من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة [تتضمن الرد على منكرى تطاول الأعمار وامتدادها: ]
تتعلق بما ذكرناه. إن سأل سائل فقال: كيف يصحّ ما أوردتموه، من تطاول الأعمار وامتدادها، وقد علمتم أنّ كثيرا من الناس ينكر ذلك ويحيله ويقول: إنه لا قدرة عليه، ولا سبيل إليه؛ وفيهم من ينزل فى إنكاره درجة فيقول:
إنه- وإن كان جائزا من طريق القدرة والإمكان- فإنه مما يقطع على انتفائه؛ لكونه خارقا للعادات؛ وإنّ العادات إذا وثّق الدليل بأنّها لا تنخرق إلّا على سبيل الآية والدّلالة على صدق نبى من الأنبياء ﵈ علم أن ما روى من زيادة الأعمار على العادة باطل مصنوع لا يلتفت إلى مثله.
الجواب، قيل له: أما من أبطل تطاول الأعمار من حيث الإحالة، أو أخرجه عن باب الإمكان فقوله ظاهر الفساد، لأنه لو علم ما العمر فى الحقيقة، وما المقتضى لدوامه إذا دام، وانقطاعه إذا انقطع لعلم من جواز امتداده ما علمناه. والعمر هو استمرار كون من يجوز أن يكون حيّا وغير حىّ حيا. وإن شئت أن تقول: هو استمرار كون الحىّ الّذي لكونه على هذه الصفة ابتداء حيا.
وإنما شرطنا الاستمرار؛ لأنه يبعد أن يوصف من كان حالة واحدة حيّا بأنّ له عمرا؛ بل لا بدّ من أن يراعوا فى ذلك ضربا من الامتداد والاستمرار، وإن قلّ.
وشرطنا أن يكون ممّن يجوز أن يكون غير حىّ، أو يكون لكونه حيا ابتداء لئلا يلزم عليه القديم تعالى؛ لأنه تعالى جلّت عظمته ممن لا يوصف بالعمر؛ وإن استمر كونه
حيّا؛ وقد علمنا أن المختصّ بفعل الحياة هو القديم تعالى، وفيما تحتاج إليه الحياة من البنية والمعانى ما يختص به ﷿، ولا يدخل إلّا تحت مقدوره؛ كالرّطوبة وما يجرى مجراها؛ فمتى فعل القديم تعالى الحياة وما تحتاج
إليه من البنية- وهى مما يجوز عليه البقاء- وكذلك ما تحتاج إليه فليست تنتفى إلا بضد يطرأ عليها، أو بضدّ ينفى ما تحتاج إليه؛ والأقوى أنه لا ضدّ لها فى الحقيقة؛ وإنما ادّعى قوم أنّه ما يحتاج إليه، ولو كان للحياة ضدّ على الحقيقة لم يخلّ بما نقصده/ فى هذا الباب.
فمهما لم يفعل القديم تعالى ضدّها، أو ضدّ ما تحتاج إليه، ولا نقض ناقض بنية الحى استمرّ كون الحى حيا. ولو كانت الحياة لا تبقى على مذهب من رأى ذلك لكان ما قصدناه صحيحا، لأنه تعالى قادر على أن يفعلها حالا فحالا، ويوالى بين فعلها وفعل ما تحتاج إليه، فيستمرّ كون الحىّ حيا.
فأما ما يعرض من الهرم بامتداد الزمان وعلوّ السن وتناقص بنية الإنسان، فليس مما لا بدّ منه، وإنما أجرى الله تعالى العادة بأن يفعل ذلك عند تطاول الزمان ولا إيجاب هناك، ولا تأثير للزمان على وجه من الوجوه، وهو تعالى قادر على أن يفعل ما أجرى العادة بفعله، وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أنّ تطاول العمر ممكن غير مستحيل، وإنما أتى من أحال ذلك من حيث اعتقد أنّ استمرار كون الحى حيّا موجب عن طبيعة وقوّة لهما مبلغ من المادة، متى انتهتا إليه [انقطعتا، واستحال أن تدوما]. ولو أضافوا ذلك إلى فاعل مختار متصرّف لخرج عندهم من باب الإحالة.
فأما الكلام فى دخول ذلك فى العادة أو خروجه عنها، فلا شكّ فى أن العادة قد جرت فى الأعمار بأقدار متقاربة يعدّ الزائد عليها خارقا للعادة؛ إلّا أنّه قد ثبت أنّ العادة قد تختلف فى الأوقات وفى الأماكن أيضا، ويجب أن يراعى فى العادة إضافتها إلى من هى عادة له فى المكان والوقت.
وليس يمتنع أن يقلّ ما كانت العادة جارية به على تدريج؛ حتى يصير حدوثه خارقا للعادة بغير خلاف، ولا يكثر الخارق للعادة، حتى يصير حدوثه غير خارق لها على خلاف فيه.
وإذا صح ذلك لم يمتنع أن تكون العادات فى الزمان الغابر كانت جارية بتطاول الأعمار وامتدادها، ثم تناقص ذلك على تدريج، حتى صارت عادتنا الآن جارية بخلافه، وصار ما بلغ مبلغ تلك الأعمار خارقا للعادة؛ وهذه جملة
فيما أردناه كافية.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع