من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ فقال: كيف يجوز أن يكونوا فى الآخرة عميا، وقد تظاهر الخبر عن الرسول عليه وآله السلام بأنّ الخلق يحشرون كما بدئوا سالمين من الآفات والعاهات، قال الله تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ؛، وقال ﷿: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ؛، وقال جلّ وعلا: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ؛.
الجواب، يقال فى هذه الآية أربعة أجوبة:
أحدها أن يكون العمى الأول إنما هو عن تأمّل الآيات، والنظر فى الدّلالات والعبر التى أراها الله المكلّفين فى أنفسهم وفيما يشاهدون، ويكون العمى الثانى هو عن الإيمان بالآخرة، والإقرار/ بما يجازى به المكلّفون فيها من ثواب أو عقاب، وقد قال قوم:
إن الآية متعلّقة بما قبلها من قوله تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ؛ إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا؛، ثم قال بعد ذلك: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا؛ يعنى فى هذه النعم، وعن هذه العبر، فهو فى الآخرة أعمى؛ أى هو عمّا غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى، ويكون قوله: فِي هذِهِ كناية عن النّعم لا عن الدنيا ويقال: إن ابن عباس رحمة الله عليه سأله سائل عن هذه الآية فقال له: اتل ما قبلها، ونبّهه على التأويل الّذي ذكرناه.
والجواب الثانى: مَنْ كانَ فِي هذِهِ يعنى الدنيا أَعْمى عن الإيمان بالله والمعرفة بما أوجب عليه المعرفة به؛ فهو فى الآخرة أعمى عن الجنة والثواب؛ بمعنى أنه لا يهتدى إلى طريقيهما، ولا يوصل إليهما، أو عن الحجة إذا سوئل وووقف، ومعلوم أن من ضلّ عن معرفة الله تعالى والإيمان به يكون فى القيامة منقطع الحجة، مفقود المعاذير.
والجواب الثالث: أن يكون العمى الأول عن المعرفة والإيمان، والثانى بمعنى المبالغة فى الإخبار عن عظم ما يناله هؤلاء الكفار الجهال من الخوف والغم والحزن الّذي أزاله الله عن المؤمنين العارفين بقوله: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ؛، ومن عادة العرب أن تسمّى من اشتد همّه وقوى حزنه أعمى سخين العين، ويصفون المسرور بأنّه قرير العين، قال الله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ؛.
والجواب الرابع: أن العمى الأول يكون عن الإيمان، والثانى هو الآفة فى العين على سبيل العقوبة؛ كما قال الله تعالى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً. قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى؛. ومن يجيب بهذا الجواب يتأول قوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ على أن المعنى/ فيه الإخبار عن الاقتدار وعدم المشقّة فى الإعادة؛ كما أنها معدومة فى الابتداء، ويجعل ذلك نظيرا لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ؛، ويتأول قوله تعالى فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ على أن معناه الإخبار عن قوة المعرفة، وأن الجاهل بالله فى الدنيا يكون عارفا به فى الآخرة؛ والعرب
تقول: فلان بصير بهذا الأمر؛ وزيد أبصر بكذا من عمرو، ولا يريدون إبصار العين، بل العلم والمعرفة؛ ويشهد بهذا التأويل قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، أى: كنت غافلا عمّا أنت الآن عارف به، فلما أن كشفنا عنك الغطاء بأن أعلمناك وفعلنا فى قلبك المعرفة عرفت وعلمت.
فأما الخبر الّذي تدّعى روايته فهو خبر واحد، ولا حجة فى مثله؛ وإذا عرف لفظه ربما أمكن تأوله على ما يطابق هذا الجواب، ومن ذهب إلى الأجوبة الأول يجعل العمى الأول والثانى معا غير الآفة فى العين، فإن عورض بقوله تعالى: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى تأوّله على العمى عن الثواب أو عن الحجة، وقال فى قوله تعالى: لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً إن معناه: كنت بصيرا فى اعتقادى وظنّى، من حيث كنت أرجو الهداية إلى الثواب وطريق الجنة.
والمحصّل من هذه الجملة أنه لا يجوز أن يراد بالعمى الأول والثانى جميعا الآفة فى العين؛ لأنه يؤدى إلى أن كلّ من كان مئوف البصر فى الدنيا؛ من مؤمن وكافر وطائع وعاص يكون كذلك فى الآخرة، وهذا باطل وبمثله يبطل أن يراد بلفظة الْأَعْمى الثانية المبالغة بمعنى أفضل من فلان، ويبطله أيضا أن العمى الّذي هو الخلقة لا يتعجب منه بلفظة «أفعل» وإنما يقال: ما أشدّ عماه! ولا يجوز أن يراد بالعمى الأول العين والثانى العمى عن الثواب والجنة أو الحجة، لأنا نعلم أنّ فيمن عميت عينه فى الدنيا من يستحق الثواب، ويوصل إليه، ولا يجوز أن يراد بالأول والثانى العمى عن المعرفة والإيمان، لا على طريقة المبالغة والتعجب/ ولا على غير ذلك؛ لأنا نعلم أنّ الجهال بالله تعالى، المعرضين فى الدنيا عن معرفته
لا يجوز أن يكونوا فى الآخرة كذلك؛ فضلا أن يكونوا على أبلغ من هذه الحالة لأن المعارف فى الآخرة ضرورية، يشترك فيها جميع الناس، فلم يبق بعد الّذي أبطلناه إلا ما دخل فى الأجوبة. وعلى الأجوبة الثلاثة الأول إذا أريد بأعمى الثانية المبالغة والتعجب كان فى موضعه؛ لأن عمى القلب وضلاله يتعجب منه بلفظة «أفعل» وإن لم يجز ذلك فى عمى الجارحة.
ولمن أجاب بالجواب الرابع ألّا يجعل قوله تعالى: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى لفظة تعجب، بل يجعله إخبارا عن عماه من غير تعجّب، وإن عطف عليه بقوله تعالى: وَأَضَلُّ سَبِيلًا ويكون تقدير الكلام: ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وهو أضل سبيلا.
فإن قيل: ولم أنكرتم التعجب من الخلق بلفظة «أفعل»؟. قلنا: قد قال النحويون فى ذلك: إن الألوان والعيوب لا يتعجّب منها بلفظ التعجّب وإنما يعدل فيها إلى أشدّ وأظهر وما جرى مجراهما؛ قالوا: لأن العيوب والألوان قد ضارعت الأسماء، وصارت خلقة كاليد والرّجل ونحو ذلك؛ فلا يقال: ما أسوده وما أعوره، كما لا يقال: ما أيداه وما أرجله؛ ويقال: ما أشدّ سواده! كما يقال: ما أشدّ يده ورجله! واعتلوا بعلة أخرى، قالوا: إن الفعل من الألوان والعيوب على «افعلّ» و «افعالّ»، نحو احمرّ واعورّ واحولّ واحوالّ، والتعجب لا يدخل فيما زاد على ثلاثة أحرف من الأفعال؛ ألا ترى أنه لا يدخل فى انطلق واستخرج ودحرج لزيادته على ثلاثة أحرف؟
فإن قيل لهم فقد قالوا: عورت عينه وحولت، قالوا: هذا منقول من «افعلّ» وهو فى الحكم زائد على ثلاثة أحرف، يدلّ
على ذلك صحة الواو فيه؛ كما صحت فى اسودّ وابيضّ ولولا أنه منقول منه لا عتلت الواو، فقلت: عارت وحالت، كما قيل: خاف وهاب.
وحكى عن الفرّاء فى ذلك جوابان: أحدهما أنّ «أفعل» فى التعجب فيه زيادة على وصف قبله إذا قال القائل أفضل وأجمل، فهو أزيد فى الوصف من جميل وفاضل، فلم يقولوا: ما أبيض زيدا! لئلا يسقط/ التزيد، ولا يكون قبل أبيض وصف يزيد أبيض عليه، يخالف لفظه لفظه؛ كما خالف أفضل وأجمل فاضلا وجميلا، فلما فاتهم فى أبيض وأحمر علم التزيد أدخلوا عليه ما تبين الزيادة فيه، وقالوا: ما أظهر حمرة زيد: وما أشد سواد عمرو! لأن «أظهر» يزيد على ظاهر، و «أشد» يزيد على شديد.
والجواب الآخر أنّ التعجب مبنىّ على زيادة فصلح أن يتقدّمها نقص وتقصير عن بلوغ التناهى، فقالوا: ما أعلم زيدا! ليدلّوا على زيادة علمه؛ لأنهم فى قولهم: عالم وعليم لم يبلغوا فى التناهى مبلغ «أعلم»، ولم يقولوا: ما أبيض زيدا! لأن البياض لا تأتى منه زيادة بعد نقص، فعدلوا إلى التعجب بأشدّ وأبين وما جرى مجراهما، وهذا الجواب ليس بسديد؛ لأنّ الألوان قد تتأتّى فيها الزيادة بعد نقص، وقد تدخل فيها المفاضلة، ألا ترى أنّ ما حلّه قليل أجزاء البياض يكون أنقص حالا فى البياض مما حلّه الكثير من الأجزاء!
والجواب الأول الّذي حكيناه عن الفراء أصوب، وإن كان ما قدمناه عن البصريين هو المعتمد وقد أنشد بعضهم معترضا على ما ذكرناه قول الشاعر:
يا ليتنى مثلك فى البياضأبيض من أخت بنى إباض
وأنشدوا أيضا قول الشاعر:
أمّا الملوك فأنت اليوم ألأمهملؤما وأبيضهم سربال طبّاخ
فأما البيت الأول فإن أبا العباس المبرّد حمله على الشذوذ، وقال: إنّ الشاذّ النادر لا يطعن فى المعمول عليه، والمتفق على صحته، ويجوز أيضا أن يقال فى البيت الثانى مثل ذلك، وقد قيل فى البيت الثانى إنّ أبيض فيه ليس هو الّذي للمفاضلة، وإنما هو أفعل الّذي مؤنثه فعلاء، كقولك أبيض وبيضاء؛ ويجرى ذلك مجرى قولهم هو حسن [القوم وجها، وشريفهم] خلقا؛ فكأنّ الشاعر قال: ومبيضّهم، فلما أضافه انتصب ما بعده لتمام الاسم، وهذا أحسن من حمله على الشذوذ.
ويمكن فيه وجه آخر وهو أنّ أبيض فى البيت وإن كان فى الظاهر عبارة عن اللون فهو فى المعنى/ كناية عن اللؤم والبخل، فحمل لفظ التعجب على المعنى دون اللفظ،
ولو أراد بأبيضهم بياض الثوب ونقاءه على الحقيقة لما جاز أن يتعجب بلفظة «أفعل»، فالذى جوّز تعجّبه بهذه
اللفظة ما ذكرناه.
فأما قول المتنبى:
ابعد بعدت بياضا لا بياض لهلأنت أسود فى عينى من الظّلم
فقد قيل فيه إن قوله: «لأنت أسود فى عينى» كلام تام، ثم قال: «من الظلم» أى من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرار، ولئيم من لئام؛ أى من جملتهم، وقال الشاعر:
وأبيض من ماء الحديد كأنّهشهاب بدا واللّيل داج عساكره
كأنه قال: وأبيض كائن من ماء الحديد، وقوله: «من ماء الحديد» وصف لأبيض، وليس يتّصل به كاتصال «من» بأفضل فى قولك: هو أفضل من زيد، ولفظة «من» فى بيت المتنبى مرفوعة الموضع، لأنها وصف لأسود؛ وإذا أريد المفاضلة والتعجب كانت منصوبة الموضع بأسود كما تقول زيد خير منك، فمنك فى موضع نصب بخير، كأنه قال: قد خارك يخيرك، أى فضلك فى الخير؛ وهذا التأويل المذكور فى بيت المتنبى يمكن أن يقال فى قول الشاعر:
أبيض من أخت بنى إباض
ويحمل على أنه أراد من جملتها ومن قومها، ولم يرد التعجب وتأوّله على هذا الوجه أولى من حمله على الشذوذ، فأما قول المتنبّي:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له
فالمعنى الظاهر للناس فيه أنه أراد: لا ضياء له ولا نور ولا إشراق، من حيث كان حلوله محزنا مؤذنا بتقضّي الأجل؛ وهذا لعمرى معنى ظاهر؛ إلا أنه يمكن فيه معنى آخر؛ وهو أنّه يريد إنك بياض لا لون بعده، لأن البياض
آخر ألوان الشعر، فجعل قوله:
«لا بياض له» بمنزلة قوله: لا لون بعده، وإنما سوّغ ذلك له أنّ البياض هو الآتى بعد السّواد، فلما نفى أن يكون للشيب بياض كان نفيا لأن يكون بعده لون.
وقد اختلف القراء فى فتح الميم وكسرها من قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى، فقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو بفتح الميمين معا، وقرأ عاصم فى رواية أبى بكر وحمزة والكسائىّ بكسر الميم فيهما معا، وفى رواية حفص عن عاصم:
لا يكسر هما، وكسر أبو عمرو الأولى وفتح الأخيرة: ولكل وجه، أما من ترك إمالة الجميع؛ فإن قوله حسن، لأن كثيرا من العرب لا يميلون هذه الفتحة، وأما من أمال الجميع فوجه قوله أن ينحو بالألف نحو الياء، ليعلم أنها تنقلب إلى الياء، وأما قراءة أبى عمرو بإمالة الأولى وفتح الثانية فوجه قوله أنّه جعل الثانية أفعل من كذا مثل أفضل من فلان، وإذا جعلها كذلك لم تقع الألف فى آخر الكلمة؛ لأنّ آخرها إنما هو من كذا، وإنما تحسن الإمالة فى الأواخر، وقد حذف من «أفعل» الّذي هو للتفضيل الجارّ والمجرور جميعا، وهما مرادان فى المعنى مع الحذف، وذلك نحو قوله تعالى: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى؛؛ المعنى وأخفى من السر، فكذلك قوله تعالى: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى، أى أعمى منه فى الدنيا، أو أعمى من غيره، ويقوى هذه الطريقة ما عطف عليه من قوله تعالى: وَأَضَلُّ سَبِيلًا، فكما أن هذا لا يكون إلا على «أفعل من كذا» كذلك المعطوف عليه.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع