تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

تأويل خبر [تقيء الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان]

روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها مثل الأسطوان من الذّهب والفضة، فيجئ القاتل فيقول فى مثل هذا: قتلت، ويجيء القاطع الرّحم فيقول فى مثل هذا: قطعت رحمى، ويجيء السارق فيقول فى مثل هذا:

قطعت يدى، ثم يتركونه ولا يأخذون منه شيئا».

معنى «تقيء» أى تخرج ما فيها من الذهب والفضة، وذلك من علامات قرب الساعة، وقوله: «تقيء» تشبيه واستعارة من حيث كان إخراجا وإظهارا؛ وكذلك تسميته ما فى الأرض من الكنوز «كبدا» تشبيها بالكبد التى فى بطن البعير وغيره؛ وللعرب فى هذا مذهب معروف؛ قال مرّة بن محكان السّعديّ يصف قدرا نصبها للأضياف:

لها أزيز يزيل اللحم أزملهعن العظام إذا ما استحمشت غضبا
للشاعر مُرَّة السعدي، اقرأ القصيدة
/ ترمى الصّلاة بنبل غير طائشةوفقا إذا آنست من تحتها لهبا
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

فوصفها بالغضب تشبيها واستعارة، فأما الأزيز فهو الغليان، والعرب تقول: لجوفه أزيز مثل أزيز المرجل، والأزمل: الصوت، واستحمشت، أى غضبت؛ يقال: حمشه أى أغضبه، وقال النابغة الجعدىّ فى معنى الاستعارة:

سألتنى عن أناس هلكواشرب الدّهر عليهم وأكل
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

فوصف الدهر بالأكل والشرب تشبيها واستعارة. وقال قوم: معنى البيت شرب أهل الدهر بعدهم وأكلوا.

واختلف أهل اللغة فى الأفلاذ، فقال يعقوب بن السّكّيت: الفلذ لا يكون إلّا للبعير، وهو قطعة من كبده، ولا يقال فلذ الشاة، ولا فلذ البقرة، ويقال: اعطنى فلذا من الكبد، وفلذة من الكبد، قال أعشى باهلة:

تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بهامن الشّواء ويروى شربه الغمر

الغمر: القدح الصغير؛ وقال يعقوب: ولا يقال: اعطنى حزّة من سنام ولا من لحم، وإنما الحزّة فى الكبد خاصة؛ فإذا أرادوا ذلك من السّنام واللحم قالوا: اعطنى حذية من لحم؛ وهى القطعة الصغيرة، وفلقة من سنام، وقال الطّوسىّ عن أبى عبيد عن الأصمعىّ قال: يقال: اعطنى حذية من لحم، وحزّة من لحم؛ إذا كانت مقطوعة طولا، فإذا كانت مجتمعة قلت: اعطنى بضعة من لحم، وهبرة من لحم، ووذرة من لحم.

ومثل هذا الحديث قوله: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها؛. معناه أخرجت ما فيها من الكنوز، وقال قوم: عنى به الموتى، وأنها أخرجت موتاها، فسمى

تعالى الموتى ثقلا تشبيها بالحمل الّذي يكون فى البطن، لأن الحمل يسمى ثقلا، قال تعالى:

فَلَمَّا أَثْقَلَتْ؛. والعرب تقول: إن للسيد الشجاع ثقلا على الأرض، فإذا مات سقط عنها بموته ثقل، قالت الخنساء ترثى أخاها صخرا:

أبعد ابن عمرو من آل الشريد حلّت به الأرض أثقالها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

معناه أنه لما مات حلّ عنها بموته ثقل لسؤدده وشرفه، وقال قوم: معنى «حلّت» زينت موتاها به، وهو مأخوذ من الحلية؛ وقال الشّمردل اليربوعىّ يرثى أخاه:

وحلّت به أثقالها الأرض وانتهىلمثواه منها وهو عفّ شمائله
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

وروى هشام بن المنذر قال: قال زهير بن أبى سلمى المزنىّ بيتا ثم أكدى، ومرّ به النابغة الذّبيانىّ فقال له: يا أبا أمامة، أجز، قال: ماذا؟ قال:

تزال الأرض إمّا متّ خفّاوتحيا ما حييت بها ثقيلا

نزلت بمستقرّ العزّ منها ... ....

فماذا قال؟ فأكدى والله النابغة أيضا، وأقبل كعب بن زهير وهو غلام، فقال له

أبوه: أجز يا بنيّ، فقال: ماذا؟ فأنشده البيت الأول، ومن الثانى قوله: «بمستقرّ العزّ منها»؛ فقال كعب:

فتمنع جانبيها أن يزولا

فقال زهير: أنت والله ابنى.

وإنما خصّ الكبد من بين ما يشتمل عليه البطن، لأنه من أطائب الجزور، والعرب تقول: أطائب الجزور: السّنام، والملحاء، والكبد.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (٥)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.