من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)
باب الجفاة عند الموت
قال أبو العباس رحمه الله تعالى: ونذكر الجفاة عند الموت: قال علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن ابن إسحاق عن الزهري أن رسول الله ﷺ قال لأبي طالب وهو في الموت: يا عم، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند ربي. قال: يا بن أخي، لولا أن تكون سبةً عليك بعدي لأقررت بها عينك.
وقال: قال الزهري: مر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فقال: الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله. قال: يا بن أم عبد، ما أخزاني الله. لست بأول سيد قتله قومه. إن أشد من ذلك علي ألا يكون ولي مني ما تريد أن تليه، رجل من صميم المطيبين، فوضع ابن مسعود رجله على عنقه فقال: أرويعياً بالأمس بمكة. لقد ارتقيت مرتقى صعبا
قال أبو الحسن: سئل وكيع بن الدورقية: كيف قتلت عبد الله ابن خازم؟ قال: قعدت على صدره، وغلبته بفضل فتاء كان لي عليه وناديت: يا لثارات دويلة يعني أخاه من أمه. وكان دويلة أخا وكيع من أمه، قتله عبد الله. قال: وكنت طعنته في شدقه، فجمع ما كان في فيه من الدم والريق فتنخم به، فملأ وجهي وقال: قبحك الله، أتقتل كبش مضر بأخ لك لا يساوي كف نوى!.
قال: وكان ابن هبيرة يقول: هذه والله البسالة، لقدرته على كثرة ريقه عند الموت.
وقال عبد الله بن قائد: كان طريف بن نافع الباهلي عالماً بالنسب، فلما ثقل قال لقومه وهو في الموت: بلوا فمي بماء، فعصروا في فيه ماءً بقطنه، ثم قال: أجلسوني فأجلسوه فقال: فلان ليس لأبيه الذي يدعى له. فقيل له: أتقول هذا وأنت على هذه الحال!
فقال: خفت أن أموت وأنتم في شك منه، ثم أضجعره فمات.
وقال يعقوب بن عوف عن عبد الله بن أبي بكر أن بجرة بن فراس القشيري قيل له وقد نزل به الموت: قل لا إله إلا الله، قال: أشهد أن أبا الزاهرية أو أبا حرب نعم الفارس كان يوم النخيل ثم مات.
وقال عوانة: قال الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي: كيف قتلت همام بن قبيصة الفزاري؟ قال: مر بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يفوتني فعل، فلما رآني قصدني فضربني وضربته، وسقط وحاول القيام فلم يقدر عليه، وقال وهو في الموت:
تعست ابن ذات البظر أجهز على امريءٍيرى الموت خيراً من فرارٍ وأكرما
ولا تتركنّي بالحشاشة إنّنيصبورٌ إذا ما النّكس مثلك أحجما
فدنوت منه. فقال: أجهز علي قبحك الله، فقد كنت أحب أن يلي هذا مني أربط جأشاً منك. فاحتززت رأسه فأتيت به مروان وأخبرته الخبر، فقال: لا تبعد رجالات قيس!
قال أبو عبد الرحمن التميمي: جاء رجل من كلب برأس زياد بن عمرو العقيلي إلى مروان، فقال له مروان: من قتل هذا؟ قال: أنا. قال: كذبت! هذا أشرف وأشجع من أن تقتله. قال: أنا، والله، قتلته، مر بي يعدو به فرسه وهو يقول:
قد طاب ورد الموت مروان فردلا تحسبنّ العيش أدنى للرّشد
لا خير في طول الحياة في كبد
فطعنته فسقط، ثم نزلت إليه وهو يجود بنفسه ويقول:
بعداً وسحقاً لامريءٍ عاش فيذلٍّ وفي كفّيه عضبٌ صقيل
وقال يزيد بن قحيف: لما قتل حلحلة بن قيس وسعيد بن عيينة من قتلا من كلب، رجعوا إلى خيبر فأقاموا. فلما ظفر عبد الملك استعداه الكلبيون وقالوا: دماءنا! فأخذ عبد الملك سعيداً وحلحلة. فأما سعيد فكان يسبح ويستغفر، وأما حلحلة فقال: أرحنا منك يا بن الزرقاء، فلو ملكتها منك لما تركتك طرفة عين. وقال:
إن أك مقتولاً أقاد برمّتيفمن قبل قتلي ما شفى نفسي القتل
وقد تركت حربي رفيدة كلّهامحالفها في دارها الجوع والذّلّ
ومن عبد ودٍّ قد أبرت قبائلاًفغادرتهم كلاًّ يطيف به كلّ
وقال أيضاً:
لعمري لئن شيخا فزارة أسلمالقد خزيت قيسٌ وقد ظفرت كلب
فلا تأخذوا عقلاً وخصّوا بغارةٍبني عبد ودٍّ بين دومة والهضب
سلامٌ على حيّي عديٍّ ومازنٍجميعاً وخصّا بالسّلام أبا وهب
أبو وهب هو زبان بن منظور بن زبان. فقال لما بلغه قوله وخصا بالسلام أبا وهب: رحمك الله أبا ثوابة، لقد كفيتنا العار والنار، وأدركت الثار، وللقوم فينا فضل، فلم تخصصنا عليهم، وقد ظلمتهم!.
فلما دعي به ليقتل قيل له: أصبر حلحل، فبرك وقال:
أصبر من عودٍ بجنبيه الجلبقد أثّر البطان فيه والحقب
وقال:
أصبر من ذي ضاغطٍ عركركألقى بواني زوره للمبرك
ومد عنقه فقتله رجل من بني عبد ود.
وقال عوانة ويزيد بن عياض أن مسلم بن عقبة المري لما قتل أهل المدينة وتوجه إلى مكة فنزل به الموت بثنية هرشا أو بقفا المشلل فدعا حصين بن نمير السكوني فقال:
يا برذعة الحمار، إن أمير المؤمنين عهد إلي إن نزل بي الموت أن أوليك، وأكره خلافه عند الموت، ولولا ذلك لكان الوالي حبيش بن دلجة فإنه أولى بذلك منك. احفظ عني ما أقول لك: لا تطيلن المقام بمكة، فإنها أرض جردة محتدمة الحر، ولا تصلح الدواب بها، ولا تمنع أهل الشام من الحملة، ولا تمكن قريشاً من أذنك، فإنهم قوم خدع. ليكن أمرك الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. ولئن دخلت النار بعد قتلي أهل الحرة إني إذن لشقي.
وقال عثمان بن الضحاك عن ذكوان مولى مروان قال: بعث يزيد بطبيب إلى مسلم فقال مسلم للطبيب: ويحك، إنما كنت أحب أن أبقى حتى أشفي نفسي من قتلة عثمان، وقد أدركت ما أردت. فما شيء أحب إلي من الموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثاً. فإني لا أشك في أن الله ﷿ طهرني من ذنوبي بقتل هؤلاء الأرجاس.
وقال ابن جعدبة: قال مسلم بن عقبة وهو بالموت لحصين بن نمير: إنك تقدم على قوم لا عدة ولا سلاح لهم، جبال مشرفة عليهم، فانصب عليهم المنجنيق في موضعين بين جبلين فإن تعوذوا بالبيت فارمه، فما أقدرك على بنائه. ومات.
وقال حمزة بن إبراهيم بن مضرس: قيل لرجل من بني قريع: قل لا إله إلا الله وقدم خيراً فقال:
يا ربّ قائلةٍ يوماً وقد لغبتكيف الطّريق إلى حمّام منجاب
ومات من ساعته.
وقال عبدة العنبري: قيل لعبد الله بن شعبة بن القلعم: لو قدمت لنفسك خيراً، فقال لبنيه: يا بني إن قوماً يقولون لكم بعدي: اقضوا دين أبيكم عنه، فلا تفعلوا، فإن لأبيكم ذنوباً كلها أعظم من الدين. اللهم، إن تغفر تغفر جماً. فبكت امرأته، فقال: لا تعصري عينيك علي، وإذا مت فاركبي بغلاً قوياً وطوفي اليمن وانظري أطول بني تميم رقبةً فتزوجيه. فلما هلك تزوجها أبو شيخ بن العرق الفقيمي.
وقال: لما حضرت لبيد بن ربيعة الوفاة قال لبني عمه: أسمعوني كيف تبكون علي. فقال رجال منهم أشعاراً لم يرضها، فقال بعضهم:
لتبك لبيداً كلّ قدرٍ وجفنةٍوتبك الصّبا من فاد وهو حميد
ولما حضرت الفرزدق الوفاة قال لأهله ومن اجتمع إليه من قومه:
أروني من يقوم لكم مقاميإذا ما الأمر جلّ عن العتاب
إلى من تفزعون إذا حثيتمبأيديكم عليّ من التّراب
فقالت مولاته له: إلى الله. فقال: وأنت تعيشين في مالي؟! امحوا اسم الخبيثة من الوصية.
وقال المدائني: لما هلك الأحوص بن محمد بن عبد الله بن ثابت الأنصاري كان آخر ما قال، ورأسه في حجر جارية له يقال لها بشرة:
ما لجديد الموت يا بشر لذّةٌوكلّ جديدٍ تستلذّ طرائفه
فلا ضير إنّ الله يا بشر سائقيإلى منزلٍ فيه تكون خلائفه
فلست وإن عيشٌ تولّى بجازعٍولا أنا ممّا حمّل الموت خائفه
وقال عوانة: لما حضر بأخرة قيل له: قل لا إله إلا الله. قال: قد بلغ الأمر إلى هذا؟ وقال مغلس بن عبد الله المحاربي: كنت بساباط فسمعت غلاماً يصيح واسيداه، يعني نوفل بن صالح مولى بني جعفر، فأتيته فإذا هو يجود بنفسه. فقلت:
أبا صالح، قل لا إله إلا الله، فأبى وقال:
أيا ويح نفسي حسب نفسي الّذي بهاويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
فقلت: قل لا إله إلا الله. فأبى، وجعل يردد هذا البيت حتى قبض.
وقال يونس بن حبيب: لما حضرت أخاه الأبح الكندي الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، فلما أكثروا عليه جعل يتقلب على جنبه ويقول:
وقد حيل بين العير والنّزوان
وقال أبو عمرو المدني وغيره: إن سالم بن دارة وهي أمه، وأبوه مسافع بن عقبة، من بني عبد الله بن غطفان وقع بينه وبين زميل بن أم دينار وأبوه أبير، من بني فزارة شر، فضربه، فجرحه أبير، فأدخل المدينة، وحمل إلى عثمان بن عفان، فأمر عثمان الطبيب فنظر ما مبلغ جرحه ثم أمره فداواه، فأفاق من وجعه، فدست أم البنين بنت عيينة بن حصن وهي امرأة عثمان إلى الطبيب دينارين. وقال قوم: بل أعطاه ذلك منظور بن سيار فسم جرحه، فانتقض فقال لأبيه وهو بالموت يحضه على قتل منظور:
أبلغ أبا سالمٍ عنّي مغلغلةًفلا تكوننّ أدنى القوم للعار
لا تأخذن مئةً منّي مكمّلةًوإن أتاك بها تحدى ابن عمّار
لو كان زيدٌ هو المقتول لأعترفواوسط الدّيار غلاماً غير عوّار
ومات من يومه. فقال أبوه: إن ابني عقني في حياته، وكلفني تعباً بعد موته.
وقال أبو الحسن قال أبو العباس: وحدثنيه أبو عثمان المازني وحدث به أبو الحسن عن عبد الله بن مسلم قال: قيل لامرأة من بني نمير: أوصي فحدثني أبو عثمان المازني أنها قالت: ما أحب أن أوصي. قيل: إن لك في ذلك لأجراً، قالت: من الذي يقول:
لعمرك ما رماح بني نميرٍبطائشة الصّدور ولا قصار
قالوا: زياد الأعجم، قالت: وممن هو؟ من بني نمير قالت: فثلثي لبني نمير.
وقال أبو الحسن عن كليب بن خلف قال: مرضت عجوز من بني نمير فأتوها بعطاء ابنها، وكان غائباً، فقالوا: هذا عطاء ابنك، وقد نقصناه درهمين.
قالت: ولم؟ قالوا: قتل رجل من بني نمير رجلاً من بني سلول، فحملنا الدية شيئاً تراضوا به، فتناولت درهمين آخرين فألقتهما إليهم وقالت: قولوا له يقتل آخر، وادفعوا هذين في الدية، فضحكوا وخرجوا، فما غابوا حتى ماتت.
وقال عوانة: قيل للحطيئة عند موته: لك مال فأوص منه للمساكين: قال: بل أوصيهم بإلحاف المسألة. قيل: فأعتق غلامك سيار. قال: هو عبد ما بقي على ظهر الأرض عبسي. قيل: فأوص فإن لك بنات. قال: مالي كله للذكور دون الإناث. قالوا: إن الله جل ذكره لم يقل هكذا. قال: لكني أقوله. وأوصيكم بالأيتام شراً، كلوا أموالهم، وانكحوا أمهاتهم، واحملوني على حمار، فلعلي لا أموت، فإنه لم يمت عليه كريم قط، وويل للشعر من رواية السوء.
وقيل له وهو يجود بنفسه:
قل لا إله إلا الله، فتمثل قول الشماخ:
فظلّت بيمؤودٍ كأنّ عيونهاإلى الشّمس هل تدنو ركيٌّ نواكز
وقال أبو الحسن عن أبي خيران الحماني عن عوف الأعرابي عن أبي رجاء العطاردي قال: رأيت رجلاً مصطلم الأذن فقلت: أخلقة أم حادث؟ قال: بل حادث. بينا أنا يوم الجمل أجول في القتلى، مررت برجل منهم ينشد:
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنافما صدرت إلاّ ونحن رواء
أطعنا قريشاً ضلّةً من حلومناونصرتنا أهل الحجاز عناء
لقد كان عن نصر ابن ضبّة أمّهوشيعتها مندوحةٌ وغناء
أطعنا بني تيم بن مرّة شقوةًوهل تيم إلاّ أعبدٌ وإماء
فقلت: من أنت؟ قال: أدن مني أخبرك. فدنوت منه فأزم بأذني فقطعها وقال: إذا أتيت أمك فأخبرها أن عمير بن الأهلب فعل ذلك بي، ومات.
وقال أبو الحسن عن عامر بن حفص قال: بلغني أن رجلاً من بني الهجيم قال وهو بالموت:
كيف تراني والمنايا تعتركتنهض أحياناً وحيناً تبترك
وقال أبو الحسن عن عامر بن الأسود: ثقل وكيع بن أبي سود فأشرف عليه عدي بن أرطاة وهو يومئذ أمير البصرة من دار الإمارة، فقال: كيف أصبحت يا أبا المطرف؟ قال: أصبحت وثاباً جرياً، فضحك عدي ورجع. فما جلس حتى سمع الواعية عليه.
وقال حمزة بن إبراهيم: قال لبطة بن الفرزدق: لما ظننا أن أبي قد احتضر بكينا حوله، ففتح عينيه ثم قال: أعلي تبكون؟ فقلنا: أفعلى ابن المراغة نبكي؟ قال: أو ها هنا موضع ذكره؟ ثم أغمي عليه، فلما أفاق قال:
إذا ما دبّت الأنقاء فوقيوصاح صدىً عليّ مع الظّلام
لقد شمتت أعاديكم وقالتأدانيكم من أين لنا المحامي؟
وقال أبو الحسن عن كليب بن خلف قال: قال وكيع بن أبي سود عند موته لأهله وولده: إني إذا مت جاءكم قوم قد سودوا جباههم، ونشروا لحاهم، وعرضوا نعالهم، يقولون إن على أبيكم ديناً فاقضوه، فلا تقضوا عني شيئاً، فإن على أبيكم من الذنوب ما إن غفرها الله فالدين من أيسرها.
قال أبو الحسن عن عامر بن الأسود قال: قيل لأبي السفاح بكير بن معدان أوص، قال: إنا الكرام يوم طخفة. قالوا: إنك في الموت فقل خيراً وتشهد. قال: غلامي إذا مات فهو حر.
قال أبو الحسن: قال دحيم وهو بالموت:
قد وردت نفسي وما كادت تردقد كنت ذا أزرٍ شديد المعتمد
وكنت ذا شغبٍ على الخصم الألدّقد جاء قرنٌ ليس بالقرن يردّ
ثم هلك.
قال أبو الحسن: قيل لرجل وهو مريض: قل لا إله إلا الله. ب: فقال: لم يأن لذلك بعد.
وقيل لهرم بن حيان: أوص. فقال: صدقتني في الحياة نفسي، ما لي مال أوصيكم به، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة البقرة.
وأخبر أبو الحسن عن شعبة بن عبد الله الأنصاري قال: عزى إياس بن معاوية رجلاً عن ابنه فقال: لا ينقص الله عددك، ولا يزل نعمةً عنك، وعجل الله لك من الخلف خيراً مما رزئت به وعزى آخر رجلاً فقال: إن فيما عوضك الله من الأجر خيراً مما فجعك به من الرزية.
وقيل لأعرابية: ما أحسن عزاءك عن ابنك! فقالت: إن فقدانيه أمنني من المصائب بعده.
وقال: أخبرني سعيد عن رجل منهم قال: خرجت إلى اليمن فنزلت على امرأة منهم، فرأيت مالاً كبيراً ورقيقاً وولداً وحالاً حسنة، فأقمت حتى قضيت حاجتي. فأردت الرحيل فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، كلما نزلت هذه البلاد فانزل علي، فغبرت أعواماً، ثم أتيت اليمن، فأتيت منزل المرأة فإذا حالتها قد تغيرت، وذهب رقيقها، ومات ولدها، وباعت منزلها، وإذا هي مسرورة بحالها، ضاحكة. فقلت: أتضحكين مع ما قد نزل بك؟ قالت: يا عبد الله، كنت في حال النعمة ولي أحزان كثيرة، فعلمت أن ذلك من قلة الشكر، فأنا اليوم في هذه الحال أضحك شكراً لله على ما أعطاني من الصبر. فقلت لعبد الله بن عمر: ما رأيت منها؟ فقال: ما كان صبر أيوب النبي ﵇ إلى هذه بشيء.
