تجاوز إلى المحتوى

من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

باب مواعظ وتعاز وأشعار

قال أبو العباس قد أملينا من أشعار المحدثين جملةً يخاف على مثلها الملل. وإنما كتابنا هذا وإن كان يقصد به معنى واحد فإنما يخرجه شيء من ذلك المعنى إلى آخر منه. فكأنه باب يخالف باباً. وهذا باب مواعظ وتعاز وأشعار داخلة في ذلك، موصولة به.

وقد كنا أملينا أخباراً عن عروة بن الزبير في قطع رجله، ومصاب ابنه بضرب دابة إياه. وهذا الذي نذكره مما يتصل بجملة أخباره: قال إسماعيل بن يسار يرثي محمد بن عروة:

تلك عرسي رامت سفاهاً فراقيوجفتني فما تريد عناقي
زعمت أنّما هلاكي مع المال وأنّي محالفي إملاقي
وتناست رزيّةً بدمشقٍأشخصت مهجتي فويق التّراقي
يوم ندعى إلى ابن عروة نعشاًفوق أيدي الرّجال والأعناق
مستحثّاً به سياقٌ إلى القبر وما إن يحثّهم من سياق
بمقامٍ ربخٍ فلما أجنّواشخصه وارتقوا وليس ثمّ براق

مكان ربخ: إذا كان لا يستقر عليه.

ثمّ ولّيت موجعاً قد شجانيقرب عهدٍ به وبعد تلاق
ولقد كنت للحتوف عليهمشفقاً لو أعاذه إشفاقي
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة
فإذا الموت لا يردّ بحرصٍلحريصٍ ولا لرقية راق

وغنينا كابني نويرة يوماً في رخاءٍ ولذّةٍ واتّفاق

ثمّ صرنا لفرقةٍ ذات بعدٍكلّ حيٍّ مصيره لفراق
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً يرثيه:

صلّى الإله على أمريءٍ فارقتهبالشّام في حدّ الضّريح الملحد
بوّأته بيديّ دار مقامةٍنائي المحلّة عن مزار العوّ؟ د
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة
ولئن تركتك يا محمّد ثاوياًلبما تروح مع الكرام وتغتدي
وغبرت أعوله وقد أسلمتهلسفى الأماعز والمزار الأبعد
وأرى الوفود لدى المنازل من منىًشهدوا وإنّك غائبٌ لم تشهد
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة
أعني ابن عروة إنّه قد هدّنيفقد ابن عروة هدّةً لم تقصد
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة
والمرء رهن منيّةٍ يدعى لهالا بدّ أسرع من رداء المرتدي
للشاعر اسماعيل بن يسار، اقرأ القصيدة
وإذا ذهبت إلى العزاء أريدهغلب العزاء وحيل دون تجلّدي
غلب التّعزّي أنّني لفراقهلبس العدوّ عليّ جلد الأربد

وقال البعيث ومات ابن له فقال يرثيه بشعر حفظ منه بيت استحساناً:

فصادف منّي غصّةً لا يسيغهاشرابٌ ولم يذهب مرارتها العسل

وأخبرنا عن مخلد بن حمزة عن عبد الملك بن عمير قال: دخل عبد الله ابن الزبير على أمه، أسماء ابنة أبي بكر الصديق ﵄ فقال: يا أمه، قد خذلني الناس، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من المنع أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت. فما رأيك؟ قالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق، وإليه تدعو، فامض على حقك، ولا تمكن غلمان بني أمية من نفسك. فقال: وفقك الله، هذا رأيي، وإني لحسن الظن بربي، فإن هلكت فلا يشتد جزعك علي، فإن ابنك لم يتعمد إتيان دنية، ولا عملاً بفاحشة، ولم يسع بغدر، ولم يجر في حكم، ولم يكن شيء آثر عنده من رضى ربه. اللهم إني لا أقول هذا تزكيةً لنفسي. أنت أعلم بي. ولكن أقوله لتسلو عني.

ويروى أنه خرج فحمل على أهل الشام وهو يتمثل:

فلست بمبتاع الحياة بسبّةٍولا مرتقٍ من خشية الموت سلّما

وقال رحمه الله تعالى:

يا أمّ إن متّ فلا تبكينيالدّرع والبيضة لا تنجيني
من قدر الله إذا يأتينيقد علم الأعبد أنّ دوني
ضرباً كإيزاغ المخاض الجونإيهاً شمالي عاوني يميني
فإن كرهت صحبتي فبينيفإنّما يضنّ بالضّنين

وتحدث عن سفيان بن عيينة قال:

رأى سعيد بن جبير ابنه يطوف بالبيت فقال: هذا أعز الخلق علي، وما شيء أسر إلي من أن يكون في ميزاني.

وأخبرنا عن عامر بن حفص قال: جزع القلاخ بن حزن على أخيه جحناء فقال:

أعاذل من يرزأ كجحناء لا يزلحزيناً، ويزهد بعده في العواقب
ثمال أناسٍ كان يجمع بينهمويدفع عنهم كلّ أبلخ شاغب

الأبلخ: المتكبر. وقال ضمرة بن ضمرة:

ماويّ لست برعديدةٍأبلخ جاد على المعدم
للشاعر ضَمرَةُ النَهشَلي، اقرأ القصيدة

وقال عن الحسن بن دينار: جزع رجل على ابن له، فشكا ذلك إلى الحسن بن أبي الحسن فقال له الحسن: هل كان ابنك هذا يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غبته عني أكثر من حضوره قال: فأنزله غائباً، فإنه لم يغب عنك غيبةً، الأجر لك فيها، أعظم من هذه الغيبة.

ومن غير هذا الإسناد أنه قال:

فأنزله غائباً عنك، فإنه إن لم يقدم عليك قدمت عليه. قال: يا أبا سعيد، قد هونت من وجدي على ابني.

وأخبرني عن أبي إسماعيل الهمداني عن مجالد عن الشعبي قال: مات ابن لشريح فلم يشعر أحد بموته، ولم يصرخ عليه أحد، فغدا قوم إلى شريح يسألونه عن ابنه فقالوا: كيف أصبح مريضك يا أبا أمية؟ قال: قد سكن علزه، ورجاه أهله، وما كان منذ اشتكى أسكن منه الساعة.

والعلز: شدة القلق.

وقال: أحد بني كليب:

وإن رأيت سهيلاً ظلت مكتئباًكأنّني راقبٌ للنّجم أو علز

وأخبر عن أبي عمرو بن يزيد قال: احتضر رجل فوضع رأسه في حجر أخيه، فدمعت عين أخيه فقطرت قطرة من دموعه على خد المريض، فأفاق من غشيته، فنظر إلى أخيه يبكي فقال:

أخيّين كنّا فرّق الدّهر بينناإلى الأمد الأقصى ومن يأمن الدّهرا؟

وتحدث عن عمر بن غياث عن محمد بن حرب قال: كتب إبراهيم بن أبي يحيى إلى بعض الخلفاء يعزيه: أما بعد. فإن أولى من عرف حق الله عليه فيما أخذ منه، من عظم حق الله جل وعز عنده فيما أبقى له. واعلم أن الماضي قبلك الباقي لك، وأن الباقي بعدك هو المأجور فيك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عندهم فيما يعافون منه.

وقال عمر بن غياث: عزى رجل قوماً فيهم نصراني فقال: مثلي لا يعزيك، ولكن انظر إلى ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.

قال الأصمعي: حدثني معتمر بن سليمان أن أخاً له مات، قال: فكنت أرغب إلى الله ﷿ أن أراه في نومي، فذكرت ذلك لشعيب بن الحبحاب فقال: إن الحزن ينضو عن آدم كما ينضو صبغ الثوب، ولو بقي على ابن آدم قتله.

وقال الأصمعي: سمعت بعض المحدثين يقول: نعي مجزأة بن ثور السدوسي إلى أخيه شقيق بن ثور فكأنه لم ير ذلك فيه، فقال له صاحب البريد:

هل نعاه إليك أحد قبلي قال: نعم، قد خبرنا الله جل ذكره أنا كلنا سنموت.

وقال الأصمعي: ماتت امرأة عبد الله بن مطرف بن عبد الله بن الشخير، فتبخر ولبس حلةً، فقالوا له في ذلك، فقال: أكره أن أستكين للمصيبة.

وقال أبو الحسن المدائني عن سعيد بن عبد العزيز: إن مسلمة بن عبد الملك كان له صديق يقال له شراحيل، فمات، فجزع عليه وخرج فصلى عليه ودخل قبره فلما خرج أناه المعزون، وفيهم عبد الله بن عبد الأعلى، فعزاه، فبكى مسلمة وقال:

وهوّن وجدي على شراحيل أنّنيإذا شئت لاقيت أمرءاً مات صاحبه

وقال القاسم بن الوليد: حدثني أبي، الوليد بن خلف، أن الحجاج بن يوسف أوفد مالك بن أسماء بن خارجة إلى عبد الملك بن مروان فدخل عليه فسمع صوارخ في داره، فقال: ما هذه الصوارخ يا أمير المؤمنين؟ فقال له عبد الملك:

مات أبان بن عبد الملك في هذه الليلة، فقال له مالك: آجرك الله يا أمير المؤمنين، فوالله ما على ظهر الأرض أهل بيت أعظم مرزئة واحد على الناس ولا الله أكفى لهم بالواحد الباقي من أنفسهم منكم أهل البيت. فأعجب عبد الملك كلامه، فاستعاده، وفضله على أصحابه.

وكان الحجاج لا يستعمل مالكاً لإدمانه الشراب واستهتاره فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إنك أوفدت إلي رجل أهل العراق فوله واستعمله وأكرمه.

قال أبو الحسن المدائني عن عامر بن الأسود وغيره أن الحجاج رأى في منامه كأن عينيه ذهبتا. فلما طلق هند ابنة أسماء، وهند ابنة المهلب ظن أنها تأويل رؤياه. فلما مات ابنه محمد وأتاه موت محمد أخيه قال هذا تأويل رؤياي من قبل.

وأخبر المدائني عن أبي محمد بن عمرو الثقفي قال: لما مات محمد بن الحجاج جزع عليه فقال: إذا غسلتموه فآذنوني به. فأعلموه به فدخل البيت فنظر إليه فقال:

الآن لمّا كنت أكمل من مشىوأفترّ نابك عن شباة القارح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
وتكاملت فيك المروءة كلّهاوأعنت ذلك بالفعال الصّالح
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فقيل له: اتق الله واسترجع،

فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون وقرأ: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.

وأتاه موت محمّد بن يوسف وكان بينهما جمعةٌ، فقال:

حسبي حياة الله من كلّ ميّتٍوحسبي بقاء الله من كلّ هالك
إذا ما لقيت الله ربّي مسلماًفإنّ نجاة النّفس فيما هنالك

وجلس الحجاج للمعزين ووضع بين يديه مرآة، وولى الناس ظهره وقعد في مجلسه، فكان ينظر إلى ما يصنعون، فدخل الفرزدق فلما نظر إلى فعل الحجاج تبسم، فلما رأى الحجاج ذلك منه قال: أتضحك وقد هلك المحمدان فأنشأ يقولك الطويل

لئن جزع الحجّاج ما من مصيبةٍتكون لمحزونٍ أجلّ وأوجعا
من المصطفى والمصطفى من خيارهمجناحيه لمّا فارقاه فودّعا
أخٌ كان أغنى أيمن الأرض كلّهاوأغنى أبنه أمر العراقين أجمعا
جناحا عقابٍ فارقاه كلاهماولو قطّعا من غيره لتضعضعا
سميّا نبيّ الله سمّاهما بهأبٌ لم يكن عند النّوائب أخضعا

وكتب إليه الوليد يعزيه عن محمد بن يوسف ويحثه على الصبر فكتب إليه: كتب إلي أمير المؤمنين يعزيني عن محمد بن يوسف ويذكر رضاه عنه، ويأمرني بالصبر، وكيف لا أصبر وقد أبقى الله لي أمير المؤمنين؟.

وتحدث المدائني عن يونس بن حبيب قال:

كان الحجاج إذا سمع نوحاً في دار هدمها. فلما مات ابنه وأخوه كان يعجبه أن يسمع النوح، وكان يتمثل بشعر الفرزدق:

هل ابنك إلاّ من بني الناس فاصبريفلن يرجع الموتى حنين المآتم

قال أبو العباس: حدثني التوزي قال: سمعت أبا زيد ينشد خنين المآتم. وكان يتمثل أيضاً بشعر ليزيد بن الحكم الثقفي:

إن تحتسب تؤجر وإن تبكه تكنكباكيةٍ لم يحي ميتاً بكاؤها
ومن شرّ حظّي مسلمٍ من حميمهبكاءٌ وأحزانٌ قليلٌ جداؤها

وتحدث المدائني عن عوانة قال: أرسل الحجاج إلى علي بن ثابت بن قيس الأنصاري فقال: أنشدني مرثيتك ابنك فأنشده:

يا كذّب الله من نعى حسناًليس لتكذيب نعيه ثمن
أجول في الدّار لا أراك وفي الدّار أناسٌ جوارهم غبن
كنت خليلي وكنت خالصتيلكلّ حيٍّ من أهله سكن
بدّلتهم منك، ليت أنّهمأمسوا وبيني وبينهم عدن

فقال الحجاج: ارث ابني محمداً، فرثاه. فقال الحجاج: مرثيتك ابنك أجود. قال: إن قلبي وجد على ابني ما لم يجد على ابنك. قال:

كيف كان حبك له؟ قال: لم أمل من النظر إليه، ولم يغب عني إلا اشتقت إليه قال: كذاك كنت أجد بابني محمد. وقال الفرزدق:

إنّي لباكٍ على ابني يوسفٍ عمريومثل هلكهما للدّين يبكيني
ماسدّ حيٌّ ولا ميتٌ مسدّهماإلاّ الخلائف من بعد النّبيئين

وقال أيضاً:

إنّ الرّزيّة لا رزيّة مثلهافقدان مثل محمّدٍ ومحمّد
ملكان قد خلت المنابر منهماأخذ المنون عليهما بالمرصد

وأخبر المدائني عن سلمة بن عثمان وغيره أن الحجاج جزع على ابنه محمد، فقيل لرجل من بني عقيل كان الحجاج قتل ابنه: إن الحجاج شديد الجزع على ابنه محمد وقد أتته وفاة أخيه محمد بن يوسف، فتمثل العقيلي:

ذوقوا كما ذقنا غداة محرّقٍمن الغيظ في أكبادنا والتّحوّب

وتحدث المدائني عن إسحاق بن أيوب عن مطير، مولى يزيد قال: كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يعزيه عن أخيه محمد بن يوسف فكتب إليه الحجاج: ما التقيت أنا ومحمد بن يوسف مذ كذا وكذا عاماً، وما غاب عني غيبة أنا، لطول اللقاء فيها أرجى من غيبته هذه في دار لا نفترق فيها.

وقال ابن كناسة: مات محمد بن الحجاج ونعي محمد بن يوسف في جمعة فخطب الحجاج الناس فقال: إن محمد بن الحجاج ومحمد بن يوسف ماتا في جمعة فكأن الباقي منا ومنكم قد فني، وكأن الحي منا ومنكم قد بلي، وتدال الأرض منا ومنكم فتأكل من لحومنا كما أكلنا من ثمارها، وتشرب من دمائنا كما شربنا من أنهارها، ولنجدنها كما قال الله ﵎ ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون.

وقال عوانة بن الحكم: لما مات محمد بن الحجاج وأتاه نعي أخيه بعث إلى مالك ابن أسماء وهو في السجن فقال: أنشدني مرثيتك أخاك فأنشده:

أقطع اللّيل زفرةً ونحيباولما قد لقيت أمسي كئيبا
أذكر اليأس من بقائك في الدّنيا وعهداً منّا ومنك قريبا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
يوم أدعوك للخطوب ولويسمع داعيك من دعا لأجيبا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

قال: وأنا، والله، لو أسمعتهما النداء لأجابا.

وقال إبراهيم بن سعد: سمع علي بن الحسين واعيةً من بيته وهو في مجلسه وعنده جماعة، فنهض إلى منزله فسكتهم ثم خرج إلى مجلسه فقالوا له: أمن حدث كانت الواعية؟ فقال: نعم، ابن لي،

فعزوه وتعجبوا من صبره. فقال: إنا أهل بيت نطيع الله جل ذكر فيما نحب ونكره، ونحمده، فإذا نزل مكروه حمدنا واحتسبنا.

قال أبو القاسم بن قيس العامري: لما دفن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه فاطمة صلوات الله عليها، تمثل عند قبرها:

وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍدليلٌ على ألاّ يدوم خليل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فقدت أخلائي الذين سألتهم»

وتمام هذا الشعر:

ذكرت أبا أروى فبتّ كأنّنيبردّ الأمور الماضيات وكيل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»
لكلّ اجتماعٍ من خليلين فرقةٌوكلّ الذي دون الفراق قليل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «ألا هل إلى طول الحياة سبيل»
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍدليلٌ على ألاّ يدوم خليل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فقدت أخلائي الذين سألتهم»

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للأشعث بن قيس وعزاه عن ابن له: يا أشعث، إن تجزع على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففي الله الخلف. يا أشعث، إنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور.

وكان علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه يقول إذا عزى: إن تجزعوا فالرحم أهل ذلك منكم، وإن تصبروا ففي ثواب الله خلف من المصيبة. عظم الله أجركم.

وعزى رجل رجلاً عن ابنه فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد أصله وفرعه؟ وعزى رجل رجلاً فقال: ما كان لك في الآخرة أجراً خير لك مما كان في الدنيا سروراً.

وقال موسى الهادي لإبراهيم بن سلم وعزاه عن ابنه: أيسرك وهو يلية وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة؟.

وقال سعيد بن عبد الله: قال الحسن لرجل عزاه عن ابنه: إنما يستوجب على الله وعده من صبر لله بحقه. فلا تجمع، إلى ما أصبت به، الفجيعة بالأجر فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكأ المرزئتين لك.

وقال أبو الحسن المدائني: لما هلك يزيد بن الصعق ورثه معية ابن يزيد قدره وجفنته فقالت ليلة بنت يزيد:

يزيد أبا قيسٍ وهل تسمعنّهوعندك تعبيرٌ لو أنّك تسمع
لأصبح ما جمّعت من كلّ صالحٍمعيّة يعطي النّاس منه ويمنع
فلا تأمننّ الدّهر شيئاً رأيتهولا أن يسوق النّاس عبدٌ مجدّع

وقال سعيد بن قيس المحاربي:

أبادر قسمة الشّركاء ماليإذا حسبوا وهم حولي قعود
وقالوا: حقّنا الثّلثان منهوقد صدقوا لعمري أو يزيدٌ
تقول عجوزهم في ذاك سهميبلى وبسهمك العين الشديد
وكانت قبل تملكه جميعاًتعنيّ باليدين كما تريد

وقالت المحياة بنت طلق الجشمية، من بني تيم اللات بن ثعلبة في الإسلام، وجاء العصبة يقتسمون دارها التي كانت لزوجها، فسمعت أصواتهم فقالت:

يا دعوةً ما دعوتي عامراًبالله لو يسمعني لاستجاب
تالله لو يسمع دعواهملفلّهم عنّي بظفرٍ وناب

فرجعوا عنها وغبروا حيناً ثم عادوا، فقالت:

لقد بدّلت دار الأحبّة بعدهمموالي منهم ملحقون وتابع
فلو أنّ داراً أعولت فقد أهلهابكت دارنا والتحّ منها المسامع

فرجعوا فمكثوا ثم عادوا، فقالت:

الدّار تبكي أهلهاوبكاؤها شيءٌ عجيب

فيقال: إنهم تركوها لها.

قال المدائني: توفي ابن لخالد بن صفوان يكنى أبا الحصين فقال: رحم الله أبا الحصين. والله إن كان، ما علمته، لبراً بوالديه، وصولاً لرحمه بعيداً مما يقرف به الشبان.

قال أبو العباس: وحدثت بهذا الخبر على غير هذا. إنه توفي ابن له يقال له نعيم فقال: لا أنسى نعيماً أبداً. وفي هذا الخبر: ولقد ذكرت عند موته قول الشاعر يعني أبا خراش الهذلي:

فوالله لا أنسى قتيلاً رزئتهبجانب قوسى ما مشيت على الأرض
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

ثم علم أنه سينساه فقال:

بلى إنّها تعفو الكلوم وإنّمانوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

وقال أبو الحسن في أخبار الطاعون: الذي بلغنا من خبر الطاعون أن الناس لا يجزعون فيه على موتاهم كجزعهم في غير الطاعون، وذلك لتأسي الناس بعضهم ببعض، ولما يدخلهم من الخوف، فكل إنسان يخاف على نفسه فيسلو عن الولد والأهل والقرابة.

وقال: وكانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام بالعراق خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في سنة ست من الهجرة.

والطاعون الجارف سنة تسع وسبعين في شوال. هلك في ثلاثة أيام في كل يوم سبعون ألفاً. مات لأنس بن مالك فيه ثلاثة وثمانون ابناً ويقال: وسبعون. ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابناً، وهرب عبيد الله بن عمير، مات له ثلاثون ابناً، وإنما هرب بهم من الطاعون. وقال البراء المازني: مات في الطاعون لصدقة بن عامر المازني سبعة بنين في يوم واحد، فدخل، فوجدهم قد سجوا جميعاً، فقال: اللهم، إني مسلم مسلم.

