تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

خبر طرفة بن العبد والمتلمس الضبعىّ وحديث الصحيفة:

قال سيدنا المرتضى أدام الله علوّه: وأظن أن أبا العيناء تنبّه على فضّ الكتاب وقراءته بخبر طرفة بن العبد والمتلمّس الضّبعىّ، وذاك أنهما وفدا على عمرو بن هند ونادماه، واحتظيا به، ثم أفضى الأمر إلى أن هجاه كلّ واحد منهما وعرض به بالشعر المشهور فحنق عليهما، وهمّ بقتلهما، ثم أشفق من ذلك، وأراد قتلهما بيد

غيره، وكان على طرفة أحنق، فعلم أنه إن قتله هجاه المتلمّس: فكتب لهما كتابا إلى البحرين، وقال لهما: إنى قد كتبت لكما بصلة، فاشخصا لقبضها؛ فخرجا من عنده، والكتابان فى أيديهما، فمرّا بشيخ جالس على ظهر الطريق، متكشّفا يتبرز، ومعه كسرة خبز يأكل منها، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه، فقال أحدهما لصاحبه: ما رأيت أعجب من هذا الشيخ! فسمع الشيخ مقالته فقال: وما ترى من عجبى! أدخل طيّبا، وأخرج خبيثا، وأقتل عدوا، وإنّ أعجب منى لمن يحمل حتفه بيده، وهو لا يدرى! فأوجس المتلمّس فى

نفسه خيفة، وارتاب بكتابه، ولقيه غلام من أهل الحيرة، فقال له: أتقرأ يا غلام؟ قال:

نعم، ففضّ خاتم كتابه، ودفعه إلى الغلام فقرأه، فإذا فيه: «إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه، واصلبه حيا».

فأقبل على طرفة فقال له: تعلّمن والله لقد كتب فيك بمثل هذا، فادفع كتابك إلى الغلام يقرؤه عليك، فقال: كلّا، ما كان ليجسر على قومى بمثل هذا، ولم يلتفت إلى قول المتلمّس، فألقى المتلمّس كتابه فى نهر الحيرة، وقال:

قذفت بها بالثّنى من جنب كافركذلك أقنو كلّ قطّ مضلّل
رضيت لها بالماء لمّا رأيتهايجول بها التيار فى كلّ جدول

كافر: نهر بالحيرة، وأقنو: اقتنى، والقطّ: الكتاب: والتيّار: معظم الماء وكثرته.

وقال المتلمّس أيضا:

من مبلغ الشّعراء عن أخويهمنبأ فتصدقهم بذاك الأنفس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «من مبلغ الشعراء عن أخويهم»
أودى الّذي علق الصّحيفة منهماونجا حذار حبائه المتلمّس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «من مبلغ الشعراء عن أخويهم»
ألقى صحيفته ونجّت كورهوجناء مجمرة المناسم عرمس
عيرانة طبخ الهواجر لحمهافكأنّ نقبتها أديم أملس
أطريفة بن العبد إنّك حائنأبساحة الملك الهمام تمرّس!
ألق الصّحيفة لا أبا لك إنّهيخشى عليك من الحباء النّقرس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «من مبلغ الشعراء عن أخويهم»

النقرس هاهنا: الداهية، ومضى طرفة بكتابه إلى البحرين، فأمر به المعلّى بن حنش العبدىّ فقتل؛ فقال المتلمس:

عصانا فما لاقى رشادا وإنّماتبيّن فى أمر الغوىّ عواقبه
فأصبح محمولا على ظهر آلةتمجّ نجيع الجوف منه ترائبه
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «عصاني فما لاقى الرشاد وإنما»
فإلّا تجلّلها يعالوك فوقهاوكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه!
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «عصاني فما لاقى الرشاد وإنما»

ولحق المتلمّس ببلاد الشام، وهجا عمرا، وبلغه أن عمرا يقول: لئن وجده بالعراق ليقتلنّه، فقال:

آليت حبّ العراق الدّهر أطعمهوالحبّ يأكله بالقرية السّوس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

وجرى المثل بصحيفة المتلمّس، فقال الفرزدق يذكر الشعراء الذين أورثوه أشعارهم:

وهب القصائد لى النّوابغ إذ مضواوأبو يزيد وذو القروح وجرول
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وشغلت عن حسب الكرام وما بنوا»
وأخو بنى قيس وهنّ قتلنهومهلهل الشّعراء ذاك الأوّل
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وشغلت عن حسب الكرام وما بنوا»

يعنى بالنوابغ: النابغة الذّبيانى والجعدىّ، ونابغة بنى شيبان، ويعنى: بأبى يزيد المخبّل السعدىّ، وجرول هو الحطيئة، وذو القروح امرؤ القيس، وأخو بنى قيس هو طرفة. ومعنى قوله: «وهن قتلنه»، يعنى: القصائد التى هجا بها عمرو بن هند، ويقال إن صاحب المتلمس وطرفة فى هذه القصة هو النعمان بن المنذر، وذلك أشبه بقول طرفة:

أبا منذر كانت غرورا صحيفتىولم أعطكم فى الطّوع مالى ولا عرضى
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «أبا منذر كانت غرورا صحيفتي»
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضناحنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أقول لنعمان وقد ساق طبه»

وأبو منذر هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصّة مع النعمان.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٠)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.