تجاوز إلى المحتوى

من «التعازي والمراثي» للمبرد (ت ٢٨٥هـ)

باب من تكلم في مرضه بشيء حكي عنه

قال أبو الحسن: حدثني رجل من بني كنانة من أهل المدينة قال: مرض بلال مؤذن رسول الله ﵌ فعاده رسول الله ﵌ وأبو بكر الصديق، فقال بلال:

جاءك مولاك مع الرّسولذاك هدى الله به سبيلي
فلم أدن دين أبي عقيلولا بدين الأسود الضّلول

وقال أبو الحسن عن غياث بن إبراهيم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قال أبو العباس: وحدثني به ابن عائشة وأبو عمر الجرمي ورسمه واحد قال: لما قدم المهاجرون المدينة وعكوا وابن عائشة والجرمي يقولان: اجتووها، وكانت أشد أرض الله حمى. قالت عائشة: فقال لي رسول الله ﷺ: اذهبي فانظري كيف أبوك وعمك، فدخلت على أبي بكر فقلت: يا أبتاه كيف تجدك؟ فقال:

كلّ امريءٍ مصبّحٌ في أهلهوالموت أدنى من شراك نعله
للشاعر أبو بكر الصديق، اقرأ القصيدة

ثم دخلت على بلال فقلت: كيف تجدك؟ فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةًبفخٍّ وحولي إذخرٌ وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنّةٍوهل يبدون لي شامةٌ وطفيل

قالت: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اللهم عليك عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، وانقل وباءها إلى الجحفة.

وفي حديث ابن عائشة وأبي عمر: اللهم، العن أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف. وحبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وأكثر، وانقل ما بها من الوباء إلى مهيعة، وهي الجحفة. قال: فجاء أهل الجحفة يضجون من الحمى.

قالت: ودخلت على عامر بن فهيرة فقلت: يا عم، كيف تجدك؟ فقال:

لقد وجدت الموت قبل ذوقه

قال: وأنشدنا ابن عائشة:

والمرء يأتي حتفه من فوقه

وقال أبو الحسن:

إنّ الجبان حتفه من فوقهكلّ امريءٍ مقاتلٌ عن طوقه

كالثّور يحمي جلده بروقه

وقال أبو الحسن: مرض حسان بن بحدل الكلبي ومنظور بن زيد أخو بني عبد ود، من كلب، مرضاً شديداً، فعادهما عبد الملك، فلما خرج من عندهما تمثل:

ومالي في دمشق ولا قراهامبيتٌ إن عرضت ولا مقيل
ومالي بعد حسّانٍ صديقٌومالي بعد منظورٍ خليل

وقال أبو الحسن: لما ولي بشر بن مروان البصرة أتاه الفرزدق ولم يكن أتاه بالكوفة، وكان بشر عليه واجداً. وقدم بشر البصرة فمرض فقال الفرزدق حيث قام بين يديه:

لو أنّني كنت ذا نفسين إن هلكتإحداهما بقي أخرى لمن غبرا
إذن لجئت على ما كان من وجلٍوما وجدت حماماً يغلب القدرا
له يدٌ يغلب المعطين نائلهاإذا تروّح للمعروف أو بكرا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فقلت للنفس هذي منية صدقت»
تغدو الرّياح وتمسي وهي فاترةٌوأنت ذو نائلٍ يمسي وما فترا

وقال: دخل كثير عزة على عبد الملك وهو مريض، فلما رآه قال: ها هنا، وأجلسه من ورائه، فقال كثير:

ونعود سيّدنا وسيّد غيرناليت التّشكّي كان بالعوّاد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ونعود سيدنا وسيد غيرنا»
لو كان يقبل فديةً لفديتهبالمصطفى من طارفي وتلادي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ونعود سيدنا وسيد غيرنا»

قال أبو العباس: هذا الشعر غلط، إنما هو لجرير في الوليد بن عبد الملك وفيها يقول:

ودعا الخليفة فاستجيب دعاؤهوالله يسمع دعوة الأجناد

وتحدث أبو الحسن عن حماد الراوية قال: حدثني العريان بن الهيثم قال: بعثني أبي إلى شبيب بن ربعي أسأل به وهو مريض، وهو بين ابنتين له كأنهما الشمس يقلبانه، فقلت: يقول لك أخوك الهيثم: كيف تجدك؟ فقال متمثلاً:

تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهماوهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»
ونادبتين تندبان بعاقلٍأخا ثقةٍ لا عين منه ولا أثر
فقوما فقولا بالّذي قد علمتماولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»
وقولا هو المرء الّذي لا حميمهأضاع ولا خان الصّديق ولا غدر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»
إلى الحول ثمّ أسم السّلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»

ثم قال: ما فعل الحجاج؟ فأخبرته. ثم أتيت أبي فأعلمته، فلما رحنا إلى الحجاج قال: ما فعل شبيب؟ قال أبي: أتاه العريان اليوم عائداً. فسألني فحدثته الحديث. فقال الحجاج: لا تبعد العرب! ثم قال: ويحكم يا أهل العراق، إنكم لأنتم الناس لولا ما شملكم من هذا الرأي الخبيث.

قال أبو العباس محمد بن يزيد: قد أكثرنا في المراثي والمواعظ من بين شعر وكلام نثر ورسالة وغير ذلك مما يتصل به.

والمراثي وأسبابها باقية مع الناس أبداً، إذ كانت الفجائع لا تنقضي إلا بانقضاء المصائب، ولا يفنى ذلك إلا بفناء الأرض ومن عليها، ولا إله إلا الله الحي الذي لا يموت. ونحن خاتو ذلك بباب نجمع فيه من كل شيء إن شاء الله، وبه الحول والقوة. ثم نبتديء شيئاً غيره. فإن الإكثار سرف، كما أن التقصير كالعجز. وفيما أملينا بلاغ وعظة إن شاء الله تعالى.

قال عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب يرثي أباه. وكان أبوه جليلاً من بني هاشم له أدب وعارضة وبلاغة ونجدة وبيان، فولاة أمير المؤمنين المعتصم بالله اليمن، ثم ولى بعد أن طال مكثه بها إيتاخ ذلك البلد، فولى إيتاخ عليها الشار، فحمل إليه الشار عبد الرحيم، فطالبه إيتاخ بالخراج وحبسه لامتناعه عليه، فمات في السجن بعد مدة.

وكان عبد العزيز أجل بنيه، وقد ولي الولايات، وكان شاعراً مفلقاً وخطيباً مصقعاً، فقال يرثي أباه قولاً أعرب فيه فأفصح، وأغرب فيه فلم يفحش، ولكنه خرج أحسن الخروج من كلام مبسوط ومعان مفهومة وهو قوله:

أشد أيّها النّاعي وإن كنت لا تدريبكنه الذي تنعى من الدّين والقدر
ومن ركن أركان الملوك الذي بهتلوذ إذا حلّ الجسيم من الأمر
هوى فهوت أركان عزٍّ وأعوزتثغورٌ به كانت أوامن للذّعر
ومن يلبس الأقطار أمناً بذكرهويكشف عنها طخية الذّلّ والفقر
ومن كان إن أرضٌ من المحل أظلمترماها بأنفى للظّلام من الفجر
بوجهٍ كأنّ البدر فوق جبينهوبذل لهى الأموال بالنّائل الغمر
وجودٍ يبذّ المجد والجود قبلهونور بهاءٍ كان أبهى من البدر
تزيد الليالي والخطوب ضياءهإذا غيّر البدر المحاق من الشّهر
ويبسط بالعرف العفاة تهلّلاًإذا كان بعض المنع بالنّظر الشّزر
فإنّك تغنى بالصّفات عن اسمهفلم تر إلاّ عارفاً غير ذي نكر
وإنّا لمعتادو رزايا عظيمةٍنخاف بأدناهنّ قاصمة الظّهر
يظلّ لها منّا رجالٌ كأنّماتعالى على أكتافها فلق الصّخر
فنصبر حتّى تنجلي غمراتهاإذا لم يكن في الصّبر عيبٌ على الحرّ
تجلّ مصيباتٌ وتعرو نوائبٌولا مثل ما أنحت علينا يد الدّهر
لقد عركتنا للزّمان ملمّةٌأذّمت بمحمود الجلادة والصّبر
وذلك أنّ الصّبر أصبح بعدهبمن كان ذا دينٍ ومعرفةٍ يزري
فلمّا رأيت الصّبر يزري بأهلهوضاق بما قد جلّ من حدثٍ صدري
وأنّ البكا فخرٌ، بكيت بعولةٍعليه لكيلا يعتليني أولو الفخر
وروّحت بعد اليأس والصّبر زفرةًتردّد ما بين الجوانح والصّدر
حنيناً كما حنّ اليراع يردّهحيازيم ضاقت للنّشيج الذي يفري
وخلّيت أسراب الدّموع فأمطرتبغير معيبٍ بالدّموع ولا نزر
وقلّ له منّا البكاء وقد بكتلنا الطير لو كانت مدامعها تجري
بكى الثّقلان الجنّ والإنس فقدهوغيرهما من ساكني البرّ والبحر
وأقسم لولا خشية الله وحدهركبت بنفسي كلّ مستصعبٍ وعر
بموتك يا عبد الرّحيم بن جعفرٍتزايل شعب الملك عن أفحش الكسر
وصارت بناة الدّين بعدك صدعهايطير شظايا لا تلاءم بالجبر
بموتك مات الجود والمجد كلّهوجدّع أنف العزّ فينا إلى الحشر
لقد هدّ ركن الدّين موتك هدّةًأنافت لها الأعناق من أمم الكفر
وأبلس إبلاس المذلّة دينناوأغضى بك الإسلام عيناً على وتر
وأضحت قلوب المسلمين مريضةًتوكّف فيه مثل راغية البكر
وقد وجد الأعداء في الملك مطعناًعواقبه قتلٌ يجلّ عن النّشر
فلا هنأ الأعداء عثرة دهرنافقد وأبي قرّت عيون ذوي الغمر
رزئنا أمرأً لا نحفل الدّهر بعدهولا الموت، فلتفر الحوادث ما تفري
فلله عينا من رأى من رزيّةٍوعثرة دهرٍ أمّنتنا من العثر
فواكبدا لو في الوغى كان موتهبكينا عليه بالرّدينيّة السّمر
وبالبيض والمرفوعة الزّرق دمعهادمٌ عاندٌ ينثال بالعلق الحمر
وبالخيل يعلكن الشّكيم كأنّهاكواسر عقبانٍ نواهض عن قدر
يخضن نجيعاً مائراً بعد جامدٍفلأياً تبين الكمت فيها من الشّقر
وأضحى نهار النّاس ليلاً وألمعتكواكبنا بالهندوانيّة البتر
ولم يغن ضوء الشّمس في قسطل الوغىفتيلاً ونار الحرب ثاقبة الجمر
وأخمدت الأصوات إلاّ غماغم الكماة ووقع المشرفيّة بالهبر
وخذها أيا بن الأكرمين وخذ بهاوأخّر وقدّم بالوعيد وبالزّجر
فمن مقعصٍ يعطو بفضل حشاشةٍوآخر تفريه الحوامي وما يدري
يفرّقن أوصالاً كراماً أعزّةًويفضخن هاماً من جحاجحةٍ زهر
وقمنا إلى الثأر المنيم فلم يئلولو نيط بالعيّوق أو نيط بالنّسر
فكنّا وإن لم نوف من شيخنا دماًنقرّ عيوناً أو نريغ إلى عذر
ونهدأ نفساً ما تلاقى جفونهاإذا اللّيل ألقى ذيل أرواقه الخضر
ولكن وقيناه القنا بنحورناوفات كذا في غير هيجٍ ولا نفر
فيا بن النّبيّ المصطفى وابن عمّهويا بن عليٍّ والفواطم والحبر
ويا بن اختيار الله من آل آدمٍأباً فأباً طهراً يؤدّي إلى طهر
ويا بن عليٍّ بعد والحسن الذيتلافى عرى الإسلام وابن أبي بكر
ويا بن سليمان الّذي كان موئلاًلمن ضاقت الدّنيا به من بني فهر
ومن ملأ الدنيا بهاءً ونائلاًوروّى حجيجاً بالملمّعة القفر
تعزّ بما قد نالنا من رزيّةٍبموتك محبوساً على صاحب القبر
فإن متّ في حبس الخليفة صابراًأبيّاً لما يعطي الذّليل على القسر
فكم من عدوٍّ للخليفة قد هوىبكفّيك أو أعطى المقادة بالصّغر
فلا أورقت شجراء أرضٍ ولا دحامن الغيث منهلٌّ متى طائرٌ يسري
فقل للمنايا والمتالف اعصفافلم يبق فينا من يريش ولا يبري
وقل للأعادي أعلنوا الآن أو دعواسواءٌ علينا المستسرّ وذو الجهر

وقال أحمد بن محمد الخثعمي يرثي إبراهيم بن سعيد الحميري:

أيّها النّاعيان من تنعيان؟وعلى من أراكما تبكيان
انعيا الثّاقب الزذناد أبا إسحاق ربّ المعروف والإحسان
ارجعا بي إن لم يكن لكما عقرٌ إلى لحد قبره فاعقراني
فانضحا من دمي عليه فقد كان دمي من نداه لو تعلمان
فكأنّا ولم يطل بك عهدٌما رأيناك عامر الأعطان
بين أدمٍ تدمى، وركبٍ منيخٍوعساسٍ ملتوتةٍ وجفان
صلصل الصّوت في صفائك بالروب خفيض الكلام في الصفان؟
مسمع القدح من خطار وفودٍوعديم الأتباع يوم الرّهان؟
ليت أنّا فداك إذ فني الطّمّ وفاضت مناهل الحدثان
فغدا ظاعناً يحثّ به النّعش حثيث السّرى وليس بوان
سفرٌ شاسعٌ وحادٍ مجدٌّوقعودٌ باق على الرّقلان
شرب الموت منه محضه دون حليبها السطور من قحطان؟
أيّها الموت قد نهضت بحملين من الذّمّ فيه والأضغان
قم بأعلى البقاع من غمدانوبسفلى الكثيب من عسفان
هل ترى غير مجلسٍ صخب الأفق بباكٍ ونادبٍ ثكلان
وترى غير ذابلٍ سمهريٍّركد الزّجّ في مكان السّنان
وترى غير مقرمٍ ناصل النّاب قليل السّموّ في الهدران
وعديمٍ يعبّ في قدح الثّكل هديم الخباء والبنيان

ومن المراثي المستحسنة المقدمة ونحتاج أن نذكر معها خبرها وهو أن مالك بن زهير بن رواحة بن جذيمة العبسي وكان من أشراف بني عبس، وجذيمة منهم قتل في حرب داحس. وكان جانيها أخوه قيس بن زهير، فنشبت بينهم فيما ذكر أربعين سنة. وتشاءم بهم قومهم، فوجه قيس جاريته لتعلم ما عند الربيع بن زياد العبسي أيغضب لهذا الحديث فيقوى به أو يستهين، فرأت عنده أكثر مما أحب، فرجعت إليه فقالت: سمعت عويلاً منه دون نسائه وحركةً أكثر من حركة جميع الحي، وهو يقول:

منع الرّقاد فما أغمّض حارجللٌ من النّما المهمّ السّاري
من مثله تمسي النّساء حواسراًفتقوم معولةً مع الأسحار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»
من كان مسروراً بمقتل مالكٍفليأت نسوتنا بوجه نهار

تأويل هذا البيت أنه إذا رأى ما يضع عليه من الجزع، علم أن ثأر مثله لا يترك.

يجد النّساء حواسراً يندبنهيضربن أوجههنّ بالأسحار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»
يخمشن حرّ وجوههنّ على فتىًسهل الخليقة طيّب الأخبار
قد كنّ يكننّ الوجوه تستّراًفالآن حين بدون للنّظار
أفبعد مقتل مالك بن زهيرٍترجو النّساء عواقب الأطهار
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «نام الخلي وما أغمض حار»

قوله: أفبعد مقتل مالك بن زهير، مزاحف ناقص جزءاً. وهذا في هذه العروض جائز، وهي التي يقال لها المقطوعة في الكامل. ونظيره قول حميد بن ثور:

أبلغ أمير المؤمنين فإنّهطبٌّ يلوم المستليم ويعذر
أنّي كبرت وأنّ كلّ كبيرٍممّا يظنّ به يملّ ويقبر

رجع الشعر:

ما إن أرى في قتله لذوي القوىإلاّ المطيّ تشدّ بالأكوار
ومجنّباتٍ ما يذقن عدوفاًيجهضن بالمهرات والأمهار

هذا مثل البيت المزاحف. يقال: ما ذقت عدوفاً ولا عداناً، ولا لماظاً ولا لماقاً. وكل هذا في معنى لم أذق شيئاً.

وفوارساً صدأ الحديد عليهمفكأنّما طلي الوجوه بقار
ويفوز كلّ مقلّصٍ من خيلناسلس القياد معاقد التّكرار
حتّى نبير بذي المريقب غدوةًبدراً ونعذر من بني سيّار

بدر: ابن عمرو الفزاري، وبنو سيار بن زبان الفزاري قتلوا ابن عمهم وحاربوهم غدراً بغير دم ولا افقار.

ولربّ مسرورٍ بمقتل مالكٍكلاّ وربّ البيت ذي الأسرار
حتّى نبير بمالكٍ سرواتهمحملاً وفارسهم أبا حجّار

حمل: ابن بدر وكان من فرسانهم وشجعانهم، وهو الذي يقول فيه القائل في هذه القصة بعد أن قتل:

ولكنّ الفتى حمل بن بدرٍبغى والبغي مصرعه وخيم
للشاعر الربيع بن زياد العبسي، من قصيدة «تعلّم أن خير الناس طراً»

وأبو حجار:

مالك بن حمار الشمخي، وبنو شمخ من فزارة، وفزارة ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. وبنو عبس ابن بغيض بن ريث، فكان عبس وذبيان أخوين. وكانت حربهم أربعين سنة.

وحرب الأنصار الأوس والخزرج، ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو ابن عامر كانت أكثر من هذا فيما ذكرت الرواية وكانت لا تزال تغبر.

وروي عن رسول الله ﷺ: دربوا لي بالحروب حتى دربوا. وقالت عائشة ﵂: قدمنا عليهم والجراح تطيف دماً من حرب بعاث.

فحرب الأنصار: حرب بعاث، وحرب ابني بغيض: حرب داحس، وحرب بكر وتغلب تسمى: البسوس.

وقال أبو ناظرة السدوسي، وكان رجلاً من أهل العلم والمعرفة بكلام العرب وحسن التصرف فيه، يرثي البصرة وأهلها بكلام عربي فصيح ينبيء أنه كلام موجع يخرج عن نية صادقة من ألفاظ رجل لا عجز يقعد به عن بلوغ الحاجة، ولا إسراف في قوله وتمحل يتجاوز به القدر:

منازلنا هل من إيابٍ مؤمّ؟ لٍإليك، إذا ما آب كلّ غريب؟!
وهل نحن يوماً عائدون ذوي غنىًومنتجعٍ للمعتفين خصيب
وآذنةٌ في كلّ حيٍّ يزينهانقاء جيوبٍ منهم وغيوب
وحلمٌ وعلمٌ ليس بالنّزر فيهمفلا يطون مسعاه مشوب؟
وقل لدعاة الشّمس هل من تشهّدٍلوقت صباحٍ أو لوقت غروب
نجنّ ولم نظلم إليك صبابةًتفتّت أكبادٍ لنا وقلوب
وقلّ غناءً عبرةٌ مستهلّةٌترقرق من عينٍ عليك سكوب
أبى الصّبر تذكار الدّيار التي خلتمجالسها من سوددٍ وخطوب
ومغدى ذوي الحاجات في كلّ شارقٍإلى كلّ مغشيٍّ الفناء مهيب
وكلّ مطاعٍ في العشيرة ماجدٍمعينٍ على ريب الزّمان وهوب
منازل فارقن العهود ولم تكنمعاناً لناقوسٍ ولا لصليب
منازل قومٍ أسرع السيف منهمإلى كلّ وضّاح الجبين نجيب
وكلّ فتىً يرنو إلى اللهو والصّباجرورٍ لأذيال الشّباب سحوب
وكلّ صميمٍ من ذؤابة قومهكريمٍ لغايات الكرام طلوب
أبوا أن يرى الله الهوادة منهملأعضه عن دين النّبيّ نكوب
فأودوا وقد عاشوا كراماً أعقّةًعلى فتنٍ مرّت بهم وحروب
تغاديهم ضرباً على الهام تارةًوذبحاً بأقسى أنفسٍ وقلوب
فكم من رحىً دارت وكم من مصيبةٍتوالت ومن يومٍ هناك عصيب
على ألف ألفٍ من ملوكٍ وسوقةٍثووا بين أبوابٍ لهم ودروب
مفلّقةٌ هاماتهم وشريدهمشماطيط شتّى أوجهٍ وسروب
إلى غير راعٍ يرتجى النّصر عندهولا عطنٍ يؤوى إليه رحيب
عباديد من ناجٍ على جذم بغلةٍومن رازحٍ يشكو الكلال جنيب
ومن راسبٍ طافٍ على الماء شلوهوذي ظمإ أودى به وسغوب
فيا أرضهم أخلوك فابكي عليهموجودي عليهم يا سماء وصوبي
أرى كلّ قومٍ لا يزال مظنّةًمنازلهم من آيبٍ ومؤوب
سوانا فإنّا حشو كلّ مدينةٍوألقاؤها من نازحٍ وقريب
ذوو أوجهٍ فيها كوابٍ وأعينٍبواكٍ وفقرٍ ظاهرٍ وشحوب
فمن رام أن يبتاع منّا حديقةًمن النّخل أعطى درهماً بجريب
فذو العزّ منّا مستكينٌ وذو الغنىكأن لم يكن ذا رتبةٍ وركوب
فما حلّ بالإسلام مثل مصابناوسلطاننا للدّين حقّ غصوب
وكنّا ولم تشقق عصانا ولم تبتعقاربنا فينا ذوات دبيب
نميميّةٌ تسري إلينا كأنّماتطالبنا في مصرنا بذنوب
يقصّر عن بغداد كلّ فضيلةٍخصصنا بها إسهاب كلّ خطيب
رجالاً ومالاً يعرف النّاس فضلهعلى كلّ حالٍ رائحٍ وغريب
فلا المربد المعمور بالعزّ والنّهىوكلّ فتىً للمكرمات كسوب
ولا قصر أوسٍ والمناخ الّذي بهوما حوله من روضةٍ وكثيب
بمرتجعٍ يوماً ولا المسجد الّذيإليه تناهى علم كلّ أديب
ولا قائمٌ لله اناء ليلهبه كلّ أوّاهٍ إليه منيب
ولا عائدٍ ذاك الحزين كعهدهلكلّ مسنٍّ حوله ومهيب
ولا الشطّ إذ فيه لنا الخير كلّهوإذ معتفاه الدّهر غير جديب
وبالفيض والنّهرين من كلّ جانبٍمناظر لذّاتٍ عفت وشروب
وإذ ما نراه من سفينٍ وراكبٍعلى ظهر منقادٍ إليه صبوب
ودجلة أحمى جانبيها كليهماكتائب زنجٍ كالطّنين دبوب
مؤلّلةٌ أسنانهم وعيونهمتوقّد في كهرورةٍ وقطوب

قوله كهرورة إنما هي القطوب والعبوس كما قال زيد الخيل:

ولست بذي كهرورةٍ غير أنّنيإذا طلعت أولى المغيرة أعبس
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة
طماطم لا ربٌّ لهم يعرفونهوقد دربوا بالحرب أيّ دروب
وجونٍ نواجٍ منجياتٍ لواحقٍتروح وتغدو غير ذات عكوب

الجون: السود. يعنى: الخيل. والعكوب: الغبار، وبه سمي عكابة

تساجلنا فيها المنايا عبيدنابكلّ حسامٍ في العظام رسوب
أنسلبها غلباً ضوامن للقرىعلى سنواتٍ تعتري وجدوب

يعني النخل، والأغلب: الغليظ العنق.

جداولها في كلّ يومٍ وليلةٍذوات جمومٍ تحتها ونضوب
وما النخل في اجلاسا عن كواعبٍيساقطن في ديمومةٍ وشيوب؟
وما في خيام الزّنج من حرّ أو وجهٍذوات وسومٍ فيهم وندوب
ولا ذو محاماةٍ ولا ذو حفيظةٍولكن رقيبٌ من وراء رقيب
على الثّمر المفجوع أربابه بهعلى خطرٍ من مجتناه عجيب
يقولون حشرى قسا من مدافعٍلدى مشهدٍ منّا ولا بمغيب؟
وقالوا تناسوها فليس بعائدٍتجاور أحياءٍ بها وشعوب
وإنّي لأرجو أن أرى ذاك منهموللدّهر أيّام.... وخطوب
نعت أرضنا الدّنيا إلينا وأدبرتبكلّ نعيمٍ في الحياة وطيب
وما كانت الدّنيا سوى البلد الّذيخلا اليوم من داعٍ به ومجيب
وما عيش هذا النّاس بعد ذهابهبعيشٍ ولا مغناهم برغيب
إذا الدّمع لم يسعد كئيباً فإنّنيسأبكي وأبكي الدّهر كلّ كئيب
على دمنٍ جرّت بها الرّيح بعدناذيول البلى من شمألٍ وجنوب
وما كلّ بصريٍّ. شكا بمفنّدٍولا كلّ بصريٍّ بكى بمعيب
ولو أنّ بصريّاً بكى كنه شجوهبكى بدمٍ حتّى الممات صبيب
فمن مبلغٌ عنّي بريهاً ورهطهوما أنا في حبّيهم بمريب
إذا أنتم غادرتموها كأنّهامنازل عادٍ غير ذات عريب
فلا ترفعوا الأبصار إلاّ كليلةًإلى النّاس أو منهلّةً بغروب
فيا بصر. كم من هالكٍ مات حسرةًعليك ومن صبٍّ إليك طروب
يظلّ شعاعاً قلبه ومبيتهعلى سننٍ من ربعه ونحيب
عليك سلام الله منّا فإنّنانرى العيش إلاّ فيك غير حبيب

وقال عمرو بن الأسلع يرثي أبا جنيد بن عمرو بن الأسلع العبسي ويذكر قتل حذيفة بن بدر إباه:

فلا يكن الوداع أبا جنيدٍوآخر حاجة السّفر الوداع
فإن خابت حيال بني سبيعٍونعم القوم إن قومٌ أضاعوا
فلا تيأس بذلك وانتظرنيوشرّ حديث قائله سماع
أتتك كأنّها عقبان دجنٍتجاوب في حناجرها اليراع

وقال مهلهل بن ربيعة:

قتلوا كليباً ثمّ قالوا اربعواكذبوا وربّ الحلّ والإحرام
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «يا حار لا تجهل على أشياخنا»
حتّى تبيد قبيلةٌ وقبيلةٌويعضّ كلّ مذكّرٍ بالهام
وتجول ربّات الخدور حواسراًيمسحن عرض ذوائب الأيتام
حتّى يعضّ الشّيخ بعد حميمهممّا يرى جزعاً على الإبهام
إنا لنضرب بالسّيوف رؤوسهمضرب القدار نقيعة القدّام
ولقد وطئن بيوت يشكر وطأةًأخوالنا، وهم بنو الأعمام

وقال أيضاً:

يا لبكرٍ أنشروا لي كليباًيا لبكرٍ أين أين الفرار؟
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «يا لبكر أنشروا لي كليباً»
تلك شيبان تقول لذهلٍصرّح الشّرّ وبان السّرار
وبنو يشكر قاموا فقالواقصّةٌ عوجاء فيها استتار
وبنو عجلٍ تقول لقيسٍولتيم اللاّت سيروا فساروا

وسنملي بعقب ذكر مهلهل هذا خبر وقائعهم ليفهم مجرى هذه المراثي وما يتبعها من أمثالها من لم يفهمه، ليعلم أن هذه الأشعار بنيت على أساسات من حكم العرب، تفيد أمثالاً عجيبة ومذاهب غزيرةً وأقوالاً على أمور ينتفع بها في مثل ما قصدوا له وفي غيره من غير بابه. والحديث ذو شجون. وبالله الحول والقوة.

بكر وتغلب ابنا وائل شعبان ضخمان سادهما جميعاً كليب بن ربيعة التغلبي، وهو الذي يقال له كليب وائل، فيضرب به المثل، حتى ادعت ربيعة في كليب أن العرب كلها تنقاد لشرفها. وفيه يقول النابغة الجعدي لرجل من أهله بغى وتعدى يخوفه عدوان الظلم:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراًوأهون ذنباً منك ضرّج بالدّم
رمى ضرع نابٍ فاستحرّ بطعنةٍكحاشية البرد اليماني المسهّم

وكان سبب قتله على عزة من قومه ولحمته على أنه كان لا يرفع بحضره صوت ولا يسمع في ناديه كلمة خنا. وفي ذلك يقول المهلهل في مرثيته إياه:

ذهب الخيار من المعاشر كلّهمواستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتنازعوا في أمر كلّ عظيمةٍلو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا

ومهلهل أخو كليب واسمه عدي، وهما ابنا ربيعة، وكان مهلهل يسفهه كليب ويصفه بالغزل والتحدث إلى النساء يذمره بذلك فيقول: أنت زير نساء.

وكان شرف بكر بن وائل في ولد ذي الجدين وهو عبد الله بن همام بن مرة بن ذهل ابن شيبان. وهؤلاء أشراف وأبناء أشراف. وهم بيت بكر بن وائل وشرفها.

وكانت إحدى بنات مرة تحت كليب بن ربيعة، وكان عدي المهلهل آخى همام بن مرة. وكان عاقده وعاهده ألا يكتم أحدهما صاحبه خبراً يقع إليه. فجاءت جارية لهمام فسارته بشيء، فتغير وجهه، فقال المهلهل: ما قالت لك يا أخي؟ فورى فقال له: العهد! فقال: خبرتني أن أخي قتل أخاك. فقال له المهلهل: لا ترع، فإن همة أخيك لا تبلغ ذاك.

وسيتصل الخبر مستقصىً بوقائعهم إن شاء الله.

وكانت حربهم أربعين سنة في مقتل كليب، وهو موصول بما ابتدأناه بما فيه من مراثيهم وغيرها. فقالت ماوية بنت مرة امرأة كليب، تشتكي ما بها من قتل أخيها زوجها، وهي قصيدة محيطة بالمعنى المقصود، جيدة الكلام بوفرة التشكي:

يا بنة الأقوام إن شئت فلاتعجلي باللّوم حتّى تسألي
فإذا أنت تبيّنت التيعندها اللّوم فلومي واعذلي
إن تكن أخت امريءٍ ليمت علىشفقٍ منها عليه فافعلي
قتل جسّاسٍ على وجدي بهقاطعٌ ظهري ومفنٍ أجلي
لو بعيني فديت عينٌ سوىأختها فأنفقأت لم أحفل
تحمل العين قذى العين كماتحمل الأمّ قذى ما تفتلي
يا قتيلاً قوّض الدّهر بهسقف بيتيّ جميعاً من عل
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
هدم البيت الذي استحدثتهوبدا في هدم بيتي الأوّل
ورماني قتله من كثبٍرمية المصمى به المستأصل
يا نسائي دونكنّ اليوم قدخصّني الدّهر برزءٍ معضل
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
خصّني قتل كليبٍ بلظىًمن ورائي ولظىً مستقبلي
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
ليس من يبكي ليومين كمنإنّما يبكي ليوم ينجلي
درك الثّائر شافيه وفيدركي ثأري ثكل المثكل
ليته كان دمي فاحتلبوادركاً منه دماً من أكحلي
جلّ عندي فعل جسّاسٍ فياحسرتا عمّا أنجلت أو تنجلي
إنّني قاتلةٌ مقتولةٌولعلّ الله أن يرتاح لي

قال أبو العباس: قرأت على أبي محمد النحوي المعروف بالتوزي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي مولى بني تيم بن مرة، من قريش عن مقاتل الأحول ابن سنان، من بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. وهو الذي يقول فيه طرفة:

رأيت سعوداً من شعوبٍ كثيرةٍفلم أر سعداً مثل سعد بن مالك

قال مقاتل: هذا عدي وأخوه كليب وسالم وفاطمة بنو ربيعة بن الحارث ابن جثم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب. وكان كليب ابن ربيعة ليس على الأرض بكري ولا تغلبي أجار رجلاً ولا بعيراً إلا بإذن كليب، ولا كان يحمي حمىً إلا لم يقرب. وكان لمرة بن ذهل بن شيبان عشرة بنين منهم جساس. وكان أصغرهم. وكانت أختهم عند كليب. قال مقاتل: وأم جساس بن مرة: هيلة بنت منقذ بن سليمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ثم خلف عليها بعد مرة بن ذهل سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة. قال فراس: وهي أمنا وخالة جساس يقال لها البسوس.

قال أبو برزة:

البسوس أخت هيلة، فجاءت فنزلت على جساس، فكانت جارة لبني مرة ومعها ناقة اسمها السراب وكانت خوارةً صفياً من نعم بني سعد، ومعها فصيل لها.

قال أبو برزة: وقد كان كليب قال لصاحبته أخت جساس: هل تعلمين على الأرض عربياً يمنع مني ذمته؟ فسكتت، ثم أعاد ذلك عليها فسكتت، ثم أعاد ذلك عليها الثالثة فقالت: نعم، أخي جساس وندمانه ابن عمه عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل. وعمرو هو المزدلف.

وأما مقاتل فزعم أن امرأة كليب بيننا تغسل رأس كليب وتسرحه ذات يوم إذ قال لها: من أعز وائل؟ فضمزت فأعاد عليها فضمزت. فلما أكثر قالت: أخواي جساس وهمام! فنزع رأسه من يدها وأخذ القوس فرمى فصيل ناقة البسوس، خالة جساس وجارة بني مرة، فأقصده، فأغمضوا على ما فيها وسكتوا. ثم لقي كليب ابن البسوس، فقال: ما فعل فصيل ناقتكم؟ قال: قتلته وأخليت لنا لبن أمه، فأغمضوا على هذه أيضاً. ثم إن كليباً أعاد بعد هذا على امرأته فقال: من أعز بني وائل؟ قالت: أخواي، فأضمرها وأسرها كليب وأسكت حتى مرت إبل جساس فإذا الناقة، فاستنكرها فقال:

ما هذه الناقة؟ قالوا: لخالة جساس. قال: أو قد بلغ من أمر ابن السعدية أن يجير علي بغير إذني؟ ارم ضرعها يا غلام، فشقه. قال: فأخذ القوس فرمى ضرع الناقة، فاختلط لبنها ودمها. وراحت الرعاء على جساس فأخبروه بالأمر فقال: احلبوا لها مكيالاً من لبنها ولا تذكروا لها من ذلك شيئاً، وأغمضوا عليها.

قال مقاتل: حتى أصابتهم سماء. فغدا في غبها عمرو بن ذهل بن شيبان فطعن عمرو كليباً فقصم صلبه.

وأما أبو برزة فزعم أن جساساً أمسك حتى ظعن ابنا وائل، فمرت بكر على نهي يقال له سبيث، فأبعدهم عنه كليب وقال: لا تذوقوا منه قطرة ثم مروا على آخر يقال له الأحص فأبعدهم عنه. ثم مروا على بطن الجريب فمنعهم إياه فمضوا حتى نزلوا الذنائب، واتبعهم كليب وحيه حتى نزلوا عليهم، فمر عليه جساس وهو واقف على غدير الذنائب، فقال أبعدت أهلنا عن المياه حتى كدت تقتلهم من العطش. فقال كليب: ما أبعدناهم إلا عن شيء نحن له شاغلون. فمضى جساس ومعه المزدلف عمرو بن أبي ربيعة. ثم ناداه جساس: هذا كفعلك بناقة خالتي. قال:

أوقد ذكرتها! أما إني لو وجدتها في غير إبل بني مرة بن ذهل لاستحللت تلك الإبل بها! فعطف عليه جساس الفرس فطعنه بالرمح، فأنفذ حضنيه. فلما تداءمه الموت قال: يا جساس، اسقني من الماء. قال: ما عقلت استسقاءك من الماء مذ ولدتك أمك قبل ساعتك هذه.

قال أبو برزة: فعطف عليه المزدلف عمرو بن أبي ربيعة فحز رأسه.

وأما مقاتل فزعم أن عمرو بن الحارث بن ذهل هو الذي طعنه فقصم صلبه، ففي ذلك يقول مهلهل:

قتيلٌ ما قتيل المرء عمروٍوجسّاس بن مرّة ذو ضرير
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»

وقال نابغة بني جعدة لعقال بن خويلد العقيلي لما أجار بني وائل بن معن، وقد قتلوا رجلاً من بني جعدة، فحذره عدوان الظلم واقتص له أمر كليب وحديثه:

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراًوأيسر ظلماً منك ضرّج بالدّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»
رمى ضرع نابٍ فاستحرّ بطعنةٍكحاشية البرد اليماني المسهّم
وقال لجسّاسٍ: أغثني بشربةٍتفضّل بها طولاً عليّ وأنعم
فقال: تجاوزت الأحصّ وماءهوبطن شبيثٍ وهو ذو مترسّم
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

وهي في كلمة.

وقال العباس بن مرداس لكليب بن عهمة الظفري أخي عباس ومالك بن عهمة، وكانوا شركاء في القرية فجحدهم كليب حظهم منها فحذره غب الظلم وما لقي كليب منه:

أكليب مالك كلّ يومٍ ظالماًوالظّلم أنكد، وجهه ملعون
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أكليب مالك كل يوم ظالما»
فافعل بقومك ما أرد بوائلٍيوم الغدير سميّك المطعون
وأظنّ أنّك سوف تلقى مثلهافي صفحتيك سنانها المسنون
إنّ القريّة قد تبيّن شأنهالو كان ينفع عندك التّبيين
أجحدتني ثمّ انطلقت تخطّهاوأبو يزيد بجوّها مدفون

وقال رجل من بكر بن وائل في الإسلام، وهو يحمل على الأعشى وزعموا أنه شبيل بن عريرة:

ونحن قهرنا تغلب ابنة وائلٍبقتل كليبٍ إذ طغى وتخيّلا
أبأناه بالنّاب التي شقّ ضرعهافأصبح موطوء الحمى متذلّلا

وهي كلمة.

قال: ومقتل كليب بالذنائب عن يسار فلجة مصعداً إلى مكة، وذلك قول المهلهل:

ولو نبش المقابر عن كليبٍفيخبر بالذنائب أيّ زير

قال أبو برزة: فلما قتله جساس أمال بيده الفرس حتى انتهى إلى أهله خارجةً ركبته. قالت أخته: يا أمتاه، إن جساساً قد جاء خارجةً ركبته. قالت: والله ما خرجت ركبته إلا لأمر عظيم. قالت: ما وراءك؟ قال:

ورائي، والله، أني قد طعنته طعنةً لتشتغلن منها شيوخ وائل رقصاً. قالت: أقتلت كليباً؟ قال: نعم. قالت: والله لوددت أنك وإخوتك كنتم متم قبل هذا. ما بي إلا أن يتناكد بي أبناء وائل.

وزعم مقاتل أن جساساً قال لأخيه نضلة بن مرة ويقال لهما اليوم عضدا الحمار:

وإني قد جنيت عليك حرباًتغصّ الشّيخ بالماء القراح
للشاعر جساس بن مرة، من قصيدة «تأهب مثل أهبة ذي كفاح»

فأجابه أخوه نضلة بن مرة فقال:

فإن تك قد جنيت عليّ حرباًفلا وانٍ ولا رثّ السّلاح

وإنما ذكرنا أول هذه الوقائع والسبب الذي هيجها تطرقاً إلى مراثي مهلهل أخاه وقومه ليقع ذلك على معرفة عند من لم يكن عرفها.

قال المهلهل يرثي اخاه ويذكر أشراف من قتل به، وأن ذلك ليس بكفء:

أليلتنا بذي حسمٍ أنيريإذا أنت انقضيت فلا تحوري
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
فإن يك بالذّنائب طال ليليفقد يبكى من اللّيل القصير
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
فلو نبش المقابر عن كليبٍفيخبر بالذّنائب أيّ زير
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»

معنى ذا أن كليباً كان يعير مهلهلاً فيقول: أنت زير نساء. وإنما يقال ذلك لمؤثر اللهو بالنساء والحديث إليهن على المساعي وطلب الذكر، وكان مهلهل أوقع بهم بالذنائب وقعة منكرة فيقول: لو رأى كليب ما صنعت لعلم أني غير زير.

بيوم الشّعثمين لقرّ عيناًوكيف لقاء من تحت القبور؟
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
وأني قد تركت بوارداتٍبجيراً في دمٍ مثل العبير
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»

خبر بجير: وهو ابن الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ربيعة، وكان الحارث من فرسانهم، فاعتزل هذه الحرب. وجاء بجير يقاتل مع قومه يوم واردات، وهو مشهور من أيامهم. فأخذ أسيراً فقتله مهلهل وقال: بؤبشسع كليب، فقيل للحارث بن عباد إن ابنك بجيراً قتل. فقال الحارث: إنه لأعظم قتيل بركةً إن أصلح الله بين ابني وائل. فقيل له: إن مهلهلاً حين قتله قال: بؤبشسع كليب. فقال عند ذلك:

قرّبا مر بط النّعامة منّيلقحت حرب وائلٍ عن حيال
لم أكن من جناتها علم اللّهـ وإنّي بحرّها اليوم صال
للشاعر الحارث بن عباد، من قصيدة «كل شئ مصيره للزوال»
لا بجيرٌ أغنى فتيلاً ولا رهط كليبٍ تزاجروا عن ضلال

ثم دخل في الحرب.

رجع إلى شعر مهلهل:

هتكت به بيوت بني عبادٍوبعض الغشم أشفى للصّدور
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
على أن ليس يشفى من كليبٍإذا برزت مخبّأة الخدور
وهمّام بن مرّة قد تركناعليه القشعمين من النّسور
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
ينوء بصدره والرّمح فيهويخلجه خدبٌّ كالبعير
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
فلولا الرّيح أسمع أهل حجرٍصليل البيض تقرع بالذّكور
فدىً لبني الشقيقة يوم جاؤواكأسد الغاب لجّت في الزّئير
كأنّ رماحهم أشطان بئرٍبعيدٍ بين جاليها جرور
كأنّا غدوةً وبني أبينابجنب عنيزةٍ رحيا مدير
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة «أليلتنا بذي حسم أنيري»
نكرّ عليهم عوداً وبدءاًكأنّ الخيل تنهض في غدير

وقال أيضاً يرثيه:

طفلةٌ ما ابنة المحلّل بيضاء لعوبٌ لذيذةٌ في العناق
للشاعر المهلهل بن ربيعة - الزير، من قصيدة « طفلة ما ابنة المحلل بيضا»
ضربت نحرها إليّ وقالتيا عديٌّ لقد وقتك الأواقي
للشاعر عدي بن ربيعة، من قصيدة «طفلة ما ابنة المجلل بيضاء»
ما أرجّي بالعيش بعد ندامىقد أراهم سقوا بكاس حلاق
للشاعر عدي بن ربيعة التغلبي، اقرأ القصيدة
بعد عمروٍ وعامرٍ وحييٍّوقتيلي صدوف وابني عناق
للشاعر عدي بن ربيعة التغلبي، اقرأ القصيدة
وامريء القيس ميّت يوم أودىثمّ خلّى عليّ ذات العراقي
وكليبٍ عبر الفوارس إذ حمّ رماه الكماة بالإيفاق
إن تحت الأحجار حزماً وجوداًوخصيماً ألدّ ذا معلاق

من قال معلاق أراد: إذا علق خصمه بلغ منه. ومن قال مغلاق أراد: يغلق الحجة على الخصم.

حيّةٌ في الوجار أربد لا ينفع منه السّليم نفث الراقي

وقد أطلنا القول في المراثي والتعازي وما بهما من المواعظ. وأخر بما أطيل أن يمل. وقد قال أحد المتقدمين: من أطال الحديث فقد عرض نفسه للملل ولسوء الاستماع. وقد كنا ذكرنا أشعاراً من أشعار المتقدمين، فقلنا نمليها على وجهها. ثم رجعت إلى أنها مجموعة في الكتاب الكامل على شرح جميع إعرابها ومعانيها، فإن رجعت معادةً، وهو يؤخذ من ثم. وقد أتى للقاضي ﵀ أكثر من الحول. وقد قال لبيد:

ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

ولكنا نشيع ما قد مضى من الأخبار بأخبار طريفة من هذا الباب، وأشعار ظريفة مختصرة، ينقطع الكلام عليها إن شاء الله وبه القوة.

حدثت أن رجلاً عزى يحيى بن خالد عن حرمة له فقال: أيها الوزير، تقديم الحرم من النعم، وتمثل:

تعزّ إذا رزئت بخير درعٍتسربل للمصائب درع صبر
ولم أر نعمةً شملت كريماًكعورة مسلمٍ سترت بقبر

وسمع أسماء بن خارجة الفزاري نائحة بالكوفة تقول:

فمن للمنابر والخافقاتوللجود بعد زمام العرب
ومن للعناة وحمل الدّياتومن يفرج الكرب حين الكرب
ومن للطّعان غداة الهياجومن يمنع البيض عند الهرب

فقال: مثل هذا فليبك. ثم قال:

يأخذّ إنّك إن توّسد ليّناًوسّدت بعد الموت صمّ الجندل
فاعمل لنفسك في حياتك صالحاًفلتندمنّ غداً إذا لم تفعل
للشاعر أسماء بن خارجة الفزاري، اقرأ القصيدة

وقال عبد الله بن العباس: ما اتعظت بشيء بعدما سمعته من رسول الله ﷺ كما اتعظت بكتاب كتبه علي ﵇ إلي، وكان كتابه: أما بعد. فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه. فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك. وليكن أسفك على ما فاتك من ذلك. وما نلت من الدنيا فلا تنعم به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعاً، وليكن همك لما بعد الموت.

وقال بعضهم: سمعت بكاء راهب فناديت: يا راهب، ما يبكيك؟ فقال: أبكاني أمر عرفته فجزت عن سبيله، وقصرت في طلبه، ويوم مضى أورثني عبرته وحسرته، نقص له أجلي، ولم ينقص له أملي.

وروي أن بعض ملوك الفرس كان شديد الغضب، فكتب ثلاث رقاع، ثم وكل رجلاً حازماً من أصحابه فقال: إذا اشتد غضبي فادفعوا إلي الأولى، فإذا سكنت بعض السكون فادفعوا إلي الثانية، ثم ادفعوا إلي الثالثة، فكان في الأولى: إنك لست بالإله، إنما أنت بشر يوشك أن يموت، ويأكل بعضك بعضاً. وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء. وفي الثالثة: خذ الناس بأمر الله، فإنه لا يصلحهم إلا ذلك.

وقال أبو عبد الرحمن بن عائشة: لما أتي بحجر بن عدي وأصحابه يقتل بعذراء قال: ما اسم هذه القرية؟ قالوا: عذراء. قال: والله إني لأول فارس وعر أهلها يوم افتتحناها. فلما قرب ليقتل صلى ركعتين وأظهر جزعاً قيل له: أتجزع؟ فقال: ولم لا أفعل؟ كفن منشور، وسيف مشهور، وقبر محفور، ولست أدري أيؤديني إلى الجنة أم إلى نار.

فلما قتل قال عبد الله بن خليفة الطائي يرثيه:

تذكّرت ليلى والشّبيبة أعصراوذكر الهوى برحٌ على من تذكّرا
أقول ولا والله أنسى مصابهمسجيس اللّيالي أو أموت فأقبرا
على أهل عذراء السّلام مضاعفاًمن الله وليسق السّحاب الكنهورا
ولاقى بها حجرٌ من الله رحمةًفقد كان أرضى الله حجرٌ وأعذرا
فيا حجر من للخيل تطعن بالقناوللملك المغزي إذا ما تغشمرا
فقد عشت محمود الحياة وإنّنيلأطمع أن تعطى الخلود وتحبرا

وقال حسان بن ثابت يرثي جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله ابن

رواحة وكان قد أمرهم رسول الله ﵌ على جيش مؤتة:

تأوّبني ليلٌ بيثرب أعسروهمٌّ إذا ما نوّم النّاس مسهر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
لذكرى حبيبٍ هيّجت لك عبرةًسفوحاً وأسباب البكاء التّذكّر
بلى، إنّ فقدان الحبيب بليّةٌوكم من كريمٍ يبتلى ثمّ يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردواشعوب وقد خلّفت فيمن يؤخّر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليلٌ بيثربَ أعسرُ»
فلا يبعدنّ الله قتلى تتابعوابمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
وزيدٌ وعبد الله حين تتابعواجميعاً وأسباب المنيّة تخطر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
غداة مضى بالمؤمنين يقودهمإلى الموت ميمون النّقيبة أزهر
أغرّ كضوء البدر من آل هاشمٍأبيٌّ إذا سيم الظّلامة يجسر
فطاعن حتّى مات غير موسّدٍبمعتركٍ فيه القنا تتكسّر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
فصار مع المستشهدين ثوابهجنانٌ وملتفّ الحدائق أخضر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
وكنّا نرى في جعفرٍ من محمّدٍوقاراً وأمراً حازماً حين يأمر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
وما زال في الإسلام من آل هاشمٍدعائم عزٍّ لا ترام ومفخر
وهم جبل الإسلام والنّاس حولهمرضامٌ إلى طودٍ يروق ويقهر
بها ليل منهم جعفرٌ وابن أمّهعليٌّ، ومنهم أحمد المتخيّر
وحمزة والعبّاس منهم ومنهمعقيلٌ، وماء العود من حيث يعصر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليل بيثرب أعسر»
بهم تفرح اللأواء في كلّ معركٍعماسٍ إذا ما ضاق بالنّاس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمهعليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تأوبني ليلٌ بيثربَ أعسرُ»

ومما يستحسنه الناس من المراثي ويخف على ألسنتهم قصيدة محمد بن مناذر الصبيري، مولى بني صبير بن يربوع في عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي حتى قد خلطوا في الرواية، وزاد بعضهم على بعض. ونحن نختار اختياراً منها تقع فيه الموعظة الحسنة من قول المخلوقين، والكلام المرضي من ذلك، وهي التي أولها:

كلّ حيٍّ لاقي الحمام فمودما لحيٍّ مؤمّلٍ من خلود
لا تهاب المنون حيّاً ولا تبقي على والدٍ ولا مولود
يقدح الدّهر في شماريخ رضوىويحطّ الصّخور من هبّود
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

يزعمون أنه غلظ في هذا، وأن هبود حفيرة، وليس كما قالوا، إنما الحفيرة هبوب. والذي قال هو: هبود. وذكروا أنها أكمة.

ولقد تترك الحوادث والأيّام وهياً في الصّخرة الصّيخود
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ليس يبقى على الحوادث حيٌّغير وجه المهيمن المعبود

ومما استحسنت منها ولم أرذل غيره، قوله:

أين ربّ الحصن الحصين بسوراء وربّ القصر المنيف المشيد
شاد أركانه وبوّبه بابي حديدٍ وحفّه بجنود
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
كان يجبى إليه ما بين صنعاء فمصرٍ إلى قرى يبرود
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وترى حوله زرافات خيلٍجافلاتٍ تعدو بمثل الأسود
فرمى شخصه فأقصده الدّهر بسهمٍ من المنايا سديد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ثمّ لم ينجه من الموت حصنٌدونه خندقٌ وبابا حديد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وملوكٌ من قبله عمروا الأرض أعينوا بالنّصر والتّأييد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
فلو أنّ الأيام أخلدن حيّاًلعلاءٍ أخلدن عبد المجيد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ما درى نعشه ولا حاملوهما على النّعش من عفافٍ وجود
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ويح أيدٍ حثت عليه وأيدٍدفنته، ما غيّبت في الصّعيد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
غيّبت في الصّعيد حزماً وعزماًولزاز الخصم الألدّ العنود
إنّ عبد المجيد يوم تولّىهدّ ركناً ما كان بالمهدود
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
هدّ ركني عبد المجيد وقد كنت بركنٍ منه أبوء شديد
حين تمّت آدابه وتردّىبرداءٍ من الشبّاب جديد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وسمت نحوه العيون وما كان عليه لزائدٍ من مزيد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
وكأنّي أدعوه وهو قريبٌحين أدعوه من مكانٍ بعيد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
ولئن كنت لم أمت من جوى الحزن عليه، لأبلغن مجهودي
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
لأقيمنّ مأتماً كنجوماللّيل زهراً يلطمن حرّ الخدود
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
موجعاتٍ يبكين للكبد الحرّى عليه وللفؤاد العميد
ولعينٍ مطروفةٍ أبداً قال لها الدّهر: لا تنامي وجودي
كلّما عزّك البكاء فأنفدت لعبد المجيد سجلاً فعودي
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة
لفتىً يحسن البكاء عليهوفتىً كان لامتداح القصيد
للشاعر ابن مناذر، اقرأ القصيدة

فكل هذه الأبيات غرة، ولقد بلغني بلاغاً إخاله صحيحاً أن عبد المجيد كان للمدح حياته موضعاً، وللمراثي بعد موته مستوجباً، عفافاً وجمالاً وأدباً وشباباً.

وقال القائل:

وإنّ أحسن بيتٍ أنت قائلهبيتٌ يقال إذا أنشدته صدقا
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «ولا أغير على الأشعار أسرقها»

وأحسن من ذلك وإن جل قدر المؤمن بكاء الرجل على نفسه وإن كان حياً، لما يتوقعه. كما قال إسماعيل بن القاسم:

كم سترى في النّاس من هالكٍوهالكٍ حتّى ترى هالكا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خفض هداك الله من بالكا»

فهذا مأخوذ مما يروى أن الصديق ﵀ كان يكثر إنشاده وهو:

تنفك تسمع ما حييت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجاء مغيّباً والموت دونه

ومع قوله هذا:

أصبحت الدّنيا لنا عبرةًوالحمد لله على ذلكا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خفض هداك الله من بالكا»
اجتمع النّاس على ذمّهاوما ترى منهم لها تاركا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «خفض هداك الله من بالكا»

ومثله قوله:

ننافس في الدّنيا ونحن نعيبهاوقد حذّرتناها لعمري خطوبها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ننافس في الدنيا ونحن نعيبها»
وما نحسب السّاعات تقطع مدّةًعلى أنّها فينا سريعٌ دبيبها
كأنّي برهطي يحملون جنازتيإلى حفرةٍ يحثى عليّ كثيبها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ننافس في الدنيا ونحن نعيبها»
وباكيةٍ حرّى تنوح وإنّنيلفي غفلةٍ عن صوتها لا أجيبها
وإنّي لممّن يكره الموت والبلىويعجبني روح الحياة وطيبها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ننافس في الدنيا ونحن نعيبها»
فحتّى متى حتّى متى وإلى متىيدوم طلوع الشّمس لي وغروبها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ننافس في الدنيا ونحن نعيبها»
أيا هادم اللذّات ما منك مهربٌتحاذر نفسي منك ما سيصيبها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ننافس في الدنيا ونحن نعيبها»
رأيت المنايا قسّمت بين أنفسٍونفسي سيأتي بعدهنّ نصيبها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ننافس في الدنيا ونحن نعيبها»

وقال منصور النمري يرثي يزيد بن مزيد:

متى يبرد الحزن الذّي في فؤادياأبا خالدٍ من بعد ألاّ تلاقيا؟!
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
أبا خالدٍ ما كان أدهى مصيبةًأصابت معدّاً يوم أصبحت ثاويا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
أبا خالدٍ لا بل عممت بنكبةٍفتبكي معدٌّ والقبيل اليمانيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وناعٍ غدا ينعى يزيد بن مزيدٍفقلت له: أصبحت للجود ناعيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
أعينيّ جودا بالدّموع وأسعدابعبرة محزونٍ بكى لبكائيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
سمعت بكاء النائحات بسحرةٍفهيّجن أحزاناً غلبن عزائيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
ألا عذر الله العيون البواكياوقد عاينت يوماً من الدّهر شاجيا؟
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لعمري لئن سرّ الأعادي وأظهرواشماتاً، لقد مرّوا بربعك خاليا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وخلّفت ليثي غابتين كلاهماسيلقى الأعادي من يديه الدّواهيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فشبهك أخلاقاً وعزّة أنفسٍإذا النّفس جاشت لو بلغن التّراقيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

قال النفس في موضع النفوس.

سقيت السّواري والغوادي وقد أرىخيالك يسري ثمّ يصبح غاديا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
نعزّي بك الإسلام إنّك دونهإذا نكل الحامون كنت محاميا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
مشمّر أذيالٍ تحوط حريمهوتحمي له أطرافه والقواصيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وكنت شهاباً للخليفة ثاقباًوكوكبةً ترمي العدا والمناويا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وكنت سناناً نافذاً في يمينهوسيفاً له عضباً يقدّ الهواديا
وكنت إذا نادى لأمر عظيمةٍولم يك من يكفي أصابك كافيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
دوينا جانباً والسواساوشمّرت أذيالاً ولبّيت داعيا؟
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وقمت بأمر الثّغر بعد فسادهوأوشكت منه رقع ما كان واهيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فقد مات معروفٌ وماتت تجارةٌومات غناءٌ يوم ودّعت ماضيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
نعزّي أمير المؤمنين ورهطهبسيفٍ له ما كان في الحرب نابيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
لقد كان في أعدائهم ذا شكيمةٍلهم ناهكاً عدا وقد كان ناكيا؟
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
وملآن من ودّ الخليفة صدرهيؤدّي إليه النّصح مذ كان ناشيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
مضى ماجد الأيّام رافع همّةٍإلى الخلق الأعلى، من الذّمّ ناجيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فإن عدّ في دنيا فذكر مكارمٍوإن عدّ في دينٍ فلم يك تاليا
على مثل ما لاقى يزيد بن مزيدٍعليه المنايا فالق إن كنت لاقيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فتىً كانت الأبطال تعرف أنّهإذا قارعته ليس بالضّيم راضيا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
فإن تك أفنته اللّيالي فأوشكتفإنّ له ذكراً سيفني اللّياليا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة
حلفت لقد أبقى يزيد لرهطهمعالي لا تنفكّ تبني معاليا
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

كنا أردنا أن نملي أشعاراً من أشعار المحدثين في ضروب من المراثي فأشفقنا من أن يستخف بهذا الكتاب، والمراثي لا تنقضي ما كان الناس؛ فأحببنا أن نختمه ونأخذ في غيره، وأن يكون ما نختمه به شريفاً بهياً، فاخترنا له قصيدة أنشدناها الرياشي لرجل من غطفان من بني عبد الله، كانت له صحبة، قتل يوم جلولاء يقال له سالم، يرثي رسول ﷺ:

أفاطم بكّي ولا تسأميلصبحك ما طلع الكوكب
للشاعر صفية بنت عبد المطلب، اقرأ القصيدة
فقد هدّت الأرض لمّا ثوىوأيّ البريّة لا ينكب
فمالي بعدك حتّى الممات إلاّ جوىً داخلٌ منصب
جوىً حلّ بين الحشا والشّغاففخيّم فيه فما يذهب
فيا عين ويحك لا تسأميوما بال دمعك لا يسكب!
وقد بان منك الّذي تعلمينوضاقت بك الأرض والمذهب
ومن ذا لك الويل بعد الرّسوليبكّى من النّاس أو يندب
فإن تبكه تبك خير الأنامكثير الفواضل لا يجدب
وإن تبكه تبك سهل الجناب محض الضرائب لا يؤشب
وإن تبكه تبك نور البلاد ضخم الدّسيعة لا يحسب
وإن تبكه تبك خير الأنامسريعاً سوابله مخصب
وإن تبكه تبك واري الزّنادصدوق المقالة لا يكذب
وتبكي الرّسول وحقّت لهشهود المدينة والغيّب
وتبكي له الصّمّ، صمّ الجبالوشرق المدينة والمغرب
وتبكيه شعثاء مضرورةٌإذا حجب النّاس لا تحجب
ويبكيه شيخٌ أبو ولدهتطيف بعقوته أشيب
ويبكيه أهل النّهى والحجىمن النّاس والطّارق الأخيب
ويبكيه ضيفٌ جفاه الصّديقوذو النّسب الدّاخل الأقرب
ويبكيه شعثٌ خماص البطونأضرّ بهم زمنٌ أنكب

وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما.

هذا آخر الكتاب. وقيل: ما قيل فيه صلى الله عليه قليل وإن كان كثيراً في اللفظ، ويسير وإن كان جليلاً في النفس، وعليه رحمة الله وبركاته.

وهذا حديث نذكره ليتبعه ذكره ﵇، ويعوذ به عائذ، ويأتم به مؤتم: حدثني الرياشي العباس بن الفرج قال: أخبرنا أحمد بن شبيب قال: أخبرنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطي المدني عن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان رحمة الله عليه في حاجة له، وكان عثمان لا ينظر إليه ولا يلتفت إلى حاجته. فلقي عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إيت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك بنبيي محمد، نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك، ثم رح حيث تروح.

فانطلق الرجل فصنع ذلك. ثم أتى باب عثمان بن عفان، رحمة الله عليه فأخذ البواب بيده، فأدخله على عثمان بن عفان ﵁ فأجلسه معه على الطنفسة، فقال له: حاجتك؟ فذكر له حاجته فقضاها، ثم قال: ما فهمت حاجتك حتى كانت الساعة. وقال: انظر ما كانت لك من حاجة.

ثم إن الرجل خرج فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيراً. ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته، فقال عثمان بن حنيف:

ما كلمته، ولكني سمعت رسول الله ﷺ وجاء ضرير فشكا إليه ذهاب البصر، فقال رسول الله ﷺ: أو تصبر؟ فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد، وقد شق علي. فقال النبي ﷺ: إيت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين، ثم قل: اللهم، إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة ﷺ. يا محمد، إني أتوجه بك إلى ربي ليرد لي بصري. اللهم شفعه في، وشفعني في نفسي. قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضرر.

تم كتاب التعازي والمراثي بأسره، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم وكان الفراغ منه في العشر الأوسط من جمادى الآخرة من سنة ثلاث وستين وخمس مائة.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب مراث من أشعار المحدثين

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.