وقال محمد أبو عبد الله التميمي: هرب المرقع بن العلاء، أحد بني ربيعة ابن مالك بن زيد مناة، من الطاعون، وله اثنا عشر ابنا، فماتوا جميعاً، فدفنهم في سفح سنام فرثاهم فقال:

دفنت الدّافعين الضّيم عنّيبرابيةٍ مجاورةٍ سناما
للشاعر الربيع بن العلاء التيمي، اقرأ القصيدة
أقول إذا ذكرتهم جميعاًبنفسي تلك أصداءً وهاما
للشاعر الربيع بن العلاء التيمي، اقرأ القصيدة
فليت حمامهم إذ فارقوناتلقّانا وكان لنا حماما
فلم أر مثلهم هلكوا جميعاًولم أر مثل هذا العام عاما
للشاعر الربيع بن العلاء التيمي، اقرأ القصيدة

قال: أنشدني الرياشي ثلاثة أبيات منها ولم ينشدني الرابع.

وقال علي بن القاسم: حدثني رجل قال: رأيت في المنام أيام الطاعون كأنه أخرجت من داري اثنتا عشرة جنازة وأنا وعيالي اثنا عشر، فمات منا أحد عشر وبقيت وحدي، فقلت في نفسي: أنا تمام العدة، فخرجت من الدار ثم رجعت من غد إليها فإذا لص قد دخل للسرقة فطعن في الدار فمات، فأخرجنا جنازته.

قال أبو الحسن: بلغني أن رجلاً نبش في الطاعون قبراً فأخرج الميت من قبره وأخذ ثيابه فطعن من ساعته فمات فوجد والثياب معه.

وقال سليمان بن قحذم: خرجت في الطاعون الجارف إلى مكة، ودارنا مشحونة، فرجعت وقد خلت، فقال لي أبي: يا بني، ما بقي في الدار أحد ممن تركت غيري وغير أمي جدتك.

وقال معاذ التمار:

بلغني أن دوراً كثيرة مات أهلها. فلما قدم الحجاج هدمها مخافة أن يكمن فيها الخوارج، واشترى الناس دوراً كثيرة فدفنوا فيها.

قال: بلغني أن داراً مات أهلها جميعاً، أغلقوا بابها وفيها صبي صغير رضيع لم يعلموا به، فلما خف الطاعون فتحوا الباب بعد أشهر فإذا صبي يحبو، فتعجبوا منه، فإذا كلبة تطفر إلى الدار فتربض ناحية ويحبو إليها الصبي فيشرب من أطبائها ثم تطفر الحائط إلى خارج. فلم يزل ذلك دأب الصبي حتى حبا حبواً.

قال: وأخبرت أن الدار كانت تصبح وفيها خمسون، وتصبح الغد وليس فيها واحد.

قال: وكان الرجل بعد الطاعون يلقى المرأة، فلو شاء أن يغصبها نفسها فعل قبل أن يمر أحد.

ثم خف الطاعون وخليفة مصعب بن الزبير على البصرة سنان بن سلمة الهذلي فخطب الناس فقال: اتقوا الله أيها الناس فإن عند الله أياماً مثل شوال. قال وكان طاعون القينات في شوال سنة سبع وثمانين، مات فيه الجواري.

ثم كان طاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة في رجب فاشتد في شهر رمضان فكان يحصى في سكة المربد في كل يوم عشرة آلاف جنازة، أياماً، وخف في شوال.

وقال طارق: أخبرني رجل قال: تزوجت امرأة فدخلت بها ليلة الاثنين، وأصبحت غادياً من عندهم وهي عند أبيها وأمها وأختها وخادمهم، فعدت إليهم يوم الجمعة فلم يبق منهم أحد.

وهرب من الطاعون علي بن زيد بن جدعان إلى السيالة، وكان يجمع كل جمعة ويرجع. فكان إذا جمع صاحوا به: فر من الطاعون، فطعن فمات بالسيالة وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد بن رباط إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي بن عبد الرحمن الفقيمي:

لمّا استفزّ الموت كلّ مكذّبٍصبرت، ولم يصبر رباطٌ ولا عمرو

ورأى نافع رجلاً قد خرج من البصرة على حمار فرقاً من الطاعون، وكان نافع يعرفه فقال: انظروا يفر من الله على حمار.

وكان ابن شبل بن معبد البجلي بشيراز فمات أهله بالطاعون فبلغه، فجزع عليهم فقال:

سما لك في شيراز همٌّ فلم تنمغريباً كما بعض الرّجال غريب
برتني صروف الدّهر من كلّ جانبٍكما ينبري دون اللّحاء عسيب
للشاعر شبل بن معبد البجلي، اقرأ القصيدة
أقول لأصحابي وقد قذفت بنانوى غربةٍ عمّن نحبّ شطوب
متى العهد بالأهل الّذين تركتهملهم من فؤادي بالعراق نصيب
للشاعر شبل بن معبد البجلي، اقرأ القصيدة
وهل ترك الطاعون لي من قرابةٍإليه إذا كان الإياب أؤوب؟
وكنّا نرّجي أن نصير إليهمفغالتهم من دون ذاك شعوب
مقادير لا يغفلن من كان يومهلهنّ على كلّ الأنام رقيب
سقين بكأس الموت من قد أصبنهوللحيّ من أنفاسهنّ ذنوب
فقد أصبحوا لا دارهم منك غربةٌبعيدٌ ولا هم في الحياة قريب
للشاعر شبل بن معبد البجلي، اقرأ القصيدة
وهوّن عنّي بعض وجدي أنّنيرأيت المنايا تغتدي وتثوب
وأنّي رأيت النّاس أفنى كرامهمحودث، كلّ العالمين تصيب
وما نحن إلاّ منهم غير أنّناإلى أجلٍ ندعى له فنجيب

وقال أبو عبد الرحمن العجلاني عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: هلك في طاعون عمواس من آل الوليد بن المغيرة عشرون فتىً، ومن آل صخر مثلهم. فقال رجل منهم:

من ينزل الشّام ويعرس بهفالشّام إن لم يفننا كارب

يقول: إن لم يفننا فهو يقارب ذلك. يقال: كرب الشيء يكرب إذا قرب.

أفنى بني صخرٍ وفرسانهمعشرين لم يطرر لهم شارب
ومن بني أعمامهم مثلهملمثل هذا العجب العاجب
للشاعر المهاجر بن خالد بن الوليد، اقرأ القصيدة
طعناً وطاعوناً مناياهمذلك ما خطّ لنا الكاتب
للشاعر المهاجر بن خالد بن الوليد، اقرأ القصيدة

واستشهد بالشام من بني المغيرة سبعة وسبعون رجلاً في وقعة، فقال خالد بن الوليد بنفسي أنتم زعم ابن حنتمة يعني عمر بن الخطاب ﵀ أن بني المغيرة لا يستشهدون.

وقال المدائني: كان بالكوفة طاعون سنة خمسين، فقال المغيرة بن شعبة لأبي موسى: انطلق بنا. فخرج إلى دابق من الطاعون فقال أبو موسى: إلى الله أبق لا إلى دابق، فخرج المغيرة. فلما خرج خف الطاعون فقيل له: لو رجعت إلى أهلك! قال: ما يريدون مني؟ فلم يزالوا به حتى أقبل إلى الكوفة، فقال: كأنكم بالطاعون قد ختلني في خصاص بني عوف، فطعن فمات. واستخلف على الكوفة جرير بن عبد الله البجلي

وقال أبو إسماعيل عن مجالد عن الشعبي أن صديقاً لشريح خرج هارباً من الطاعون، فأقام بالنجف فكتب إليه شريح: إن المكان الذي أنت به بعين من لا يفوته طلب، ولا يعجزه هرب، والمكان الذي خلفت لا يعجل امرءاً إلى حمامه قبل أجله، ولا يظلمه أيامه، وأنت وهم على بساط واحد، وإن النجفة من ذي القدرة لقريب.

وقال أبو عاصم من ولد عباد بن زياد: كانت الطواعين بالشام كثيرةً وكانت الخلفاء وأبناء الخلفاء يتبدون ويهربون من الريف فينزلون البرية خوفاً من الطاعون. فلما أراد هشام بن عبد الملك أن ينزل الرصافة قيل له: يا أمير المؤمنين، لا تجزع فإن الخلفاء لا يطعنون، ولم نسمع بخليفة طعن ولم نره. قال: أتريدون أن تجربوا في؟ فتحول فنزل الرصافة وهي برية، وبنى فيها قصرين.

قال: وكان عبد العزيز بن الوليد ينزل أسيساً فقدم على أبيه بدمشق غلام للوليد فقال الوليد لابنه عبد العزيز: يا بني، ارجع إلى منزلك. قال:

أبيت الليلة ثم أغدو. قال عزمت عليك إلا رجعت. فرجع ولم يدعه يبيت قال أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء: إن رجلاً من أهل البصرة أيام الطاعون الجارف لما رآه قد كثر أراد الهرب، فعمد إلى حمار له فجعل عليه متاعه، وغلام له يناوله جهازه، والغلام يرتجز:

لن يبق الله على حمارولا على ذي ميعةٍ مطّار

قد يصبح الله أمام السّاري

فقال له الرجل: صدقت. ثم حط رحله وأقام، فمات فيمن مات.

قال المدائني: قال الحسن البصري وذكر عنده الطاعون: ما أحسن ما أبلى الله فيه: ارتدع مذنب، وأنفق ممسك، ولم يغلط بأحد.

وقال أبو الحسن المدائني عن جناب بن موسى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما احتضر رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ فخيره بين البقاء في الدنيا وبين المصير إلى رحمة الله أو رفعه إليه وتعجيل ما وعده فقال ﷺ: بل الرفيق الأعلى. فكان يقول ذلك حتى قضى، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته.

وأخبر المدئني عن شعبة عن سعيد بن إبراهيم عن عروة عن عائشة، رحمها الله، قالت: كنت أسمع أن النبي ﷺ لا يموت حتى يخير، فسمعته يقول ﷺ في مرضه: الرفيق الأعلى، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فظننت أنه خير فاختار الآخرة.

وقال خلاد بن عبيدة عن علي بن زيد عن الحسن قال: قيل لأبي بكر في مرضه: لو أرسلت إلى الطبيب! فقال: قد رآني. قالوا: فما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد. وفي رواية: إني أفعل ما أشاء.

وقال: أبو محمد الناجي عن الحسن: إن أبا بكر، ﵀، سمع عائشة ﵂ وهو في سكرات الموت، وهي تقول:

لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر

فقال: يا بنية: ألا قلت وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد وقال متمثلاً:

وكلّ ذي إبلٍ مورثهاوكلّ ذي سلبٍ مسلوب
وكلّ ذي غيبةٍ يؤوبوغائب الموت لا يؤوب
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «أقفر من أهله ملحوب»

وآخر ما تكلم به: رب توفني مسلماً وألحقني بالصالحين وقال أبو بلال الأشعري عن محمد بن عاصم الأسلمي عن موسى بن عقبة المزني قال: كتب أبو بكر، رحمة الله عليه، وصيته بيده وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر الصديق عند آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث، يؤمن الكافر، ويتقي الفاجر، ويصدق الكاذب. إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ﵁، فاسمعوا له وأطيعوا. فإن عدل فذلك ظني به ورأيي فيه. وإن جار وبدل فلا أعلم الغيب، والخير أردت، ولكل امريء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وقال عمر بن غياث عن الهلالي: كان رسول الله ﷺ إذا أفرطت عليه الحمى في وجعه الذي توفي فيه قالت فاطمة: يا بأبي وأمي. ثم تمثلت:

وأبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «خليلي ما أذني لأول عاذل»

قال: فأفاق رسول الله ﷺ فقال: ذلك قول عمك أبي طالب. ثم قال ﷺ: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية.

قال أبو الحسن عن عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أن كعب الأحبار قال لعمر بن الخطاب ﵀: يا أمير المؤمنين، أنت ميت في ثلاث، أجد ذلك في بعض الكتب. قال: أتجد اسمي ونسبي؟ قال: لا، ولكن أجد صفتك وسيرتك وزمانك،

فقال عمر:

توعّدني كعبٌ ثلاثاً يعدّهاولا شكّ أنّ القول ما قال لي كعب
وما بي خوف الموت إنّي لميّتٌولكنّ خوف الذّنب يتبعه الذّنب

وقال هشام بن عاصم عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قال عند موته: ليتني أنجو من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي. يا عبد الله، ضع خدي على الأرض، ويل لعمر ولأم عمر إن لم ينجه الله.

وقال الأصمعي لما طعن العلج ألقى ملحفةً كانت عليه وقال: يا لله للمسلمين! وقال الأصمعي أيضاً: لما طعن العلج عمر قال: وكان أمر الله قدراً مقدورا.

وقال سعيد بن مسلم عن أبيه أن عثمان بن عفان ﵀ يوم دخل عليه فقتل، دعا بالمصحف فنشره، فكان أول حرف نظر إليه: فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، وتمثل:

أرى الموت لا يبقي عزيزاً ولم يدعلعادٍ ملاكاً في الأمور ومرتبا
يبيّت أهل الحصن والحصن مغلقٌويأتي الجبال من شماريخها العلا

وقال أبو الحسن عن سعيد بن عبد العزيز السلمي عن أبيه أن الزبير ﵀ قال حين طعنه ابن جرموز:

ما له قاتله الله يذكر بالله وينساه! وذلك أن الزبير ﵀ لما رآه هم به، فقال له ابن جرموز: أذكرك الله، فتركه ثم تغفله فطعنه. وتمثل الزبير:

ولقد علمت لو أنّ علمي نافعيأنّ الحياة من الممات قريب

وقال طلحة بن عبيد الله ﵀ يوم الجمل عند موته:

صرف الزّبير جوادهأنّى لتدركه وفاته

ثم قال حين نزل به الموت: تالله ما رأيت كاليوم مصرع أسد أضيع، وتمثل:

أرى الموت أعداد النّفوس ولا أرىبعيداً غداً ما أقرب اليوم من غد

وقال يعقوب بن داود الثقفي عن الحسين بن بزيغ: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵀ خرج في الليلة التي ضرب فيها في السحر وهو يقول:

اشدد حيازيمك للموتفإنّ الموت لاقيكا
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «أشُدد حيازيمك للموت»
ولا تجزع من الموتإذا حلّ بواديكا
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أشدد حيازيمك للموت»

وضربه ابن ملجم، فقال: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد. وقال علي حين ضرب:

فزت ورب الكعبة. وكان آخر ما تكلم به أن قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.

وقال أبو الحسن عن علي بن مجاهد عن عبد الأعلى بن ميمون بن مهران عن أبيه: إن معاوية قال في مرضه الذي مات فيه: إن رسول الله ﷺ كساني قميصاً فرفعته. وقلم أظفاره يوماً فأخذت قلامتها فجعلتها في قارورة فإذا مت فألبسوني ذلك القميص وقطعوا تلك القلامة واسحقوها وذروها في عيني وفمي ثم أغمي عليه، فقالت ابنته أو امرأة من أهله متمثلة:

إن مات مات الجود وانقطع النّدىمن النّاس إلاّ من قليلٍ مصرّد
وردّت أكفّ السّائلين وأمسكوامن الدّين والدّنيا بخلفٍ مجدّد
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

ثم أفاق فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله فإن الله يقي من اتقاه، ولا واقية لمن لا يتقي الله.

وقال عوانة: لما حضرت معاوية الوفاة قال: يوم من ابن الأدبر طويل! ثم تمثل:

لقد جمعت لكم من جمع ذي حسبٍوقد كفيتكم التّرحال والنّصبا
للشاعر معاوية بن أبي سفيان، اقرأ القصيدة

ثم قال: إنكم لتقلبون حولاً قلباً، إن نجا من كبة النار فهو الرجل.

وفي غير هذا الإسناد أنه قال حين احتضر لابنة قرظة: اندبيني فقالت:

ألا أبكيه ألا أبكيهألا كلّ الفتى فيه

وقال لابنتيه: قلباني، ففعلتا. فقال: إنكما لتقلبانه حولاً قلباً إن وقي كبة النار. ثم تمثل:

لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍوسقى الغوادي قبره بذنوب
للشاعر ضرار الفهري، من قصيدة «نفرت قلوصي من حجارة حرة»

وقال سعيد بن بشر: إن عبد الملك بن مروان ليلة قبض قلق فسمع صوت قصار فقال: ما هذا؟ فأخبر، فقال حين ثقل: ليتني كنت غالاً أعيش بما أكتسب يوماً بيوم. فقيل لأبي حازم: إن عبد الملك قال كذا وكذا. فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه، ولا نتمنى ما هم فيه.

وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أن سليمان بن عبد الملك قال عند الموت

متمثلاً بقول الحارث بن عباد:

إنّ بنيّ صبيةٌ صغارأفلح من كان له كبار
إنّ بنيّ غلمةٌ صيفيّونأفلح من كان له ربعيّون

فقال له عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى. فقالها، ثم قال: أسألك منقلباً كريماً. ثم قضى وقال مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح: تأوه طاوس في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، شكوت ربك فقال: ليتني أخرج من مرضي هذا لا علي ولا لي.

وقال محمد بن جعفر عن أبيه: دخلت على عبد الرحمن بن الفضل ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في مرضه فبكى وقال:

أبكي لصبيات خلف هذا الستر، لولاهن لهان علي الموت. إني لمؤمن، وإني لتائب، وإن الله لغفور رحيم. قلت: رحمك الله فالذي رجوته لمغفرة ذنبك فارجه لخير بناتك. فقال: صدقت، جزاك الله خيراً.

وقال أبو الحسن عن معاوية بن محمد عن عبد الله بن بجير قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاصي لأبيه: يا أبه، كنت تقول: ليتني ألقى رجلاً عاقلاً عند نزول الموت به يحدثني ما يجد. وقد نزل بك وأنت ذلك الرجل فصف لي الذي تجد. قال: يا بني لكأن جنبي في تخت ولكأني أتنفس من سم إبرة، ولكأن غصن شوك يجر به من قدمي إلى هامتي. ثم قال متمثلاً قول أمية بن أبي الصلت:

ليتني كنت قبل ما قد بدا ليفي رؤوس الجبال أرعى الوعولا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «كل عيش وإن تطاول دهرا»

والله ليتني كنت حيضةً عركها الإماء. ثم مد يده فقال: اللهم، إني لست ذا قوة فأنتصر، ولا ذا براءة فأعتذر. اللهم إني مقر مذنب مستغفر.

وقال عوانة: قال عمرو بن العاصي عند موته: اللهم، إنك أمرتنا فلم نأتمر، وزجرتنا فلم ننزجر، فإنا لا نعتذر، ولكنا نستغفر.

وقال يعقوب بن عوف بن عبد الملك بن نوفل: لما نزل بالمغيرة بن شعبة الموت قال: اللهم، هذه يدي بايعت بها نبيك ﷺ، وجاهدت في سبيلك، فاغفر لي ما يعلمون من ذنوبي وما لا يعلمون.

وقال أبو الحسن عن مسلمة بن محارب: لما ثقل زياد قدم عليه الهيثم بن الأسود النخعي بعهده على الحجاز، فقيل له، فقال: شربة من ماء أسيغها أجد طعمها أحب إلي مما جاء به الهيثم.

وقال علي بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الزهري قال أبو العباس وحدثني ببعض هذا الحديث وزاد عليه شيئاً العباس بن الفرج الرياشي قال: أغمي على أمية بن أبي الصلت في مرضه الذي مات فيه، وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا بريء فأعتذر، ولا ذو قوة فأنتصر. ثم أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، لا مال يفديني، ولا عشية تحميني. وأغمي عليه ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما، هأنذا لديكما، محفوف بالنعم:

إن تغفر اللهمّ تغفر جمّاوأيّ عبدٍ لك لا ألمّا؟!

ثم قال:

كلّ عيشٍ وإن تطاول يوماًقصره مرّةً إلى أن يزولا
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
ليتني كنت قبل ما قد بدا ليفي رؤوس الجبال أرعى الوعولا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «كل عيش وإن تطاول دهرا»
اجعل الموت نصب عينيك واحذرغولة الدّهر إنّ للدّهر غولا

قال أبو الحسن عن إسحاق بن أيوب: إن عبد الله بن عبد الملك بن مروان لما نزل به الموت بشر بقدوم مال له كثير كان له بمصر، فقال: مالي وله! ليته كان بعراً حائلاً بنجد.

وقال عوانة: قال نافع بن علقمة حين حضر: ليت القرابة التي كانت بيني وبين مروان كانت بيني وبين رجل من الزنج، ولم أدخل في شيء من هذا الأمر.

وقال أبو الحسن عن الحسن بن دينار: كان الحسن البصري يغمى عليه ثم يفيق فيقول: ساعة صبر واحتساب وتسليم لأمر الله ﷿ حتى مات.

قال: وكان محمد بن سيرين يقول وهو في الموت: في سبيل الله نفسي أعز الأنفس علي، حتى هلك.

وقال يحيى بن زكريا عن أبيه إن الشعبي قال وهو بالموت: اشهدوا أني قد احتسبت نفسي عند الله تعالى.

وقال قيس بن الربيع: بلغني أن إبراهيم النخعي بكى عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: ولم لا أبكي؟ وإنما أنتظر مبشراً يبشرني بالجنة أو بالنار. والله لوددت أنها تجلجل في صدري إلى يوم البعث.

وقال حفص بن ميمون عن يونس وغيره عن الحسن أنه قال: إذا كان يوم القيامة قيل لمن كان يحدث بالرخص: لم حدثتم عبادي بالرخص قالوا: سمعناك تذكر أن رحمتي وسعت كل شيء، وأنك تغفر الذنوب غير الشرك، فحدثناهم ليشكروك ولا يقنطوا من رحمتك. فيقول لهم: قد جعلت ثوابكم على ذلك الجنة.

وقال أبو الحسن: بلغني أن سليمان التيمي قال لابنه وهو بالموت: يا بني، حدثني بالرخص حتى ألقى الله وأنا له راج.

وقال أبو الحسن عن أبي محمد الناجي قال: قال حذيفة وهو بالموت: حبيب جاء على ناقة، لا أفلح من ندم. الحمد لله الذي سبق بي الفتن. أليس بين يدي ما أعلم.

وقال النضر بن إسحاق: قيل للحسن: إن الحجاج قال عند الموت: اللهم، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تغفر لي. اللهم، فاغفر لي ذنوبي، فإنها صغيرة في في جنب عفوك. فقال الحسن: أقالها؟ قالوا: نعم. قال: عسى! وقال أبو الحسن عن مسلمة بن محارب قال: قال مسلمة بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: أوص إلي ببنيك أو: ألا توصي إلي ببنيك فقال: أوصي بهم إلى الذي نزل الكتاب، وهو يتولى الصالحين ونظر إلى ولده فقال: بنفسي فتية أفقرتهم من هذا المال، ثم قال: ونعم المذهوب إليه ربي. وقرأ قاريء من ناحية البيت، تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين. فقالها عمر ثم قضى.

قال عوانة:

قال الوليد بن عقبة عند الموت وهو بالبليخ من أرض الجزيرة: اللهم، إن كان أهل الكوفة صدقوا علي، فلا تلق روحي منك روحاً ولا ريحاناً، وإن كانوا كذبوا علي فلا ترضهم بأمير، ولا ترض أميراً عنهم، وانتقم لي منهم واجعله كفارة لما لا يعلمون من ذنوبي.

قال أبو الحسن عن علي بن سليمان: دخل عمر بن عبد العزيز على رجل وهو يجود بنفسه، فقال له: استغفر الله، فقيل له: يا أبا حفص، لو لقنته شهادة أن لا إله إلا الله، فقال عمر: إن لا إله إلا الله من ذنبه، وله ذنوب يستغفر الله منها، فإذا استغفر الله فقد وحده، وإن المستغفر الخائف بعرض خير.

وقال أبو الحسن المدائني عن المنهال بن عبد الملك، مولى بني أمية حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد وضربه وألبسه المسوح فلم يزل محبوساً مدة هشام، فلما ثقل هشام وصار في حد من لا يرجى برؤه رهقته غشية، فظنوا أنه قد مات، أرسل عياض ابن مسلم إلى الخزان أن احتفظوا بما في أيديكم، فلا يصلن أحد إلى شيء وأفاق هشام من غشيته، فأرسل يطلب شيئاً من الخزان فمنع. فقال هشام:

أرانا كنا خزاناً للوليد، وخرج عياض من ساعته من الحبس، فختم الأبواب والخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن. فكفنه غالب، مولى هشام، ولم يجدوا قمقماً يسخن فيه ماء حتى استعاروه، فقال الناس: إن هذه لعبرةً لمن اعتبر.

قال أبو الحسن عن عبد الله بن قائد عن أشياخ بني تميم قالوا: خرج إياس ابن قتادة يوم الجمعة من المسجد فنظر إلى السماء ثم قال: مرحباً بك، قد كنت أنتظر مجيئك! ثم سقط فحمل إلى أهله، فمات. فحمل إلى ملحوب فدفن بها، فبها قبره.

وقال أبو المنذر عن عمه عامر بن حفص قال: قيل للربيع بن خشيم حين ثقل: ألا ندعو لك أصحاب الطب؟ فقال: قد أردت ذلك ثم ذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً، وعلمت أنه كان فيهم الداء والمداوي. فهلكوا جميعاً.

وقال أبو مخنف: مرض معبد بن طوق العنبري فجزع فقيل له: كأنك تخاف أن تموت! فقال: إي والله، ما أمرض إلا خفت ذاك. قيل له:

ولم؟ قال: لأني قد استأنيت احتضار المدة، وانقضاء العدة، وتمام الظمأ واتجاه القرب.

وقال عوانة عن الأسود بن عبيد: قال أبو قيس بن الأسلت عند الموت: اللهم، إنك تعلم أني لم أقطع رحماً، ولم أشرب بإناء غادر، ولم أصب بكنة ولم أبت ليلةً جنباً حتى أصبح، فاغفر لي.

وقال الحرمازي: هلك لرجل من أهل البادية ابنان، فسئل عن جزعه عليهما فقال: كنت أتوهمهما حتى كأن الأرض تنشق عنهما فأنظر إليهما. قيل له: ثم مه؟ قال: ثم كان جرحاً فبرأ.

وقال أبو الحسن: أخبرني بعضهم قال: أتيت امرأةً أعزيها عن ابنها. قال فجعلت تثني عليه فقالت: كان، والله، ماله لغير بطنه، وأمره لغير عرسه، وكان:

رحيب الذّراع بالّتي لا تشينهوإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا

قال: فقلت لها: هل لك منه خلف؟ وأنا أعني الولد

قالت نعم، بحمد الله كثير، طيب ثواب الله عليه، ونعم العوض من الدنيا والآخرة.

وقال: دخل درواش بن حبيب العجلي على جعفر بن سليمان يعزيه بأخيه محمد بن سليمان، فلما نظر إليه جعفر قال: إن كان عند أحد فرج فعند درواش. فسلم ثم قال: أيها الأمير، التمس ثواب الله بحسن العزاء، والشكر لأمر الله، واذكر مصيبتك في نفسك تنسك فقد غيرك واذكر قول النبي ﷺ: من أصابته مصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب. واذكر قول الله ﷿ لنبيه ﷺ: إنك ميت وإنهم ميتون، وقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد. وخذ بقول عبد الله بن أراكة في أخيه عمرو:

تفكّر فإن كان البكا ردّ هالكاًعلى أحدٍ فاجهد بكاك على عمرو
ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنّهعليٌّ وعبّاسٌ وآل أبي بكر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «تأمل فإن كان البكا رد هالكا»

قال: وهلك أخ لبعض الأعراب فأظهر له الشماتة بعض بني عمه، فأنشأ الأعرابي يقول:

ولقد أقول لذي الشّماتة إذ رأىجزعي، ومن يذق الفجيعة يجزع
اشمت فقد قرع الحوادث مروتيوافرح بمروتك الّتي لم تقرع
إن تبق تفجع بالأحبّة كلّهمأو تردك الأحداث إن لم تفجع

قال: ومات بنون لا مرأة تباعاً فكلمناها، فحدثتنا ساعة ثم ضحكت، فقالت لها امرأة: أتضحكين! أجنون بك أم فند! قالت: لا، وأبيك، ولكن الشر لم يجد لي مزيداً.

قال أبو الحسن المدائني: وأنشد ابن كناسة:

لا تجزعي يا أمّ زيدٍ فإنّهستأتي المنايا كلّ حافٍ وذي نعل
فلولا الأسى ما بتّ في النّاس ليلةًولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي

وقال محمد بن كناسة عن خشاف الفقعسي قال: حدثتني أمي قالت: دخلت علينا عجوز للحي اسمها بادية ورحال إخوتي ثمانية في جانب البيت فقالت لي لمن هذه الرحال؟ أنزل بكم الليلة ركب؟

قلت: هذه رحال إخوتي. فقالت: لقد ولدت لك أمك حزناً طويلاً. قالت: وصدقت بادية، ذهبت نفسي عليهم قطعاً. وأنشدت:

ذهبوا بنفسي أنفساً إذ فارقوافالعيش بعد منغّصٌ مذموم

وقال عمر بن غياث: أخبرني الثقة قال: دفن أعرابي ابنا له، فلما أجنه وقف على قبره وأنشأ يقول:

لمّا مشى ورجوته لغدٍوطمعت أن يقوى به أزري
ويكون من أعمامه خلفاًفيقول بعد تأطّرٍ ظهري
رشقته عن قوسٍ منيّتهفغدا رهينة مظلم القعر
قد كان يضرب من مضى مثاًوجد الثّكول وكنت لا أدري
ما ذاك حتّى ذقت لوعتهفألذّ منها لوعة الصّبر

وخرج رجل مع خالد بن الوليد بدومة الجندل، فاستشهد فجزع عليه أبوه فبكاه حتى كثر عليه بكاؤه، فليم في ذلك وعوتب، فقال: دعوني أبكي عليه ما أسعدتني عيني، فإن دموعها ستنفد وتبلى كما ذهب نافع وبلي. وقال يرثيه:

ما بال عيني لا تغمّض ساعةًإلاّ اعترتني عبرةٌ تغشاني
للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي، اقرأ القصيدة
أرعى نجوم اللّيل عند طلوعهاوهناً وهنّ من الغيار دوان
للشاعر غيلان بن سلمة الثقفي، اقرأ القصيدة
يا نافعاً من للفوارس أحجمتعن شدّةٍ مذكورةٍ وطعان؟
فلو أستطيع جعلت منّي نافعاًبين اللهاة وبين عكد لساني
يا نافعاً من للفوارس إذ ثووافي يوم بؤسٍ أو ليوم ليان؟

قال أبو الحسن: حدثني كليب بن خلف عن إدريس بن حنظلة قال: أصيب عمرو بن كعب النهدي بتستر مع مجزأة بن ثور فكتموا أباه الخبر ثم علم بعد فلم يجزع وقال: الحمد لله الذي جعل من صلبي من أصيب شهيداً وقال:

فهل تعدو المقادر يا لقوميهلاك المال أو فقد الرّجال!؟
فكلاًّ قد لقيت وقلّبتنيصروف الدّهر حالاً بعد حال
فما أبقين منّي غير نضوٍبه أثر الرّحالة والحبال
عروفٍ كلّما جلبت قروحٌبه نكئت بأعدالٍ ثقال

ثم استشهد ابن له آخر يقال له حمل مع سعيد بن العاصي بجرجان فبلغه فقال: الحمد لله الذي توفى مني شهيداً. وقال:

جزى حملاً جازي العباد كرامةًوعمرو بن كعبٍ خير ما كان جازيا
خليليّ وابنيّ اللّذين تتابعاشهيدين كانا عصمتي ورجائيا
ومن يعطه الله الشّهادة يعطهبها شرفاً يوم القيامة عاليا

وقال محمد بن كناسة:

زوج زبان بن منصور الحسن بن علي بن أبي طالب خولة ابنة زبان، فمكثت عنده حولاً لا تكتحل ولا تدهن حتى وضعت له ابناً، فاكتحلت وتهيأت له: فقال لها الحسن: ما حملك على ما صنعت؟ فقالت: كرهت أن تقول النساء: احتفلت فلم تصنع شيئاً. فأما إذ جاء هذا فما أبالي ما كان. فقال لها الحسن: وابأبي أنت! فلما مات الحسن اشتد جزعها عليه، فقال زبان:

نبّئت خولة أمس قد جزعتمن أن تنوب نوائب الدّهر
للشاعر منظور بن زبان، من قصيدة «نبئت خولة أمس قد جزعت»
لا تجزعي يا خول واصطبريإنّ الكرام بنوا على الصّبر
للشاعر منظور بن زبان، من قصيدة «نبئت خولة أمس قد جزعت»

قال: وحدثني رجل من بجيلة عن امرأة من بني العنبر يقال لها مهدية، قال: وكان لها بنون وإخوة فهلكوا حتى بقي لها ابن فمات فقالت:

أمنجاب الأكارم من لركبٍأناخوا جنبةً ودنوا أصيلا؟
أمنجاب الأكارم عد إلينالكي نشفي برؤيتك الغليلا
كأنّك لم تقل للرّكب سيرواولم ترحل عذافرةً ذمولا

وقال عن علي بن سليمان عن الحسن قال: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومبتلى غير صابر.

وقال أبو الحسن:

قال جهم بن حسان: بلغني أن توسعة بن أبي عتبان جزع على أخيه عتبة فقال يبكيه:

منع الرّقاد تحوّبي ما أهجعونبا بجنبي عن فراشي مضجع
أعتيب قد كنت امرءاً لي جانبٌحتّى رزئتك والجدود تضعضع
فلمن أقول إذا تلمّ ملمّةٌأرني برأيك أم إلى من أفزع!؟
للشاعر نهار بن توسعة، اقرأ القصيدة
قد كنت أنظر في المقامة سادراًفنظرت قصدي واستقام الأخدع
وفقدت إخواني الّذين بقربهمأعطي الدّنيّة من أشاء وأمنع
نعم الفتى من آل بكرٍ ألبسواأثوابه في اللّحد ثمّ تصدّعوا
عنه وما طابت بذاك نفوسهمولكلّ جنبٍ لا محالة مصرع

وجزعت عليه أخته عمرة فقالت:

قل للأرامل واليتامى قد ثوىفلتبك أعينها على عتّاب
أودى ابن كلّ مخاطرٍ بتلادهوبنفسه بقيا على الأحساب
للشاعر أروى بنت الحباب، من قصيدة «قل للأرامل واليتامى قد ثوى»
الرّاكبين من الأمور صدورهالا يركبون معاقد الأذناب
للشاعر أروى بنت الحباب، من قصيدة «قل للأرامل واليتامى قد ثوى»

قال أبو الحسن: قال الهلالي: أغمي على سعيد بن المسيب فوجه ثم أفاق فقال: ما هذا؟ فقيل له، فقال:

أوليس وجهي لله جل ذكره حيث كان!.

وقال الهلالي: كان عثمان بن عفان، ﵀، إذا وقف على قبر بكى، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك لتبكي عند القبر بكاءً ما تبكيه عند شيء! فقال: نعم، إنه آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخر، فإن شدد على صاحبه فما بعده أشد، وإن هون على صاحبه فما بعده أهون. سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه.

وقال الهلالي: لما حضرت معاوية الوفاة، قيل له: قل لا إله إلا الله. فضعف عنها، ثم قيل له فضعف، فثلث عليه. فقال: أولست من أهلها؟! وقال الهلالي: أثني قوم على عوف الأعرابي وهو في الموت، فقال: يا قوم، أمدونا بالدعاء، وأعفونا من الثناء.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب مراث من أشعار المحدثين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.