من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
أبيات للخنساء فى مدح أخيها، ثم استطراد لذكر أبيات تشبهها
قال سيدنا الشريف الأجلّ المرتضى، أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن قول الخنساء، وقد قيل لها: ما مدحت أخاك حتّى هجّنت أباك، فقالت:
جارى أباه فأقبلا وهمايتعاوران ملاءة الحضر
حتّى إذا نزت القلوب وقدلزّت هناك العذر بالعذر
وعلا هتاف الناس: أيّهما؟قال المجيب هناك: لا أدرى
برزت صفيحة وجه والدهومضى على غلوائه يجرى
أولى فأولى أن يساويهلولا جلال السّنّ والكبر
وهما كأنّهما وقد برزاصقران قد حطّا إلى وكر
ويقال: إنه قيل لأبى عبيدة: ليس هذه الأبيات فى مجموع شعر الخنساء، فقال أبو عبيدة: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل ذلك.
ولعمرى إنها قد بلغت فى مدح أخيها من غير إزراء على أبيها/ النهاية، لأنها جعلت تقدّم أبيه له عن قدرة منه على المساواة، وعن غير تقصير منه، وإنما أفرج له عن السبق معرفة بحقه، وتسليما لكبره وسنه، وكأنّ الخنساء نظرت فى هذا المعنى إلى قول زهير يصف حمار وحش:
فشجّ بها الأماعز فهى تهوىهوىّ الدّلو أسلمها الرّشاء
فليس لحاقه كلحاق إلفولا كنجائها منه نجاء
يقدّمه إذا احتفلت عليهاتمام السّنّ منه والذّكاء
ويشبه أن يكون الكميت أخذ من الخنساء قوله فى مخلد بن يزيد بن المهلّب:
ما إن أرى كأبيك أدرك شأوهأحد ومثلك طالبا لم يلحق
تتجاذبان؛ له فضيلة سنّهوتلوت بعد مصلّيا لم تسبق
إن تنزعا وله فضيلة سبقهفبمثل شأو أبيك لم يتعلّق
ولئن لحقت به على ما قد مضىمن بعد غايته فأحج وأخلق
ويشبه هذا المعنى قول المؤمّل بن أميل الكوفىّ المحاربىّ يمدح المهدىّ فى حياة المنصور:
لئن فتّ الملوك وقد توافواإليك من السّهولة والوعور
لقد فات الملوك أبوك حتّىبقوا من بين كأب أو حسير
وجئت وراءه تجرى حثيثاوما بك حيث تجرى من فتور
فقال النّاس ما من ذين إلّابمنزلة الخليق من الجدير
فإن سبق الكبير فأهل سبقله فضل الكبير على الصّغير
وإن بلغ الصّغير مدى كبيرفقد خلق الصّغير من الكبير
ومن هذا المعنى قول الشاعر:
جياد جرت فى حلبة فتفاضلتعلى قدر الأسنان والعرق واحد
وممّا له بهذا المعنى بعض الشّبه، وإن لم يذكر فيه السّن وتفضيل الكبر قول زهير:
/ هو الجواد فإن يلحق بشأوهماعلى تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلفمثل ما قدّما من صالح سبقا
وروى أنه عرضت على جعفر بن يحيى بن خالد البرمكيّ جارية شاعرة، فأراد أن يبلوها فقال لها: قولى فى معنى بيتى زهير اللذين ذكرناهما، فقالت:
بلغت- أو كدت- يحيى أو لحقت بهفنلتما خالدا فى شأو مستبق
لكن مضى وتلا يحيى فأنت لهتال تعلّلت دون الرّكض بالعنق
ومن أحسن ما قيل فى المساواة والمقاربة- وهو داخل فى هذا المعنى، مناسب له- قول عبّاد ابن شبل:
إذا اخترت من قوم خيار خيارهمفكلّ بنى عبد المدان خيار
جروا بعنان واحد فضل بينهمبأن قيل قد فات العذار عذار
وقول الكميت بن زيد:
مصلّ أباه له سابقبأن قيل فات العذار العذارا
ومثله قول العتّابىّ- وهو مليح جدا:
كما تقاذف جرد فى أعنّتهاسبقا بآذانها مرّا وبالعذر
وأول من سبق إلى هذا المعنى زهير فى قوله يصف مطايرة البازى القطاة ومقاربته لها:
دون السّماء وفوق الأرض قدرهماعند الذّنابى فلا فوت ولا درك
وقد لحظ أبو نواس هذا المعنى فى قوله يمدح الفضل بن الربيع، ويذكر مقاربته لأبيه فى الفضل والسؤدد:
ثمّ جرى الفضل فانثنى قدمادون مداه من غير ترهيق
فقيل رشا سهما يراد به الغاية والنّصل سابق الفوق
ويشاكل ذلك قول البحترىّ فى ابن أبى سعيد الثّغريّ:
جدّ كجدّ أبى سعيد إنّهترك السّماك كأنه لم يشرف
قاسمته أخلاقه وهى الرّدىللمعتدى، وهى النّدى للمعتفى
/ فإذا جرى من غاية وجريت منأخرى التقى شأوا كما فى المنصف
ويشبهه أيضا قوله:
وإذا رأيت شمائل ابنى صاعدأدّت إليك شمائل ابنى مخلد
كالفرقدين إذا تأمّل ناظرلم يعل موضع فرقد عن فرقد
فأما قول الخنساء: «يتعاوران ملاءة الحضر»، فهى تعنى بالملاءة الغبار، وإنّ عدىّ بن الرّقاع كأنه نظر إليها فى قوله يصف حمارا وأتانا:
يتعاوران من الغبار ملاءةبيضاء محدثة هما نسجاها
تطوى إذا وطئا مكانا جاسياوإذا السّنابك أسهلت نشراها
وهذا المعنى، وإن كان هو معنى الخنساء بعينه فقد زاد فى استيفائه عليها زيادة ظاهرة، صار من أجلها بالمعنى أحقّ منها. وقد ابتدأ بهذا المعنى رجل من بنى عقيل فقال من قصيدة:
يثيران من نسج التّراب عليهماقميصين أسمالا ويرتديان
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع