من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
باب فى الجوابات الحاضرة المستحسنة التى يسمّيها قوم المسكتة
/ اعلم أنّ أجوبة المحاورة والمناظرة إنّما تستحسن وتؤثر إذا جمعت مع الصواب سرعة الحضور؛ فكم من جواب أتى بعد لأى، وورد بعد تقاعس، فلم يكن له فى النفوس وقع، ولا حلّ من القلوب محل الحاضر السريع؛ وإن كان المتثاقل أعرق فى نسب الإصابة، وآخذ بأطراف الحجّة، ولهذا قيل: أحسن النّاس جوابا وأحضرهم قريش، ثم العرب، وإنّ الموالى تأتى أجوبتها بعد فكرة ورويّة.
وقد مدح الجواب الحاضر بكل لسان، فقال صحار العبدىّ لمعاوية بن أبى سفيان- وقد سأله عن البلاغة- فقال: أن تصيب فلا تخطئ، وتسرع ولا تبطئ، ثم اختصر ذلك فقال: لا تخطئ ولا تبطئ.
ولطول الفكرة والإغراق فى الرويّة مذهب وأوان لا يحمد فيهما التسرّع والتعجل، كما لا يحمد فى أوان السرعة التثاقل والتأيّد؛ وإنما تحمد السرعة فى أجوبة المحاورة والمناظرة، وتراد الفكرة والرويّة للآراء المستخرجة والأمور المستنبطة؛ التى على الإنسان فيها مهلة، وله فى تأملها فسحة، ولا عيب عليه معها فى إطالة التأمل، وإعادة التصفّح؛ ولهذا قال الأحنف ابن قيس بصفّين: أغبّوا الرأى، فإن ذلك يكشف لكم عن محضه.
وقال عبد الله بن وهب الراسبىّ لما أراده الخوارج على الكلام حين عقدوا له: لا خير فى الرأى الفطير، والكلام القضيب.
وشوور ابن التوأم الرّقاشىّ فأمسك عن الجواب وقال: ما أحبّ الخبز إلّا بائتا.
فأما قولهم: ثلاث يعرفن فى الأحمق: سرعة الجواب، وكثرة الالتفات، والثّقة بكل أحد؛ فمحمول على إسراعه بالجواب عند الرأى والمشاورة، والأحوال التى يستحب فيها التأيّد والتثبّت، أو على الإسراع من غير تحصيل ولا
ضبط؛ وذلك مذموم لا إشكال فيه.
ثم نعود إلى ما قصدناه.
روى أنّ بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله سألته: متى يعرف الإنسان ربّه فقال:
«إذا عرف نفسه». وقال له صلى الله عليه وآله رجل: إنى أكره الموت، فقال: «ألك مال؟ »، قال: نعم، قال: «قدّم مالك؛ فإن قلب كلّ امرئ عند ماله».
وقال يهودىّ لأمير المؤمنين ﵇: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم فيه، فقال ﵇: إنا اختلفنا عنه، لا فيه؛ ولكنكم ما جفّت أقدامكم من البحر حتى قلتم لنبيكم:
اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون.
وروى أنه لما فرغ ﵇ من دفن الرسول صلوات الله عليه وآله، سأل عن خبر السّقيفة فقيل له: إنّ الأنصار قالت: منّا أمير ومنكم أمير، فقال ﵇: فهلّا ذكرت الأنصار قول النبي صلى الله عليه وآله: «نقبل من محسنهم، ونتجاوز عن مسيئهم»! فكيف يكون الأمر فيهم والوصاة بهم!
وقال له ﵇ ابن الكوّاء: يا أمير المؤمنين، كم بين السماء والأرض؟ فقال:
دعوة مستجابة. وقيل له: ما طعم الماء؟ فقال: طعم الحياة. وقيل له: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: مسيرة يوم للشمس. وأثنى عليه رجل- وكان له متّهما- فقال: أنا دون ما تقول، وفوق ما فى نفسك. وكان ﵇ إذا أطراه رجل قال: اللهم إنك أعلم بى منه، وأنا أعلم منه بنفسى، فاغفر لي ما لا يعلم.
أخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال: حدّثني عبد الواحد بن محمد الخصيبىّ قال: حدّثني
أبو عليّ أحمد بن إسماعيل قال: حدثنى أيوب بن الحسين الهاشميّ قال: قدم على الرشيد رجل من الأنصار، يقال له نفيع- وكان عرّيضا- قال: فحضر باب الرشيد، ومعه عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر ﵉ على حمار له، فتلقّاه الحاجب بالبرّ والإكرام، وأعظمه من كان هناك، وعجّل له الإذن، فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ؟ قال: أوما تعرفه؟ قال: لا، قال: هذا شيخ آل أبى طالب، هذا موسى بن جعفر، قال: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم! يفعلون هذا برجل [يقدّر أن يزيلهم] عن السّرير! أما لئن خرج لأسوءنّه، فقال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض لهم أحد فى خطاب إلّا وسموه بالجواب [سمة يبقى عارها] عليه مدى الدهر.
قال: وخرج موسى بن جعفر ﵉، فقام إليه نفيع الأنصارىّ، فأخذ بلجام حماره ثم قال له: من أنت؟ فقال له: يا هذا، إن كنت تريد النّسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد، فهو الّذي فرض الله على المسلمين وعليك- إن كنت منهم- الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة، فو الله ما رضى مشركو قومى مسلمى قومك أكفاء لهم حتى قالوا: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قريش؛ خلّ عن الحمار، قال: فخلّى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزى، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك!.
ويقال إن معاوية استشار الأحنف بن قيس فى عقد البيعة لابنه يزيد، فقال له: أنت أعلم بليله ونهاره.
وقال أحمد بن يوسف لأبى يعقوب الخريمىّ: مدحك لمحمد بن منصور أجود من مراثيك
فيه، فقال: كنّا نعمل للرّجاء، واليوم للوفاء، وبينهما بون.
ودخل مطيع بن إياس على الهادى فى حياة المهدىّ فدهش وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقيل له: مه! فقال: بعد أمير المؤمنين.
وقال معاوية لعقيل بن أبى طالب- وكان جيّد الجواب حاضره-: أنا خير لك من أخيك، فقال عقيل: إن أخى آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك؛ فأخى خير لنفسه منك، وأنت خير لى منه. وقال له يوما: إنّ فيكم لشبقا يا بنى هاشم، فقال:
هو منّا فى الرّجال، ومنكم فى النساء. وقال له يوما وقد دخل عليه: هذا عقيل، عمّه أبو لهب، فقال عقيل: هذا معاوية، عمّته حمّالة الحطب. وعمة معاوية أمّ جميل بنت حرب بن أميّة، وكانت امرأة أبى لهب. وقال له يوما: يا أبا يزيد، أين ترى عمّك أبا لهب؟ فقال له عقيل:
إذا دخلت النار فانظر عن يسارك تجده مفترشا عمّتك، فانظر أيّهما أسوأ حالا، الناكح أم المنكوح! وقال له ليلة الهرير بصفّين: يا أبا يزيد، أنت معنا الليلة، قال:
ويوم بدر كنت معكم.
وقيل لسعيد بن المسيّب- وقد كفّ بصره: ألا تقدح عينك؟ قال: حتى أفتحها على من!
ودخل معن بن زائدة على المنصور فقال له: كبرت يا معن، قال: فى طاعتك، قال: وإنك لتتجلّد، قال: على أعدائك، قال: وإنّ فيك لبقية، قال: هى لك.
وقال عبيد الله بن زياد لمسلم بن عقيل: والله لأقتلنك قتلة يتحدّث بها بعدك، فقال مسلم: أشهد أنّك لا تدع سوء القتلة ولؤم القدرة لأحد أولى بهما منك.
وقال رجل لعمرو بن العاص: لأتفرّغنّ لك، قال: إذا وقعت فى الشّغل.
وقال معاوية لعمرو بن سعيد بن العاص الملقّب بالأشدق: إلى من أوصى بك أبوك؟
فقال: إنّ أبى أوصى إلى ولم يوص بى.
وقال عبيد الله بن زياد بن ظبيان لابنه وقد حضرته/ الوفاة: قد أوصيت بك فلانا فالقه بعدى، فقال: يا أبه، إذا لم يكن للحىّ إلا وصية الميت، فالحىّ هو الميت.
وقال الوليد بن يزيد لابن الرّقاع العاملىّ: أنشدنى بعض قولك فى الخمر، فأنشده:
كميت إذا شجّت وفى الكأس وردةلها فى عظام الشّاربين دبيب
فقال له: شربتها وربّ الكعبة! فقال ابن الرّقاع: لئن كان نعتى لها بذلك رابك، لقد رابنى معرفتك بها.
ولما أتى معاوية نعى الحسن بن عليّ ﵉ بعث إلى ابن عبّاس رضى الله عنه- وهو لا يعلم الخبر- فقال له: هل عندك خبر من المدينة؟ قال: لا، قال: أتانا نعى الحسن- وأظهر سرورا- فقال ابن عباس: إذا لا ينسأ فى أجلك، ولا تسدّ حفرتك، قال: أحسبه قد ترك صبية صغارا، قال: كلّنا كان صغيرا وكبر، قال: وأحسبه قد كان بلغ سنّا، قال: مثل مولده لا يجهل، قال معاوية: وقال قائل إنك أصبحت سيّد قومك، قال: أما وأبو عبد الله
الحسين بن عليّ حىّ فلا؛ فلما كان من غد أتى يزيد بن معاوية ابن عباس، وهو فى المسجد يعزّى، فجلس بين يديه جلسة المعزّى، وأظهر حزنا وغمّا، فلما انصرف أتبعه ابن عباس بصره وقال: إذا ذهب آل حرب ذهب حلم قريش.
وروى أنّ وفودا دخلت على عمر بن عبد العزيز، فأراد فتى منهم الكلام، فقال عمر:
ليتكلم أكبركم، فقال الفتى: إنّ قريشا لترى فيها من هو أسنّ منك، فقال له:
تكلّم يا فتى.
وروى محمد بن سلّام الجمحىّ قال: أنشد كثيّر عبد الملك بن مروان شعرا:
على ابن أبى العاصى دلاص حصينةأجاد المسدّى نسجها فأذالها
فقال له: هلّا قلت كما قال الأعشى:
وإذا تكون كتيبة ملمومةشهباء يخشى الذّائدون نهالها
كنت المقدّم غير لابس جنّةبالسّيف تضرب معلما أبطالها
فقال له: إنّه وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم.
ويشبه ذلك ما روى عن أبى عمرو بن العلاء أنه لقى ذا الرّمة، فقال له: أنشدنى قصيدتك:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
/ فأنشده إياها، فلما بلغ إلى قوله:
تصغى إذا شدّها بالكور جانحةحتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقال له أبو عمرو بن العلاء: قول الراعى أحسن مما قلت
تراها إذا قام فى غرزهاكمثل السّفينة أو أوقر
ولا تعجل المرء عند الوروك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرّمة: إنّ الراعى وصف ناقة ملك، وأنا وصفت ناقة سوقة.
وحكى الصّولىّ أنه سمع أعرابيا ينشد بيته الّذي حكيناه، فقال: سقط والله الرجل.
فأما الغرز فهو للناقة مثل الرّكاب للدابة، وهو نسع مضفور. وقوله: «تصغى» يريد تميل رأسها، كأنها تسمع، لأنها ليست بنفور، بل مؤدّبة مقوّمة. والكور: الرحل.
وقد أخذ هذا المعنى أبو نواس فأحسن نهاية الإحسان، فقال يصف الناقة فى مدحه الخصيب بن عبد الحميد:
فكأنّها مصغ لتسمعهبعض الحديث، بأذنه وقر
فلم يرض بأن وصفها بالإصغاء حتى وصفها بالوقر، وهو الثّقل فى الأذن، لأن الثّقيل السمع يكون إصغاؤه وميله إلى جهة الحديث أشدّ وأكدّ.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع