تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

عود إلى ذكر الجوابات المستحسنة:

قال سيدنا أدام الله علوّه: ثم نعود إلى ما كنّا آخذين فيه من ذكر مستحسن الجوابات.

روى أن رجلا نظر إلى كثيّر الشاعر راكبا/ وأبو جعفر محمد بن عليّ ﵉ يمشى، فقيل له: أتركب وأبو جعفر يمشى! فقال: هو أمرنى بذلك، وأنا بطاعته فى الركوب أفضل منى فى عصيانى إياه بالمشي.

وروى أن دعاة خراسان صاروا إلى أبى عبد الله الصادق عليه السلام فقالوا له: أردنا ولد محمد بن عليّ، فقال: أولئك بالسّراة ولست بصاحبكم، فقالوا له: لو أراد الله بنا خيرا كنت صاحبنا، فقال المنصور بعد ذلك لأبى عبد الله: أردت الخروج علينا، فقال: نحن ندلّ عليكم فى دولة غيركم، فكيف نخرج عليكم فى دولتكم!

وقال عبد الملك بن مروان لنصيب: هل لك فى الشراب؟ فقال له نصيب: الشعر مفلفل، واللون مرمّد، وإنما قرّبنى إليك عقلى، فهبه لى.

وقال مروان الملقّب بالحمار لحاجبه- وقد ولى منهزما-: كرّ عليهم بالسيف، فقال:

لا طاقة لى بذلك، فقال: والله لئن لم تفعل لأسوءنّك، فقال: وددت أنك تقدر على ذلك.

وقال يحيى بن خالد لشريك: علّمنا مما علّمك الله يا أبا عبد الله، فقال له شريك: إذا عملتم بما تعلمون، علّمناكم ما تجهلون.

وقال المأمون لمحمد بن عمران: بلغنى أنك بخيل، فقال: ما أجمد فى حقّ، ولا أذوب فى باطل.

وقيل لأبى دؤاد الإيادىّ- ونظر إلى بنته تسوس فرسه: أهنتها يا أبا دؤاد! فقال:

أهنتها بكرامتى، كما أكرمتها بهوانى؛ ومثل ذلك قول أعرابىّ لحقه ذلّ على باب السلطان:

أهين لهم نفسى لأكرمها بهمولن تكرم النّفس التى لا تهينها

ودخل عمارة بن حمزة على المنصور، فجلس مجلسه الّذي كان يجلس فيه، فقام رجل إلى المنصور فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، فقال: من ظلمك؟ فقال: عمارة غصبنى ضيعتى، فقال المنصور: قم يا عمارة، فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لى بخصم؛ فقال له: كيف؟

قال: إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها؛ وإن كانت لى فهى له، ولا أقوم من مجلس شرّفنى به أمير المؤمنين لأقعد فى أدنى منه بسبب ضيعة.

وقال هشام بن عبد الملك لرجل فى الكعبة: سلنى حاجتك، فقال: لا أسأل فى بيت الله غير الله.

وهرب سليمان بن عبد الملك من الطّاعون فقيل له: إن الله تعالى/ يقول: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا؛، فقال: ذلك القليل نطلب.

وقيل إنّ الجعد بن درهم جعل فى قارورة ترابا وماء، فاستحال دودا وهوامّ، فقال لأصحابه:

أنا خلقت ذلك، لأنى كنت سبب كونه. فبلغ ذلك جعفر بن محمد ﵉، فقال: إن كان خلقه فليقل: كم هو؟ وكم الذّكران منه والإناث؟ وكم وزن كل واحدة منهن؟ وليأمر الّذي يسعى إلى هذا الوجه أن يرجع إلى غيره. فانقطع وهرب.

وقال المأمون للفضل بن سهل: إنى أخاف عليك أقواما يعادونك، فلا تركب إلى إلّا فى جيش، فقال الفضل: ما أخاف غيرك، فإن أمّنتنى من نفسك لم يضرّنى إنسان.

وقيل لأبى ثور: ما تقول فى حمّاد بن زيد بن درهم، وحمّاد بن سلمة بن دينار؟ فقال:

بينهما فى العلم كقيمة ما بين أبويهما فى الصرف.

وأراد المأمون تقبيل السّواد، وجلس يناظر العمّال على ذلك، فقام إليه رجل من الدّهاقين فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله ﷿ ولّاك علينا بالأمانة، فلا تقبّلنا، فأضرب عن ذلك.

وقال رجل لابن عبّاس: زوّجنى من فلانة - وكانت يتيمة فى حجره- فقال:

لا أرضاها لك، لأنها تتشرّف، فقال الرجل: قد رضيت أنا، فقال ابن عباس: الآن لا أرضاك لها.

[ويشبه هذا الخبر من وجه ما رواه] المدائنىّ قال: أرسل عمر بن عبد العزيز رجلا من أهل الشام وأمره أن يجمع بين إياس بن معاوية المزنيّ وبين القاسم بن ربيعة الحوشىّ من بنى عبد الله بن غطفان، فيولّى القضاء أقدمهما، فقدم الرجل البصرة، فجمع بينهما، فقال إياس للشامىّ:

أيّها الرجل، سل عنّى وعن القاسم فقيهى المصر: الحسن وابن سيرين، فمن أشارا عليك

بتوليته فولّه؛ وكان القاسم يأتى الحسن وابن سيرين، ولم يكن إياس يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما أشارا به، فقال للشامىّ: لا تسل عنّى ولا عنه، فو الّذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل منى وأفقه، وأعلم بالقضاء، فإن كنت عندك ممّن يصدّق إنه لينبغى أن تقبل منى، وإن كنت كاذبا فما يحلّ لك أن تولّينى وأنا كاذب؛ فقال إياس للشامىّ: إنك جئت برجل فأقمته على شفير جهنّم، فافتدى نفسه من النار أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذب فيها، يستغفر الله منها، وينجو مما يخاف/. فقال الشامىّ: أما إذ فطنت لهذا، فإنى أولّيك، فاستقضاه.

ولما أمضى معاوية بيعة يزيد جعل الناس يقرّظونه، فقال يزيد لأبيه: ما ندرى أنخدع الناس أم يخدعوننا؟ فقال معاوية: يا بنيّ، من خدعته فتخادع لك ليخدعك فقد خدعته.

وسمع عبد الملك بن مروان ليلة قبض وهو يجود بنفسه- وقد سمع صوت قصّار- يقول:

ليتنى كنت غسالا أعيش بما أكسب يوما بيوم، فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الّذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه، ولا نتمنّى فى الحياة ما هم فيه.

وقال الواثق للجاحظ: يا منّانىّ، فقال: لو كان الّذي أضفتنى إليه عبدك ما قدرت على بيعه لكثرة عيوبه؛ فكيف أكون على دينه!.

وقال ابن عباس رضى الله عنه للخوارج- وقد أرسله أمير المؤمنين ﵇ إليهم:

نشدتكم الله، أيّما أعلم بالتنزيل والتأويل: عليّ أم أنتم؟ قالوا: عليّ، قال: أليس تدرون، لعلّ الّذي حكم به فيكم بفضل علمه على ما تعلمون! فرجع أكثرهم.

وقال عتبة بن أبى سفيان لعبد الله بن عباس: ما منع عليّ بن أبى طالب أن يجعلك أحد الحكمين؟ فقال: أما والله لو بعثنى لاعترضت مدارج أنفاسه، أطير إذا أسفّ وأسفّ إذا طار، ولعقدت له عقدا لا تنتقض مريرته، ولا يدرك طرفاه؛ ولكنه سبق قدر، ومضى أجل، والآخرة خير لأمير المؤمنين من الدنيا.

وقال أبو جعفر محمد بن عليّ ﵉ لكثيّر: امتدحت عبد الملك بن مروان؟

فقال: لم أقل له يا إمام الهدى، إنما قلت: يا شجاع، والشجاع حيّة، ويا أسد، والأسد كلب، ويا غيث، والغيث موات! فتبسم أبو جعفر ﵇.

وقالت بنت عبد الله بن مطيع لزوجها يحيى بن طلحة: ما رأيت ألأم من أصحابك، إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك! فقال: هذا من كرمهم؛ يأتوننا فى حال القوة منّا عليهم، ويفارقوننا فى حال الضعف منّا عنهم.

وقيل لإبراهيم النّخعىّ: متى كنت؟ قال: حيث احتيج إلى.

ورئى رجل يصلى صلاة خفيفة، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ فقال: صلاة ليس فيها رياء.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.