وقال سفيان: شكا الربيع بن أبي راشد إلى محارب بن دثار إبطاء خبر أخيه جامع. فقال له محارب: إن لم تكن وطنت نفسك على فراق جامع فأنت عاجز.
وقال: محمد بن أبي محمد: بلغني أن الإسكندر مر بمدينة قد ملكها أملاك سبعة، وبادوا. فقال: هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: رجل يكون في المقابر. فدعا به فقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ قال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدت ذلك سواءً. قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي بك شرف آبائك إن كانت لك همة؟ قال: إن همتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم معه، وغنىً لا يتبعه فقر، وسرور لا يغيره مكروه. قال: ما أقدر على هذا. قال: فامض لشأنك، وخلني أطلب بغيتي ممن هي عنده. فقال الاسكندر: هذا أحكم من رأيت.
وقال عبد الله بن عباس: ما قيل لقوم قط طوبى لهم إلا خبأ لهم الدهر يوم شر، فالصبر خير مغبةً.
وتحدث أبو الحسن المدائني قال: قال بعثر بن لقيط بن خالد بن نضلة الفقعسي وهلك ابنه طعمة، فورثه بردين فلبسهما وأنشأ يقول:
كساني ثوبي طعمة الموت إنّما التّراث وإن عزّ الحبيب الغنائم
إذا نفحت ريّاهما الرّيح نفحةًأبيت كأنّي غضّة الطّرف رائم
يقول: أبيت أحن كالناقة الرائم حنيناً إلى ابني. والرائم: الناقة يفارقها ولدها فيحشى جلد فصيل تبناً أو غير ذلك، ويلطخ بشيء من سلاها، وتحشى غمامة في أنفها، وتجعل درجة في حيائها، فتفتح عينها، وذلك الجلد محشو كأنه خرج منها، ورائحة السلا فيه، وتنزع الغمامة من أنفها فتجد لذلك رائحة، فكأنها قد ولدت، فإذا تشممت ذلك الولد فقد رأمته، فينزل اللبن، فكأنهم خدعوها عن لبنها.
وقال شعيب بن صفوان: كان لحضرمي بن عامر الأسدي إخوة فهلكوا، فورث أموالهم، فراح ذات يوم في بردين له، فنظر إليه رجل من قومه يقال له جزء بن فاتك، فقال له: لقد أمسيت يا حضرمي جذلان، فأنشأ يقول وجزع:
يقول جزء ولم يقل جللاإنّي تروّحت ناعماً جذلا
إن كنت أزننتني بها كذباًجزء فلاقيت مثلها عجلا
أفرح أن أرزأ الكرام وأنأورث ذوداً شصائصاً نبلا؟
الذوذ: القليل من الإبل. يقال: إن الذود الذوذ إلى الذود إبل والشصائص: المهازيل العجاف. والنبل: يقول أصحاب الغريب إنها الحقيرة، وإنها من الأضداد.
كم كان في إخوتي إذا اشتمل الأبطال تحت العجاجة الأسلا
من فارسٍ ماجدٍ أخي ثقةٍيعطي جزيلاً ويقتل البطلا
وقال حرب وذكر المعمرين: عاش دويد النهدي أربع مائة سنة، فقال لولده وأهله حين نزل به الموت: أوصيكم بالناس شراً، طعناً لزا، وضرباً أزا، اقصروا الأعنة، وأطيلوا الأسنة، وارعوا الكلأ، ثم قال:
اليوم يبنى لدويدٍ بيتهيا ربّ نهبٍ حسنٍ حويته
ومعصمٍ ذي برةٍ لويتهلو كان للدّهر بلىً أبليته
أو كان قرني واحداً كفيته
وقال عروة بن سليم: دخلت على رجل من الأحامرة بالكوفة، وعنده جماعة من أهله وغيرهم، فقالوا: قل لا إله إلا الله، فأعرض بوجهه، فأعادوها عليه مراراً، فقال: أخبروني عن أبي طالب أقالها؟ قالوا: وما أنت وأبو طالب؟ قال: لا أرغب بنفسي عنه.
وقال سلام بن أبي خبرة: ضربت الخوارج بكراً الطاحي فقطعوه بالسيوف، فدخل عليه قوم يعودونه وعنده رجال ونساء، فقالوا له: ليس عليك بأس، فقال:
غناءٌ قليلٌ عن بكير بن وائلٍترّمز أستاه الإماء العوائد
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع