٍ مفرداًقد أسلمت أطنابه الأوتاد
لم تبق عينٌ أسعدت ذا عبرةٍإلاّ بكت حتّى بكى الحسّاد
ماذا أرجّي بعد خمسٍ بعدهاستّون أكملها لي الميلاد؟
وسطت عليّ من الزّمان يدٌ بهافلّ الجميع وغيّب الأولاد
وقال يرثي أخته:
لقد خانني صبري بأمّ محمّدٍفلم يبق لي إلاّ التّأسّف من جهدي
سوى أنّ صدري تحته مستكنّةٌ من الحزن ما تبقي على الرّجل الجلد
وإنّي مذ اليوم الّذي لم أطق بهعن ابنة أمّي مدفعاً لعلى وعد
وقال يرثي محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب:
محمّد إن آنست منّي جانبابقربٍ لقد أوحشت بالبعد جانبا
وقد عظمت فيك المصائب إنّهاتصغّر عندي في سواك المصائبا
سلوت به عمّن تقدّم قبلهوآليت أصفي بعده الودّ صاحبا
ستبكيك أخلاق المروءة إنّهامغيّبةٌ ما دمت عنهنّ غائبا
وقال يرثي ابنه سليمان، وكان نفيساً من ولده:
سليمان والله الّذي أنا عبدهلقلبي عليلٌ ما بقيت حزين
تقاضاك دهرٌ فاقتضاك بدينهوللدّهر في نفسي عليّ ديون
فقرّت عيونٌ كنت شمل جفونهاوجادت بحزنٍ بالدّماء عيون
فليس على دهرٍ مجيرٌ إذا عدابكرهٍ، ولا خلقٌ عليه معين
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحتلها دافنٌ من نفسها ودفين
فلله ما أعطى ولله ما حوىوأحر بأمرٍ كائنٍ سيكون
فيا فجعة الدّنيا بمن شبت بعدهفسيّان مضنونٌ به وضنين
وقال يرثي صديقاً له يقال له عيسى بن القاسم:
بكت عين من لم يبك عيسى بن قاسمٍبأربعةٍ حتّى تجفّ نواظره
فتىً غاب عنه أقربوه فلم يكنله من يحامي دونه ويؤازره
مررت على ربعٍ له بعد موتهفباطنه يشكو الخراب وظاهره
تكاد مغانيه تقول لفقدهلسائلها عن أهله: مات عامره
سلامٌ على الإخوان والعيش بعدهومن كنت أصفيه الهوى وأعاشره
ومن كان يسلي الهمّ عنّي حديثهإليّ إذا ضاقت بأمري مصادره
فإن أسل عن شيءٍ فما عنه سلوةٌومهما أضيّعه فإنّي ذاكره
وقال في ابن له يكنى أبا عمرو مات في آخر ولده قصيدةً يطيلها، اخترت منها هذه الأبيات:
لقد شمت الأعداء بي وتغيّرتعيونٌ أراها بعد موت أبي عمرو
تجرّا عليّ الدّهر لمّا فقدتهولو كان حيّا لاجترأت على الدّهر
أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدىفديتم وأعطينا بكم ساكني الظّهر
فيا ليت من فيها عليها وليت منعليها ثوى فيها مقيماً إلى الحشر
فماتوا كأن لم يعرف الموت غيرهمفثكلٌ على ثكلٍ وقبرٌ إلى قبر
وقال دعبل بن علي الخزاعي يرثي أبا القاسم نصر بن حمزة:
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتّسعتفقصّ مرّ اللّيالي من حواشيها
هذا أبو القاسم الثّاوي ببلقعةٍتسفي الرّياح عليه من سوافيها
هبّت وقد علمت أن لا هبوب بهوقد تكون حسيراً إذ يجاريها
أضحى قرىً للمنايا إذ نزلن بهوكان في سالف الأيّام يقريها
وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثي محمد بن منصور:
أنعى فتى الجود إلى الجودما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتىً أصبح معروفهمنتسباً في البيض والسّود
أنعى إلى الفتيان أعلاهمكعباً وأولاهم بتمجيد
أنعى ابن منصورٍ إلى سيّدٍوأيّدٍ ليس برعديد
وأشعثٍ يسعى على صبيةٍمثل فراخ الطّير مجهود
وطارقٍ أعيا عليه القرىومسلمٍ في القدّ مصفود
أنعى فتىً مصّ الثّرى بعدهبقيّة الماء من العود
وانثلم المجد به ثلمةًجانبها ليس بمسدود
أنعى فتىً كان ومعروفهيملأ ما بين ذرى البيد
فأصبحا بعد تساميهماقد جمعا في بطن ملحود
اليوم تخشى عثرات النّدىوعدوة البخل على الجود
يا راكب العيس الّتي تختطيما بين أعناق القراديد
إنّ بباب البردان الفتى الضّامن حاجات المجاهيد
من قنّع المسكين لمّا مضىمن رغد العيش بتصريد
من لم يكن سائله ممسكاًمنه بأذناب المواعيد
لا خير في الدّنيا وقد أغلقتأبوابها دون الفتى المودي
ليرتج البخّل عليها فقدمضى فتاها بالمقاليد
أورده حوضاً عظيم الثّأىفي المجد يومٌ غير محمود
كلّ فتىً يسعى إلى مدّةٍمن أجلٍ قد خطّ معدود
سينطبق الشّعر بأيّامهعلى لسانٍ غير معقود
كفاك أنّ المجد قد أصبحتأعلامه في بطن أخدود
جودي بدمعٍ أو دمٍ جودييا عين لا عذت بمجلود
فكلّ مفقودٍ إلى جنبهوإن تغالى غير مفقود
يا وافدي قومهما إنّ منطلبتما تحت الجلاميد
طلبتما الجود وقد ضمّهمحمّدٌ في جوف ملحود
فاتكما بالموت معروفهوليس ما فات بمردود
يا عضداً للموت مفتوتةًوساعداً ليس بمعضود
أوهن زنديه وأكباهماقرع المنايا في الصّناديد
وهدّ ذا الرّكن الذي كان بالأمس عماداً غير مهدود
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع