من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
قصيدة لأبى نواس وشرح ما ورد فيها من الغريب:
قال سيدنا الشريف أدام الله علوّه: وإنى لأستحسن القصيدة التى من جملتها البيت الّذي أوردناه لأبى نواس؛ لأنها دون العشرين بيتا، وقد نسب فى أولها، ثم وصف النّاقة بأحسن وصف، ثم مدح الرجل الّذي قصد مدحه واقتضاه حاجته؛ كلّ ذلك بطبع يتدفّق، ورونق يترقرق، وسهولة مع جزالة؛ والقصيدة:
يا منّة امتنّها السّكرما ينقضى منّى لها الشّكر
أعطتك فوق مناك من قبلقد كنّ قبل، مرامها وعر
يثنى إليك بها سوالفهرشأ صناعة عينه السّحر
ظلّت حميّا الكأس تبسطناحتّى تهتّك بيننا السّتر
/ فى مجلس ضحك السّرور بهعن ناجذيه وحلّت الخمر
أما قوله: «حلّت الخمر» فيحتمل أن يريد به أنّ ما وصفه من طيب الموضع وتكامل السرور به وحضور المأمول فيه صار مقتضيا لشرب الخمر، وملجئا إلى تناولها، ورافعا للحرج فيها؛ على مذهب الشعراء فى المبالغة؛ وتكون فائدة وصفها بأنها «حلّت» المبالغة فى وصف الحال بالحسن والطّيب. ويحتمل أن يكون عقد على نفسه، وآلى ألّا يتناول الخمر إلّا بعد الاجتماع مع محبوبه، وكان الاجتماع معه مخرجا له عن يمينه، على مذهب العرب فى تحريم الخمر على نفوسهم، إلى أن يأخذوا بثأرهم؛ ويجرى ذلك مجرى قول الشّنفرى:
حلّت الخمر وكانت حراماوبلأى ما ألمّت تحلّ
ويحتمل أن يريد «بحلّت» نزلت وأقامت؛ من الحلول الّذي هو المقام؛ لا من الحلال؛ فكأنه وصف بلوغ جميع آرابه وحضور فنون لذّاته، وأنها تكاملت بحلول الخمر؛ التى فيها جميع اللذات؛ وهذا الوجه وإن لم يشر إليه أحد ممّن تقدم فى تفسير هذا البيت؛ فالقول يحتمله، ولا مانع من أن يكون مرادا. وقد قيل إنه أراد استحللنا الخمر لسكرنا، وفقدنا العقول التى كنا نمتنع لها من الحرام؛ والوجوه المتقدمة أشبه وأقرب إلى الصواب.
ولقد تجوب بى الفلاة إذاصام النّهار وقالت العفر
أراد «بصام»، وقف، وذلك وصف له بالامتداد والطول. والعفر: الظّباء اللواتى فى ألوانهنّ حمرة يخالطها كدرة. و «قالت» من القائلة، وهى وقت نصف النهار؛ لا من القول.
شدنيّة رعت الحمى فأتتملء الحبال كأنّها قصر
شدنيّة: منسوبة إلى شدن، وهو موضع باليمن؛ يقال لملكه: ذو شدن.
تثنى على الحاذين ذا خصلتعماله الشّذران والخطر
الحاذ: مؤخّر الفخذ. والشّذران: رفع الناقة ذنبها من المرح. والخطران، معروف من خطر يخطر/. وتعماله، أى عمله.
أمّا إذا رفعته شامذةفتقول رنّق فوقها نسر
يعنى بشامذة، أى مبالغة فى رفع ذنبها. ويقال، رنّق الطائر؛ إذا نشر جناحه طائرا من غير تحريك.
أمّا إذا وضعته خافضةفتقول أرخى خلفها ستر
وتسفّ أحيانا فتحسبهامترسّما يقتاده أثر
معنى «تسفّ»، أى تدنى رأسها من الأرض. والمترسّم: الّذي يتتبع الرّسم ويتأمّله؛ ومعنى «يقتاده أثر»، أى هو معنى بطلب الأثر وموكّل بتتبّعه. ويقال: أثر وأثر وإثر؛
ثلاث لغات؛ وقد وهم الصّولىّ فى تفسير هذا البيت؛ لأنّه قال: إن أبا نواس جمع الأثر آثارا، ثم جمع الآثار أثرا، ثم خفّف فقال: «أثر». وليس يحتاج إلى ما ذكره مع ما أوردناه؛ وإنما ذهب عليه أنه يقال فى الأثر: أثر.
فإذا قصرت لها الزّمام سمافوق المقادم ملطم حرّ
فكأنّها مصغ لتسمعهبعض الحديث، بأذنه وقر
تبرى لأنقاض أضرّ بهاجذب البرى فخدودها صعر
معنى تبرى، تنبرى، أى تعرض لهذه الأنقاض، والأنقاض: جمع نقض؛ وهو البعير الّذي قد هزله السفر والكدّ. والبرى: جمع برة؛ وهى الحلقة التى تكون فى أنف البعير يذلّل بها.
يرمى إليك بها بنو أملعتبوا فأعتبهم بك الدّهر
أنت الخصيب وهذه مصرفتدفّقا فكلاكما بحر
لا تقعدا بى عن مدى أملىشيئا فما لكما به عذر
ويحقّ لى إذ صرت بينكماألّا يحلّ بساحتى فقر
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع