من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عبد الصمد بن المعذل ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم بن البختريّ بن المختار بن ذريح بن أوس بن همّام بن ربيعة بن بشير بن حمران بن حدرجان بن عساس بن ليث بن حداد بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وقيل: ربيعة بن ليث بن حمران.
وجدت في كتاب بخطّ أحمد بن كامل: حدّثني غيلان بن المعذل أخو عبد الصمد، قال: كان أبي يقول: أفصى أبو عبد القيس هو أفصى بن جديلة بن أسد، وأفصى جدّ بكر بن وائل هو أفصى بن دعميّ. والنسابون يغلطون في قولهم عبد القيس بن أفصى بن دعميّ. ويكنى عبد الصمد أبا القاسم، وأمه أم ولد يقال لها: الزّرقاء.
شاعر فصيح من شعراء الدولة العباسية، بصريّ المولد والمنشأ. وكان هجاء خبيث اللسان، شديد العارضة، وكان أخوه أحمد أيضا شاعرا، إلا أنه كان عفيفا، ذا مروءة ودين وتقدّم في المعنزلة، وله جاه واسع في بلده وعند سلطانه، لا يقاربه عبد الصمد فيه، فكان يحسده ويهجوه فيحلم عنه، وعبد الصمد أشعرهما، وكان أبو عبد الصمد المعذل وجدّه غيلان شاعرين، وقد روى عنهما شيء من الأخبار واللغة والحديث ليس بكثير، والمعذّل بن غيلان هو الّذي يقول:
إلى اللّه أشكو لا إلى الناس أننيأرى صالح الأعمال لا أستطيعها
أرى خلّة في إخوة وأقاربوذي رحم ما كان مثلي يضيعها
فلو ساعدتني في المكارم قدرةلفاض عليهم بالنوال ربيعها
أنشدنا ذلك له علي بن سليمان الأخفش، عن المبرّد، وأنشدناه محمّد بن خلف بن المرزبان عن الرّبعي أيضا. قالا: وهو القائل:
ولست بميّال إلى جانب الغنىإذا كانت العلياء في جانب الفقر
وإنّي لصبّار على ما ينوبنيوحسبك أنّ اللّه أثنى على الصبر
أخبرني محمّد بن خلف، قال: حدّثنا النّخعيّ وإسحاق، قال: هجا أبان اللاحقيّ المعذّل بن غيلان، فقال:
كنت أمشي مع المعذّل يوماففسا فسوة فكدت أطير
فتلفتّ هل أرى ظربانامن ورائي والأرض بي تستدير
فإذا ليس غيره وإذا إعصار ذاك الفساء منه يفور
فتعجّبت ثم قلت لقد أعرف، هذا فيما أرى خنزير
فأجابه المعذّل فقال:
صحّفت أمّك إذ سمّتك بالمهد أبانا
قد علمنا ما أرادتلم ترد إلا أتانا
صيّرت باء مكان التاء واللّه عيانا
قطع اللّه وشيكامن مسمّيك اللسانا
أخبرني عمي قال: حدّثنا المبرد قال: مرّ المعذل بن غيلان بعبد اللّه بن سوّار العنبريّ القاضي، فاستنزله عبد اللّه، وكان من عادة المعذّل أن ينزل عنده، فأبى، وأنشده:
أمن حق المودة أن نقضّيذمامكم ولا تقضوا ذماما
وقد قال الأديب مقال صدقرآه الآخرون لهم إماما
إذا أكرمتكم وأهنتمونيولم أغضب لذلكم فذاما
قال: وانصرف، فبكّر إليه عبد اللّه بن سوار، فقال له: رأيتك أبا عمرو مغضبا. فقال: أجل ماتت بنت أختي ولم تأتني. قال: ما علمت ذلك. قال: ذنبك أشد من عذرك، ومالي أنا أعرف خبر حقوقك، وأنت لا تعرف خبر حقوقي؟! فما زال عبد اللّه يعتذر إليه حتى رضي عنه.
حدّثني الحسن بن علي الخفّاف، قال: حدّثنا ابن مهرويه عن الحمدوني، قال: كان شروين حسن الغناء والضّرب، وكان من أراد أن يغنّيه حتى يخرج من جلده جاء بجويرية سوداء فأمرها أن تطالعه، وتلوّح له بخرقة حمراء، ليظنّها امرأة تطالعه، فكان حينئذ يغنّي أحسن ما يقدر عليه تصنّعا لذلك، فغضب عليه عبد الصمد في بعض الأمور، فقال يهجوه:
من حلّ شروين له منزلافلتنهه الأولى عن الثانيه
فليس يدعوه إلى بيتهإلّا فتى في بيته زانية
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو عمرو البصري، قال: قال عبد الصمد بن المعذّل في رجل زان من أهل البصرة كانت له امرأة تزني، فقال:
إن كنت قد صفّرت أذن الفتىفطالما صفّر آذانا
لا تعجبي إن كنت كشخنتهفإنّما كشخنت كشخانا
أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب، قال: حدّثنا سوّار بن أبي شراعة، قال: كان بالبصرة رجل يعرف بابن الجوهري، وكانت له جارية مغنية حسنة الغناء، وكان ابن الجوهري شيخا همّا قبيح الوجه، فتعشّقت فتى كاتبا كان يعاشره ويدعوه، وكان الفتى نظيفا ظريفا، فاجتمعت معه مرارا في منزله، وكان عبد الصمد يعاشره، فكان الفتى يكاتمه أمره، ويحلف له أنّه لا يهواها، فدخلت عليهما ذات يوم بغتة، فبقي الفتى باهتا لا يتكلّم، وتغير لونه وتخلّج في كلامه، فقال عبد الصمد:
لسان الهوى ينطقومشهده يصدق
لقد نمّ هذا الهوىعليك وما يشفق
إذا لم تكن عاشقافقلبك لم يخفق
وما لك إمّا بدتتحار فلا تنطق
أشمس تجلّت لناأم القمر المشرق
الغناء في هذه الأبيات لرذاذ، ويقال للقاسم بن زرزور، رمل مطلق.
قال: ثم طال الأمر بينهما، فهربت إليه جملة، فقال عبد الصمد في ذلك:
إلى امرىء حازم ركبتأيّ امرىء عاجز تركت
فتنة ابن الجوهريّ لقدأظهرت نصحا وقد أفكت
أكذبتها عزمة ظهرتلا تبالي نفس من سفكت
ظفرت فيها بما هويتونجت من قرب من فركت
ثمّ خدود بعدها لطمتوجيوب بعدها هتكت
وعيون لا يرقّأن علىحسن وجه فاتهنّ بكت
خرجت والليل معتكرلم يهلها أيّة سلكت
وعيون النّاس قد هجعتودجى الظّلماء قد حلكت
لم تخف وجدا بعاشقهاحرمة الشّهر الّذي انتهكت
ورأت لمّا سقت كمداأنّها في دينها نسكت
ملّئت كفّ بها ظفرتدون هذا الخلق ما ملكت
أيّ ملك إذا خلا وخلتفشكا أشجانه وشكت
تجتلي من وجهه ذهباوهو يجلو فضّة فتكت
هكذا فعل الفتاة إذاهي في عشّاقها محكت
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني بعض أصحابنا قال: نظر عبد الصمد بن المعذّل إلى جار له يخطر في مشيته خطرة منكرة، وكان فقيرا رثّ الحال، فقال فيه:
يتمشّى في ثوب عصب من العرى على عظم ساقه مسدول
دبّ في رأسه خمار من الجوع سرى خمرة الرحيق الشمول
فبكى شجوه وحنّ إلى الخبز ونادى بزفرة وعويل
من لقلب متيّم برغيفين ونفس تاقت إلى طفشيل
ليس تسمو إلى الولائم نفسيجلّ قدر الأعراس عن تأميلي
هات لونا وقل لتلك تغنّيلست أبكي لدارسات الطّلول
أخبرنا سوّار بن أبي شراعة، قال: كان بالبصرة طفيليّ يكنّى أبا سلمة، وكان إذا بلغه خبر وليمة لبس لبس القضاة، وأخذ ابنيه معه وعليهما القلانس الطّوال، والطّيالسة الرقاق، فيقدّم ابنيه، فيدقّ الباب أحدهما ويقول: افتح يا غلام لأبي سلمة. ثم لا يلبث البواب حتى يتقدّم لآخر، فيقول: افح ويلك فقد جاء أبو سلمة. ويتلوهم، فيدقّون جميعا الباب، ويقولون: بادر ويلك، فإنّ أبا سلمة واقف. فإن لم يكن عرفهم فتح لهم، وهاب منظرهم، وإن كانت معرفته إياهم قد سبقت لم يلتفت إليهم، ومع كلّ واحد منهم فهر مدوّر يسمونه «كيسان»، فينتظرون حتّى يجيء بعض من دعي، فيفتح له الباب، فإذا فتح طرحوا الفهر في العتبة حيث يدور الباب، فلا يقدر البواب على غلقه، ويهجمون عليه فيدخلون. فأكل أبو سلمة يوما على بعض الموائد لقمة حارّة من فالوذج، وبلعها لشدّة حرارتها، فجمعت أحشاؤه فمات على المائدة، فقال عبد الصمد بن المعذل يرثيه:
أحزان نفسي عليها غير منصرمهوأدمعي من جفوني الدّهر منسجمه
على صديق ومولى لي فجعت بهما إن له في جميع الصالحين لمه
كم جفنة مثل جوف الحوض مترعةكوماء جاء بها طباخها رذمه
قد كلّلتها شحوم من قليتّهاومن سنام جزور عبطة سنمه
غيّبت عنها فلم تعرف له خبرالهفي عليك وويلي يا أبا سلمه
ولو تكون لها حيّا لما بعدتيوما عليك ولو في جاحم حطمه
قد كنت أعلم أنّ الأكل يقتلهلكنّني كنت أخشى ذاك من تخمه
إذا تعمّم في شبليه ثم غدافإنّ حوزة من يأتيه مصطلمه
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه، قال: كان عبد الصمد بن المعذل يتعشّق فتى من المغنين، يقال له: أحمد، فغاضبه الفتى وهجره، فكتب إليه:
صوت
سل جزعي مذ صددت عن حاليهل خطر الصبر على بالي
لا غيّر اللّه سوء فعلك بيإن كنت أعتبت فيك عذّالى
ولا ذممت البكالي عليك ولاحمدت حسن السلوّ من سال
لو كنت أبغي سواك ما جهلتنفسي أنّ الصّدود أعفى لي
لجحظة في هذه الأبيات رمل مطلق.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثني عليّ بن محمّد النّوفلي، فقال: هجا عبد الصمد بن المعذّل قينة بالبصرة قال فيها:
تفتّر عن مضحك السّدريّ إن ضحكتكرف الأتان رأت إدلاء أعيار
يفوح ريح كنيف من ترائبهاسوداء حالكة دهماء كالقار
قال: فكسدت واللّه تلك القينة بالبصرة، فلم تدع ولم تستتبع حتّى أخرجت عنها.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا المبرد، قال: كتب عبد الصمد بن المعذل إلى بعض الأمراء رقعة فلم يجبه عنها، لشيء كان بلغه عنه، فكتب إليه:
قد كتبت الكتاب ثم مضى اليوم ولم أدر ما جواب الكتاب
ليت شعري عن الأمير لماذالا يراني أهلا لردّ الجواب
لا تدعني وأنت رفّعت حاليذا انخفاض بهجرتي واجتنابي
إن أكن مذنبا فعندي رجوعوبلاء بالعذر والإعتاب
وأنا الصادق الوفاء وذو العهد الوثيق المؤكّد الأسباب
أخبرني الحرميّ بن عليّ، قال: حدّثني أبو الشبل، قال: كان بالبصرة رجل من ولد المهلّب بن أبي صفرة، يقال له: صبيانة، وكان له بستان سريّ في منزله، فكان يدعو الفتيات إليه، فلا يعطيهنّ شيئا من الدراهم، ويقصر بهن على ما يحملنه من البستان معهنّ، مثل الرّطب والبقول والرياحين، فقال فيه عبد الصمد قوله:
قوم زناة مالهم دراهمجذرهم النّمّام والحماحم
أنذل من تجمعه المواسمخسّوا وخسّت منهم المطاعم
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني سوّار بن أبي شراعة، وأخبرنا به سوار أجازة، قال: حدّثني أبي، قال: لمّا هجا الجماز عبد الصمد بن المعذّل جاءني فقال لي: أنقذني منه. فقلت له: أمثلك يفرق من الجماز؟
فقال: نعم، لأنه لا يبالي بالهجاء ولا يفرق منه، ولا عرض له، وشعره ينفق على من لا يدري. فلم أزل حتّى أصلحت بينهما بعد أن سار قوله فيه:
ابن المعذّل من هوومن أبوه المعذّل
سألت وهبان عنهفقال بيض محوّل
قال: وكان وهبان هذا رجلا يبيع الحمام، فجمع جماعة من أصحابه وجيرانه، وجعل يغشى المجالس، ويحلف أنّه ما قال: إن عبد الصمد بيض محوّل، ويسألهم أن يعتذروا إليه؛ فكان هذا منه قد صار بالبصرة طرفة ونادرة، فجاءني عبد الصمد يستغيث منه، ويقول لي: ألم أقل لك إنّ آفتي منه عظيمة، واللّه لدوران وهبان على النّاس يحلف لهم: إنه ما قال: إني بيض محوّل، أشدّ عليّ من هجائه لي. فبعثت إلى وهبان فأحضرته، وقلت له: يا هذا، قد علمنا أنّ الجماز قد كذب عليك، وعذرناك فنحبّ أن لا نتكلف العذر إلى الناس في أمرنا، فإنّا قد عذرناك. فانصرف وقد لقي عبد الصمد بلاء.
أخبرني محمّد بن جعفر الصيدلانيّ النحويّ صهر المبرد، قال: حدّثني إسحاق بن محمّد النخعي قال: قال لي أبو شراعة القيسيّ: بلغ أبا جعفر مضرطان أن عبد الصمد بن المعذّل هجاه، واجتمعا عند أبي وائلة السّدوسيّ، فقال له مضرطان: بلغني أنك هجوتني. فقال له عبد الصمد: من أنت حتى أهجوك؟ قال: هذا شرّ من الهجاء. فوثب إلى عبد الصّمد يضربه، فقال الحمدويّ، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه، وحمدويه جدّه، وهو الّذي كان يقتل الزنادقة:
ألذّ من صحبة القنانيأو اقتراح على قيان
لكز فتى من بني لكيزيهدى له أهون الهوان
أهوى له بازل خدبّيطحن قرنيه بالجران
فنال منه ثؤور قومباليد طورا وباللّسان
وكان يفسو فصار حقّايضرط من خوف مضرطان
قال: وبلغ عبد الصّمد شعر الحمدويّ، فقال: أنا له. ففزع الحمدويّ منه، فقال:
ترح طعنت به وهمّ واردإذ قيل إنّ ابن المعذّل واجد
هيهات أن أجد السّبيل إلى الكرىوابن المعذّل من مزاحي حارد
فرضي عنه عبد الصمد.
أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ قال: حدّثنا العنزيّ،. قال: حدّثني إبراهيم بن عقبة اليشكريّ، قال: قال لي عبد الصمد بن المعذل، هجاني الجماز ببيتين سخيفين فسارا في أفواه الناس، حتى لم يبق خاصّ ولا عامّ إلا رواهما، وهما:
ابن المعذل من هوومن أبوه المعذّل
سألت وهبان عنهفقال بيض محوّل
فقلت أنا فيه شعرا تركته يتحاجى فيه كلّ أحد، فما رواه أحد ولا فكّر فيه، وذلك لضعته، وهو قولي:
نسب الجمّاز مقصور إليه منتهاه
يتراءى نسب الناس فما يخفى سواه
يتحاجى في أبي الجمّاز من هو كاتباه
ليس يدري من أبو الجمّاز إلا من يراه
أخبرني الأخفش، قال: كان لعبد الصمد بستان نظيف عامر، فأنشدنا لنفسه فيه:
إذا لم يزرني ندمانيهخلوت فنادمت بستانيه
فنادمته خضرا مؤنقايهيّج لي ذكر أشجانيه
يقرّب مفرحة المستلذّويبعد همّي وأحزانيه
أرى فيه مثل مداري الظّباءتظلّ لأطلائها حانيه
ونور أقاح شتيت النباتكما ابتسمت عجبا غانيه
ونرجسه مثل عين الفتاةإلى وجه عاشقها رانيه
أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب، قال: كان يزيد بن عبد الملك المسمعيّ يهوى جارية من جواري القيان، يقال لها: عليم، وكان يعاشر عبد الصمد، ويزيد يومئذ شابّ حديث السن، وكان عبد الصمد يسمّيه ابني، ويسمّي الجارية ابنتي، فباع الفتى بستانا له في معقل، وضيعة بالقندل، فاشترى الجارية بثمنها، فقال عبد الصمد:
بنيّتي أصبحت عروساتهدى من ابني إلى عروس
زفّت إليه لخير وقتفاجتمعا ليلة الخميس
يا معشر العاشقين أنتمبالمنزل الأرذل الخسيس
يزيد أضحى لكم رئيسافاتّبعوا منهج الرئيس
من رام بلّا لرأس أيرذلّل نفسا بحلّ كيس
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني يزيد بن محمّد المهلبي، قال: بلغ عبد الصمد بن المعذل أنّ أبا قلابة الجرميّ تدسّس إلى الجماز لمّا بلغه تعرّضه له، وهجاؤه إياه، فحمله على الزيادة في ذلك، ويضمن له أن ينصره ويعاضده، وقد كان عبد الصمد هجا أبا قلابة حتّى أفحمه، فقال عبد الصمد فيهما:
يا من تركت بصخرةصمّاء هامته أميمه
إن الّذي عاضدتهأشبهته خلقا وشيمه
وكفعل جدّتك الحديثة فعل جدّته القديمه
فتناصرا، فابن اللئيمة ناصر لابن اللئيمه
حدّثني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني أبو العيناء، قال: كان لعبد الصّمد بن المعذّل صديق يعاشره ويأنس به، فتزوّج إليه أمير البصرة، وكان من ولد سليمان بن عليّ، فنبل الرّجل وعلا قدره، وولّاه المتزوّج إليه عملا، فكتب إليه عبد الصمد:
أحلت عمّا عهدت من أدبكأم نلت ملكا فتهت في كتبك
أم هل ترى أنّ في مناصفة الإخوان نقصا عليك في حسبك
أم كان ما كان منك عن غضبفأيّ شيء أدناك من غضبك
إنّ جفاء كتاب ذي ثقةيكون في صدره «وأمتع بك»
كيف بإنصافنا لديك وقدشاركت آل النبيّ في نسبك
قل للوفاء الّذي تقدّرهنفسك عندي مللت من طلبك
أتعبت كفّيك في مواصلتيحسبك ماذا كفيت من تعبك
كيف يحول الإخاء يا أمليوكلّ خير أنال من نسبك
إن يك جهل أتاك من قبليفامنن بفضل عليّ من أدبك
أنكرت شيئا فلست فاعلهولا تراه يخطّ في كتبك
حدّثني الأخفش، قال: حدّثنا المبرد، قال: كان لعبد الصمد بن المعذّل صديق كثير الكذب، كان معروفا بذلك، فوعده وعدا فأخلفه، ومطله به مطلا طويلا، فقال عبد الصمد:
لي صاحب في حديثه البركةيزيد عند السّكون والحركه
لو قال «لا» في قليل أحرفهالردّها بالحروف مشتبكه
أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدّثني سوّار بن أبي شراعة، قال: كان يحيى بن عبد السميع الهاشميّ يعاشر عبد الصمد بن المعذل، ويجتمعان في دار رجل من بني المنجاب له جارية مغنّية، وكان ينزل رحبة المنجاب بالبصرة، ثم استبدّ بها الهاشميّ دون عبد الصمد، فقال فيهم عبد الصمد:
قل ليحيى مللت من أحبابيفلينكهم ما شاء من أصحابي
قد تركنا تعشّق المرد لمّاأن بلونا تنعّم العزّاب
وشنئنا المؤاجرين فملنابعد خبر إلى وصال القحاب
حبّذا قينة لأهل بني المنجاب حلّت في رحبة المنجاب
صدّقت إذ يقول لي خلق الأحراح ليس الفقاح للأزباب
حبّذا تلك إذ تغنّيك يا يحيى وتسقيك من ثنايا عذاب
«ذكر القلب ذكرة أمّ زيدوالمطايا بالسّهب سهب الركاب»
حبّذا إذ ركبتها فتجافتتتشكى إليك عند الضّراب
وتغنّت وأنت تدفع فيهاغير ذي خيفة لهم وارتقاب
«إن جنبي عن الفراش لنابكتجافي الأسرّ فوق الظّراب»
ليت شعري هل أسمعنّ إذا مازاح عني وساوس الكتاب
من فتاة كأنها خوط بانمجّ فيها النعيم ماء الشباب
إذ تغنّيك خلف سجف رقيقنغمات تحبّها بصواب
شفّ عنها محقّق جنديّفهي كالشّمس من خلال سحاب
ربّ شعر قد قلته بتباهويغرّى به ذو والألباب
قد تركت الملحّنين إذا ماذكروه قاموا على الأدناب
قال: وشاعت الأبيات بالبصرة، فامتنع مولى الجارية من معاشرة الهاشميّ، وقطعه بعد ذلك.
أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ وأحمد بن يحيى بن علي بن يحيى، قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ، قال: حدّثني أحمد بن صالح الهاشميّ، قال: كان الحسين بن عبد اللّه بن العباس بن جعفر بن سلمان مائلا إلى عبد الصمد بن المعذّل، وكان عبد الصّمد يهجو هشاما الكرنباني، فجرى عن ابني هشام الكرنباني - وهما أبو وائلة وإبراهيم - وبين الحرّ بن عبد اللّه، لحاء في أمر عبد الصّمد، لأنّهما ذكراه وسبّاه، فامتعض له الحسين وسبّهما عنه، فرميا الحسين بابن المعذّل، ونسباه إلى أنّ عبد الصمد يرتكب القبيح، وبلغ الحسين ذلك، فلقيهما في سكة المربد، فشدّ عليهما بسوطه وهو راكب، فضربهما ضربا مبرّحا، وأفلت أبو وائلة، ووقع سبيب السّوط في عين إبراهيم، فأثر فيها أثرا قبيحا، فاستعان بمشيخة من آل سليمان بن علي، وهرب أبو وائلة إلى الأمير عليّ بن عيسى وهو والي البصرة، فوجّه معه بكاتبه ابن فراس إلى باب الحسين بن عبد اللّه، فطلبه وهرب حسين إلى المحدثة، فلما كان من الغد جاء حسين إلى صالح بن إسحاق بن سليمان، وإلى ابن يحيى بن جعفر بن سليمان، ومشيخة من آل سليمان، فصاروا معه إلى عليّ بن عيسى، وأقبل عبد الصمد بن المعذّل لما رآهم، فدخل معهم لنصرة حسين، فكلّموا عليّ بن عيسى في أمره وقام عبد الصمد، فقال: أصلح اللّه الأمير، هؤلاء أهلك، وأجلّة أهل مصرك، تصدّوا إليك في ابنهم وابن أخيهم، وهو وإن كان حدثا لا ينبسط للحجّة بحداثته، فإن هاهنا من يعبّر عنه، وقد قلت أبياتا، فإن رأى الأمير أن يأذن في إنشادها فعل. قال: قل. فأنشده عبد الصمد قوله:
يا ابن الخلائف وابن كلّ مباركرأس الدعائم سابق الأغصان
إنّ العلوج على ابن عمك أصفقوافأتوك عنه بأعظم البهتان
قرفوه عندك بالتعدّي ظالماوهم ابتدوه بأعظم العدوان
شتموا له عرضا أغرّ مهذّباأعراضهم أولى بكلّ هوان
وسموا بأجسام إليه مهينةوصلت بألأم أذرع وبنان
خلقت لمدّ القلس لا لتناولعرض الشّريف ولا لمدّ عنان
لم يحفظوا قرباه منك فينتهواإذ لم يهابوا حرمة السّلطان
أيذلّ مظلوما وجدّك جدهكيما يعزّ بذلّه علجان
وينال أقلف، كربلاء بلاده،ذلّ ابن عمّ خليفة الرحمن
إني أعيذك أن تنال بك الّتيتطغى العلوج بها على عدنان
فدعا عليّ بن عيسى حسينا، فضمّه إليه، فقال: انصرف مع مشايخك. ودعا بهشام الكرنباني وابنيه، فعذلهم في أمره، ثمّ أصلح بينهم بعد ذلك.
أخبرني عليّ بن سليمان، قال: حدّثنا محمّد بن يزيد، قال: كان عبد الصمد بن المعذّل يعاشر عبد اللّه بن المسيّب ويألفه، فبلغه أنّه اغتابه يوما وهو سكران، وعاب شيئا أنشده من شعره، فقال فيه وكتب بها إليه:
عتبي عليك مقارن العذرقد زال عند حفيظتي صبري
لك شافع منّى إليّ فمايقضي عليك بهفوة فكري
لمّا أتاني ما نطقت بهفي السّكر قلت جناية السكر
حاشا لعبد اللّه يذكرنيمستعذبا بنقيصتي ذكري
إن عاب شعري أو تحيّفهفليهنه ما عاب من شعري
يا ابن المسيب قد سبقت بماأصبحت مرتهنا به شكري
فمتى خمرت فأنت في سعةومتى هفوت فأنت في عذر
ترك العتاب إذا استحقّ أخمنك العتاب ذريعة الهجر
أخبرني الأخفش، قال: حدّثنا المبرّد، قال: دعا عبد الصمد بن المعدّل شروين المغنّي، وكان محسنا متقدّما في صناعته، فتعالل عليه ومضى إلى غيره، فقال عبد الصّمد: واللّه لأسمنّه ميسما لا يدعوه بعده أحد بالبصرة إلّا بعد أن يبذل عرضه وحريمه. فقال فيه:
من حلّ شروين له منزلافلتنهه الأولى عن الثانيه
فليس يدعوه إلى بيتهإلا فتى في بيته زانيه
فتحاماه أهل البصرة حتى اضطّر إلى أن خرج إلى بغداد وسرّ من رأى.
أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ وأحمد بن العباس العسكريّ، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدّثنا الفضل بن أبي جرزة، قال: كان أبو قلابة الجرميّ وعبد الصمد بن المعذّل وعبد اللّه بن محمّد بن أبي عيينة المهلّبيّ أرادوا المسير إلى بيت بحر البكراويّ، وكانت له جارية مغنية، يقال لها: جبلة، وكان أبو رهم إليها مائلا يتعشّقها، ثم اشتراها بعد ذلك، فلما أرادوا الدّخول إليها وافاهم أبو رهم، فأدخلوه وحده وحجبوهم، فانصرفوا إلى بستان ابن أبي عيينة، فقال أبو قلابة: لا بدّ أن نهجو أبا رهم. فقالوا: قل. فقال:
ألا قل لأبي رهمسيهوى نعتك الوصف
كما حالفك الغيّكذا جانبك الظّرف
أتانا أنه أهدىإلى بحر من الشّغف
حزيمات من الصيّرفهلّا معه رغف
فنادوا اقسمي فينافقد جاءكم اللّطف
فقال له عبد الصمد: سخنت عينك أيش هذا الشعر، بمثل هذا يهجى من يراد به الفضيحة. فقال أبو قلابة: هذا الّذي حضرني، فقل أنت ما يحضرك. فقال: أفعله وأجوّد. فكان هذا سبب هجاء عبد الصمد أبا رهم، وأوّل قصيدة هجاه بها قوله:
دعوا الإسلام وانتحلوا المجوساوألقوا الرّيط واشتملوا القلوسا
بني العبد المقيم بنهر تيرىلقد أنهضت طيركم نحوسا
حرام أن يبيت لكم نزيلفلا يمسي بأمّكم عروسا
إذا ركد الظلام رأت عسيلايحثّ على نداماه الكؤسا
ويذكرهم أبو رهم بهجوفيستدعي إلى الحرم النّفوسا
ويخليهم هشام بالغوانيويحمي الفضل بينهم الوطيسا
فتسمع في البيوت لهم هبيباكما أهملت في الزّرب التيوسا
لقد كان الزناة بلا رئيسفقد وجد الزناة بهم رئيسا
هم قبلوا الزّناء وأنشؤوهوهم وسموا بجبهته حبيسا
لئن لم تنف دعوتهم سدوسلقد أخزى الإله بهم سدوسا
وقال فيه:
لو جاد بالمال أبو رهمكجوده بالأخت والأمّ
أضحى وما يعرف مثل لهوقيل أسخى العرب والعجم
من برّ بالحرمة إخوانهأحقّ أن يشكر بالشتم
وله فيه من قصيدة طويلة:
هو واللّه منصفزوجه زوج زوجته
يقسم الأير عادلابين حرها وفقحته
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثنا العنزيّ، قال: حدّثني أبو الفضل بن عبدان، قال: خرج عبد الصمد بن المعذّل مع أهله إلى نزهة وقال:
قد نزلنا بروضة وغديروهجرنا القصر المنيف المشيدا
بعريش ترى من الزاد فيهزكرتي خمرة وصقرا صيودا
وغريرين يطربان الندامىكلما قلت أبديا وأعيدا
غنّياني، فغنّياني بلحنسلس الرّجع يصدع الجلمودا
«لا ذعرت السّوام في فلق الصّبح مغيرا ولا دعيت يزيدا»
حيّ ذا الزور وانهه أن يعوداإنّ بالباب حارسين قعودا
من يزرنا يجد شواء حبارىوقديرا رخصا وخمرا عتيدا
وكراما معذّلين وبيضاخلعوا العذر يسحبون البرودا
لست عن ذا بمقصر ما جزائيقرّبت لي كريمة عنقودا
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثنا محمّد بن يزيد المبرد، قال: نظر عبد الصمد بن المعذّل إلى الأفشين بسرّ من رأى وهو غلام أمرد، وكان من أحسن الناس، وهو واقف على باب الخليفة مع أولاد القوّاد، فأنشدنا لنفسه فيه، قال:
أيها اللاحظي بطرف كليلهل إلى الوصل بيننا من سبيل
علم اللّه أنني أتمنيزورة منك عند وقت المقيل
بعد ما قد غدوت في القرطق الجون تهادى وفي الحسام الصقيل
وتكفّيت في المواكب تختال عليها تميل كلّ مميل
وأطلت الوقوف منك بباب القصر تلهو بكلّ قال وقيل
وتحدّثت في مطاردة الصّيد بخبر به ورأى أصيل
ثمّ نازعت في السنان وفي الرمح وعلم بمرهفات النصول
وتكلّمت في الطّراد وفي الطّعن ووثب على صعاب الخيول
فإذا ما تفرّق القوم أقبلت كريحانة دنت لذبول
قد كساك الغبار منه رداءفوق صدغ وجفن طرف كحيل
وبدت وردة القسامة من خدّك في مشرق نقي أسيل
ترشح المسك منه سالفة الظبي وجيد الأدمانة العطبول
فأسوف الغبار ساعة ألقاك برشف الخدّين والتقبيل
وأحلّ القباء والسّيف من خصرك رفقا باللّطف والتعليل
ثم تؤتى بما هويت من التّشريف عندي والبر والتبجيل
ثم أجلوك كالعروس على الشّرب تهادى في مجسد مصقول
ثم أسقيك بعد شربي من ريقك كأسا من الرحيق الشمول
وأغنّيك إن هويت غناءغير مستكره ولا مملول
لا يزال الخلخال فوق الحشايامثل أثناء حية مقتول
فإذا ارتاحت النفوس اشتياقاوتمنّى الخليل قرب الخليل
كان ما كان بيننا، لا أسمّيه ولكنّه شفاء الغليل
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثني الحسن بن عليل العنزيّ والمبرّد وغيرهما، قالوا: كانت متيّم جارية لبعض وجوه أهل البصرة، فعلقها عبد الصّمد بن المعذّل، وكانت لا تخرج إلا منتقبة، فخرج عبد الصمد يوما إلى نزهة، وقدمت متيّم إلى عبيد اللّه بن الحسن بن أبي الحرّ القاضي، فاحتاج إلى أن يشهد عليها، فأمرها بأن تسفر، فلما قدم عبد الصمد قيل له: لو رأيت متيّم وقد أسفرها القاضي لرأيت شيئا حسنا لم ير مثله. فقال عبد الصمد قوله:
ولما سرت عنها القناع متيمتروّح منها العنبريّ متيمّا
رأى ابن عبيد اللّه محكّمعليها لها طرفا عليه محكّما
وكان قديما كالح الوجه عابسافلما رأى منها السفور تبسّما
فإن يصب قلب العنبريّ فقبلهصبا باليتامى قلب يحيى بن أكثما
فبلغ قوله يحيى بن أكثم، فكتب إليه: عليك لعنة اللّه، أيّ شيء أردت منّي حتى أتاني شعرك من البصرة؟ فقال لرسوله: قل له: متيّم أقعدتك على طريق القافية!
أخبرني عمي، قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر، قال: حدّثني عبد اللّه بن أحمد العبديّ، قال: حدّثني الأنيسيّ، قال: كنت عند إسحاق بن إبراهيم وزاره أحمد بن المعذّل، وكان خرج من البصرة على أن يغزو، فلما دخل على إسحاق بن إبراهيم أنشده:
أفضلت نعمي على قوم رعيت لهمحقا قديما من الودّ الّذي درسا
وحرمة القصد بالأمال إنّهمأتوا سواك فما لاقوا به أنسا
لأنت أكرم منه عند رفعتهقولا وفعلا وأخلاقا ومغترسا
فأمر له بخمسمائة دينار، فقبضها ورجع إلى البصرة، وكان خرج عنها ليجاور في الثّغر، وبلغ عبد الصمد خبره، فقال فيه:
يرى الغزاة بأنّ اللّه همّتهوإنما كان يغزو كيس إسحاق
فباع زهدا ثوابا لا نفاد لهوابتاع عاجل رفد القوم بالباقي
فبلغ إسحاق بن إبراهيم قوله، فقال: قد مسّنا أبو السمّ عبد الصمد بشيء من هجائه. وبعث إليه بمائة دينار، فقال له موسى بن صالح: أبى الأمير إلّا كرما وظرفا.
أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليل، قال: حدّثني الحسن الأسدي، قال: قدم أبو نبقة من البحرين وقد أهدى إلى قوم من أهل البصرة هداياه، ولم يهد إلى عبد الصّمد شيئا فكتب إليه:
أما كان في قسب اليمامة والتمروفي أدم البحرين والنّبق الصّفر
ولا في مناديل قسمت طريفهاوأهديتها حظّ لنا يا أبا بكر
سرت نحو أقوام فلا هنأتهمولم ينتصف منها المقلّ ولا المثري
أأنت إلى طالوت ذي الوفر والغنىوآل أبي حرب ذوي النّشب الدثر
ولم تأتني ولا الرياشيّ تمرةغصصت بباقي ما ادّخرت من التمر
ولم يعط منها النهشليّ إداوةتكون له في القيظ ذخرا مدى الدهر
أقول لفتيان طويت لطيّهمعرى البيد، منشور المخافة والذعر
لئن حكّم السدريّ بالعدل فيكملما أنصف السدريّ في ثمر السدر
لئن لم تكن عيناك عذرك لم تكنلدينا بمحمود ولا ظاهر العذر
أخبرنا الحسن بن عليل، قال: حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبي، قال: وقع بين أبي وبين عبد الصمد بن المعذل تباعد، فهجاه ونسبه إلى الشؤم، وكان يقال ذلك في عبد الصمد، فقال فيه:
يقول ذوو التّشؤّم ما لقيناكما لقي ابن سهل من يزيد
أتته منيّة المأمون لمّاأتاه يزيد من بلد بعيد
فصيّر منه عسكره خلاءوفرّق عنه أفواج الجنود
فقلت لهم وكم مشؤوم قومأباد لهم عديدا من عديد
رأيت ابن المعذّل يال عمروبشؤم كان أسرع في سعيد
فمنه موت جلّة آل سلمومنه قض آجام البريد
ولم ينزل بدار ثم يمسيولمّا يستمع لطم الخدود
وكلّ مديح قوم قال فيهمفإنّ بعقبه «يا عين جودي»
إذا رجل تسمّع منه مدحاتنسّم منه رائحة الصعيد
فلو حصف الذين يبيح فيهمأثاروا منه رائحة الطريد
فليس العزّ يمنع منه شؤماولا عتبا بأبواب الحديد
حدّثني الأخفش، قال: حدّثنا المبرد، قال: مرّ أحمد بن المعذل بأخيه عبد الصمد وهو يخطر، فأنشأ يقول:
إن هذا يرى أرىأنّه ابن المهلّب
أنت واللّه معجبولنا غير معجب
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا أبي وغيره، وحدّثني به بعض آل المعذّل، قال: مرّ عبد الصمد بن المعذل بغلام يقال له: المغيرة، حسن الصوت حسن الوجه، وهو يقرأ ويقول القصائد، فأعجب به، وقال فيه:
أيها الرافع في المسجد بالصّوت العقيره
قتلتني عينك النّجلاء، والقتل كبيره
أيّها الحكام أنتمفاصلو حكم العشيره
أحلالا ما بقلبيصنعت عينا مغيره
أخبرني الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثنا زكريا بن مهران بن يحيى، قال: جاءنا عبد الصمد بن المعذّل إلى منزل محمّد بن عمر الجرجرائيّ، فأنشدنا قصيدة له في صفة الحمّى، فقال لي محمّد بن عمر: امض إلى منزل عبد الصمد حتى تكتبها. فمضيت إليه حتى كتبتها، وهي:
هجرت الصّبا ايّما هجرهوعفت الغواني والخمره
طوتني عن وصلها سكرهبكأس الضّنا ايّما سكره
أخبرني الحسن بن عليّ، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني عبد اللّه بن يزيد الكاتب، قال: جمع بين أبي تمّام الطائيّ وبين عبد الصمد بن المعذّل مجلس، وكان عبد الصمد سريعا في قول الشعر، وكان في أبي تمام إبطاء، فأخذ عبد الصمد القرطاس وكتب فيه:
أنت بين اثنتين تبرز للناس، وكلتاهما بوجه مذال
لست تنفكّ طالبا لوصلمن حبيب أو طالبا لنوال
أي ماء لحرّ وجهك يبقىبين ذلّ الهوى وذل السؤال
قال: فأخذ أبو تمام القرطاس وخلا طويلا، وجاء به وقد كتب فيه:
أفيّ تنظم قول الزّور والفندوأنت أبرز من لا شيء في العدد
أشرجت قلبك من بغضي على حرقكأنّها حركات أرّوح في الجسد
فقال له عبد الصمد: يا ماصّ بظر أمّه، يا غثّ، أخبرّني عن قولك «أنزر من لا شي ء»، واخبرني عن قولك «اشرجت قلبك»، قلبي مفرش أو عيبة أو حرج فأشرجه، عليك لعنة اللّه فما رأيت أغثّ منك. فانقطع أبو تمام انقطاعا ما يرى أقبح منه، وقام فانصرف، وما راجعه بحرف.
قال أبو الفرج الأصبهاني: كان في ابن مهرويه تحامل على أبي تمّام لا يضرّ أبا تمام هذا منه، وما أقلّ ما يقدح مثل هذا في مثل أبي تمام.
أخبرني هاشم بن محمّد الخزاعي، قال: حدّثني العنزي، قال: كان عبد الصمد بن المعذّل يستثقل رجلا من ولد جعفر بن سليمان بن عليّ يعرف بالفرّاش، وكان له ابن أثقل منه، وكانا يفطران عند المنذر بن عمرو - وكان يخلف بعض أمراء البصرة - وكان الفرّاش هذا يصلّي به، ثم يجلس فيفطر هو وابنه عنده، فلما مضى شهر رمضان انقطع ذلك عنهما، فقال عبد الصمد بن المعذّل:
غدر الزمان وليته لم يغدروحدا بشهر الصوم فطر المفطر
وثوت بقلبك يا محمّد لوعةتمري بوادر دمعك المتحدر
وتقسمتك صبابتان لبينهأسف المشوق وخلّة المتفكر
فاستبق عينك واحش قلبك يأسهواقر السلام على خوان المنذر
سقيا لدهرك إذ تروّح يومهوالشّمس في علياء لم تتهوّر
حتّى تنيخ بكلكل متزاوروتمد بلعوما قموص الحنجر
وترود منك على الخوان أناملتدع الخوان سراب قاع مقفر
ويح الصّحاف من ابن فرّاش إذاأنحى عليها كالهزبر الهيصر
ذو دربة طبّ إذا لمعت لهبثر الخوان بدا بحلّ المئزر
ودّ ابن فرّاش وفرّاش معالو أنّ شهر الصوم مدّة أشهر
يزرى على الإسلام قلّة صبرهوتراه يحمد عدّة المتنصّر
لا تهلكنّ على الصّيام صبابةسيعود شهرك قابلا فاستبشر
لا درّ درّك يا محمّد من فتىشين المغيب وغير زين المحضر
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني محمّد البصريّ وكان جارا لعبد الصمد بن المعذّل، قال: كان يزيد بن محمّد المهلبيّ يعادي عبد الصمد ويهاجيه ويسابّه، ويرمي كلّ واحد منهما صاحبه بالشّؤم، وكان يزيد بالبصرة وأبوه يتولّى نهر تيرى ونواحيها، فقال عبد الصمد يهجوه:
أبوك أمير قرية نهر تيرىولست على نسائك بالأمير
وأرزاق العباد على آلهلهم وعليك أرزاق الأيور
فكم في رزق ربك من فقيروما في أهل رزقك من فقير
أخبرني محمّد بن خلف بن المرزبان، قال: حدّثني محمّد بن عبد الرحمن، قال: حدّثني أحمد بن منصور، قال: شرب علي بن عيسى بن جعفر وهو أمير البصرة الدّهن، فدخل إليه عبد الصّمد بن المعذّل بعد خروجه عنه، فأنشده قوله:
بأيمن طائر وأسر فالوأعلى رتبة وأجلّ حال
شربت الدهن ثم خرجت عنهخروج المشرفيّ من الصقال
تكشف عنك ما عانيت عنهكما انكشف الغمام عن الهلال
وقد أهديت ريحانا طريفابه حاجيت مستمعا سؤالي
وما هو غير ياء بعد حاءوقد سبقا بميم قبل دال
وريحان الشباب يعيش يوماوليس يموت ريحان المقال
ولم يك مؤثرا تفّاح شمّعلى تفّاح أسماع الرجال
أخبرني جحظة، قال: حدّثني ميمون بن مهران، قال: حدّثني أحمد بن المغيرة العجليّ، قال: كنت عند أبي سهل الإسكافيّ وعنده عبد الصمد بن المعذّل، فرفع إليه رجل رقعة، فقرأها فإذا فيها:
هذا الرحيل فهل في حاجتي نظرأو لا فاعلم ما آتي وما أذر
فدفعها إلى عبد الصمد، وقال: الجواب عليك. فكتب فيها:
النفس تسخو ولكن يمنع العسروالحرّ يعذر من بالعسر يعتذر
ثم قال عبد الصمد لعليّ بن سهل: هذا الجواب قولا، وعليك أعزك اللّه الجواب فعلا، ونجح سعي الآمل حقّ واجب على مثلك. فاستحيا وأمر للرجل بمائة دينار.
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وعلي بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمّد بن يزيد الأزدي، قال: كان لابن المعذّل ابن ثقيل تيّاه الذّهاب بنفسه، وكان مبغضا عند أهل البصرة، فمرّ يوما بعمّه عبد الصمد، فلما رآه قال لمن معه:
إن هذا يرى أرىأنّه ابن المهلّب
أنت واللّه معجبولنا غير معجب
قال: وقال فيه أيضا:
لو كان يعطى المنى الأعمام في ابن أخأصبحت في جوف قرقور إلى الصين
قد كان همّا طويلا لا يقام لهلو كان رؤيتنا إياك في الحين
فكيف بالصّبر إذ أصبحت أكثر فيمجال أعيننا من رمل يبرين
يا أبغض النّاس في عسر وميسرةوأقذر الناس في دنيا وفي دين
لو شاء ربّي لأضحى واهبا لأخيبمدّ ثكلك أجرا غير ممنون
وكان خيرا له لو كان مؤتزرافي السّالفات على غرمول عنّين
وقائل لي ما أضناك قلت لهشخص ترى وجهه عيني فيضنيني
إن القلوب لتطوى منك يا ابن أخيإذا رأتك على مثل السّكاكين
صوت
أتتك العيس تنفخ في براهاتكشّف عن مناكبها القطوع
بأبيض من أمية مضرحيّكأن جبينه سيف صنيع
الشعر لعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص، والغناء لابن المهربد، رمل بالبنصر عن الهشامي. واللّه أعلم.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع