هريقا دماً إنْ أُنفِذَتْ عبرة تجري
الشاعر: عبد الصمد بن المعذل · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر عبد الصمد بن المعذل، من العصر العباسي، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هريقا دماً إنْ أُنفِذَتْ عبرة تجري ... أبى الصبر إنّ الرزء جلّ عن الصبرِ
ولا تجمدا عينيّ قد حسن البكا ... وفرط الأسى فَقْدُ المغّيب في القمرِ
لغيركما بالبث أن لست واقفا ... من الصبرِ يوماً بعد عمرو على عذرِ
سلام وسُقْيا من يد اللّه ثَرَّةٌ ... على جسدِ بالٍ بلمّاعة قَفْرِ
جَرَتْ فوقَهُ الأرواحُ أمناً لِجَرْيهِ ... وقد كُنَّ حَسْرَى حينَ يَجْري كمَا تَجْري
تَوَلَّى النَّدَى والباسُ والحِلمُ والتقى ... فلم يَبْقَ منها بعدَ عمرو سِوَى الذكرِ
فإنْ تطوِهِ الأيامُ لا تَطو بَعْدَهُ ... صنائعَ مِنْهُ لا تبيدُ على النّشرِ
متى تَلقَهُ لا تلقَ إلاّ مُمَنّعاً ... حِماهُ مَصُونَ العِرْضِ مُبْتَذَلَ الوَفْرِ
وأيُّ مَــــحَلٍّ لا لكفّيْهِ نِعْمةٌ ... على أهلِهِ من أرضِ بَرٍّ ولا بَحْرِ
وما اختلفتْ حالانِ إلاّ رأيتَهُ ... رَكوبَ التي تَسْبي هَيُوبَ التي تُزري
ومن تكنِ الأوراقُ والتبرُ ذُخْرَهُ ... فما كان غَيْرَ الحَمْدِ يَرغَبُ في ذُخرِ
كِلاَ حاَلَتْيهِ الجودُ أنَّى تصرَّفَتْ ... به دُوَلُ الأيامِ في العُسْرِ واليُسْرِ
وما عُدِمَتْ يوماً لكفّيهِ أَنْعُمٌ ... تُضافُ له منها عَوانُ إلى بكرِ
وما انتَسَبَتْ إلاّ إلَيْهِ صنيعةٌ ... وما نَطَقَتْ إلاّ به ألسنُ الفَخْرِ
يَرَى غبناً يَوْماً يمرُّ ولَيْلَةً ... عليه ولم يكسبْ طريقاً من الشُّكَرِ
تغضّ له الأبصار عند اجتلائه ... وليس به إلاّ الجلالةُ من كِبْرِ
تَرَى جَهْرَهُ جَهْرَ التقيّ وسِرُّهُ ... إذا ما اختبرتَ السِّرَّ أتقى منَ الجهْرِ
ولم يَصْحُ من يَوْمٍ ولم يُمْسِ لَيْلَةً ... بَغْيرِ اكتسابِ الحَمْدِ مُشتَغِلَ الفِكْرِ
وكانت تعُمُّ الناسَ نَعماءُ كفّهِ ... فعَمّوا عليهِ بالمُصيبةِ والأجرِ
تناعاهُ أقطارُ البلادِ تَفَجّعاً ... لِمصْرَعِهِ تَبْكيهِ قُطْراً إلى قُطْرِ
تباشَرَ بَطْنُ الأرضِ أُنْساً بقُرِبِهِ ... وأضحتْ عليه وَهْي خاشعةُ الظُهرِ
ولم تَكُ تُسقى الأرضُ إلاّ بسَيْبهِ ... إذا ما جَفا أقطارَها سبلُ القَطْرِ
إذا نَشَأتْ يوماً لكفّيهِ مُزْنَةٌ ... أُدِيلَ الغِنَى في كلّ فجّ من القَفْرِ
هَوى جَبَلُ اللّهِ الذي كانَ مَعْقِلاً ... وعزّاً لدينِ اللّهِ ذُلاًّ على الكُفْرِ
عَجِبْتُ لأيدي الحَتْف كيفَ تَغَلْغَلَتْ ... إليكَ وبينَ النّسْرِ بَيْتُك والنّسْرِ
وما كُنْتَ بالمُغْضِي لدهرٍ على القذى ... ولا لَيّنٍ للحادثاتِ على القَسْرِ
ولو دَفَعَ العِزُّ الحِمامَ عن امرىءٍ ... لما نال عمراً للحِمامِ شَبَا ظُفَرِ
ألم تَكُ أسبابُ الرَّدَى طَوعَ كفّهِ ... تُبينُ لصَرْفَي ما يَريشُ وما يَبْرِي
إذا صاح داعي الرَّوْعِ سارَ أمامَهُ ... لواءانِ مَعْقودانِ بالفَتْحِ والنّصرِ
يُقَاسمُ آجالَ العِدَى عزمُ بأسِهِ ... بهندّيةٍ بيضٍ وخطّيَةٍ سُمْرِ
وما ذبّ إلاّ عن حمى الدين سيفُهُ ... ولا قاد خيلَ اللّه إلاّ إلى ثغرِ
وقد كان يَقرِي الحَتْفَ أعداءَ سِلْمهِ ... فأضحى قرى ما كان أعداءَهُ يَقْري
تولى أبو عمرو فقلنا لنا عمرو ... كَفَانا طُلوعُ البدرِ غَيْبوبَةَ البدرِ
وكَان أبو عمرو مُعَاراً حياتُهُ ... بعمرو فلما ماتَ ماتَ أبو عمرو
وكنّا عليه نحذرُ الدّهرَ وحدَهُ ... فلم يَبْقَ ما يُخشَى عليه من الدَهرِ
وهَوّنَ وَجْدِي أنّ من عاش بَعدَهُ ... يُلاقي الذي لاقى وإن مُدَّ في العمرِ
وهوّنَ وَجْدِي أنِّنِي لا أرَى امرءاً ... من الناس إلاّ وهو مُغضٍ على وَتْرِ
رَمَتْنَا الليالي فيكَ يا عمرو بَعْدَمَا ... حَمِدْنَا بكَ الدّنيا بقاصمةِ الظهرِ
سأجْزِيك شكري ما حَييت فإن أمتْ ... أُبقِّ ثناءً فيكَ يَبْقى إلى الحَشرِ
وأُوثِرُ حُزني فيكَ دُونَ تجلّدي ... وإسبالَ دَمْعٍ لا بكيء ولا نزرِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- الرزء: (رَزَّ) الرَّاءُ وَالزَّاءُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا جِنْسٌ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَالْآخَرُ إِثْبَاتُ شَيْءٍ. فَالْأَوَّلُ الْإِرْزِيزُ، وَهِيَ الرِّعْدَةُ. قَالَ الشَّاعِرُ: قَطَعْتُ عَلَى غَطْشٍ وَبَغْشٍ وَصُحَبَتِي ... س … (مقاييس اللغة)
- بالبث: (بَثَّ) الْبَاءُ وَالثَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَفْرِيقُ الشَّيْءِ وَإِظْهَارُهُ؛ يُقَالُ: بَثُّوا الْخَيْلَ فِي الْغَارَةِ. وَبَثَّ الصَّيَّادُ كِلَابَهُ عَلَى الصَّيْدِ. قَالَ النَّابِغَةُ: فَبَثَّهُنَّ عَلَيْهِ وَ … (مقاييس اللغة)
- لجريه: (جَرَيَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ انْسِيَاحُ الشَّيْءِ. يُقَالُ جَرَى الْمَاءُ يَجْرِي جَرْيَةً وَجَرْيًا وَجَرَيَانًا. وَيُقَالُ لِلْعَادَةِ الًإِجْرِيَّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ الْوَجْهُ الَّذِي … (مقاييس اللغة)
- لغيركما: غير: التهذيب: غَيْرٌ من حروف المعاني، تكون نعتاً وتكون بمعنى لا، وله باب على حِدَة. وقوله: ما لكم لا تَناصَرُون؛ المعنى ما لكم غير مُتَناصرين. وقولهم: لا إِلَه غيرُك، مرفوع على خبر التَّبْرِئة، قال: ويجوز لا إِله غيرَك ب … (لسان العرب)