تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

خبر قتيبة بن مسلم مع الحصين بن المنذر الرقاشىّ:

وأخبرنا أبو عبيد الله المرزبانىّ قال حدّثني محمد بن أبى الأزهر قال حدثنا محمد بن يزيد النحوىّ قال: تزعم

الرواة أن قتيبة بن مسلم لما فتح سمرقند أفضى إلى أثاث لم ير مثله، وآلات لم يسمع بمثلها، فأراد أن يرى الناس عظيم ما فتح، ويعرّفهم أقدار القوم الذين ظهر عليهم، فأمر بدار ففرشت، وفى صحنها قدور يرتقى إليها بسلاليم، وإذا الحصين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرّقاشىّ قد أقبل، والناس جلوس على مراتبهم، والحصين شيخ كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم أخو قتيبة قال لقتيبة: أتأذن لى فى معاتبته؟

قال: لا تردّه، فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلّا أن يأذن له- وكان عبد الله يضعّف- وكان قد تسوّر حائطا إلى امرأة قبل ذلك- فأقبل على الحصين وقال: أمن الباب دخلت يا أبا ساسان؟ فقال: أجل، أسنّ عمّك عن تسوّر الحيطان، قال: رأيت هذه القدور؟ قال:

هى أعظم من ألّا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل رأى مثلها، قال: أجل، ولا عيلان، ولو رآها سمّى شبعان، ولم يسمّ عيلان، فقال له: يا أبا ساسان، أتعرف الّذي يقول:

عزلنا وأمّرنا وبكر بن وائلتجرّ خصاها تبتغى من تحالف

قال: أعرفه وأعرف الّذي يقول:

وخيبة من يخيب على غنىّوباهلة بن يعصر والرّباب

قال: أتعرف الّذي يقول:

كأنّ فقاح الأزد حول ابن مسمعوقد عرقت أفواه بكر بن وائل

قال: أعرفه، وأعرف الّذي يقول:

قوم قتيبة أمّهم وأبوهملولا قتيبة أصبحوا فى مجهل

قال: أمّا الشعر، فأراك ترويه، ولكن هل تقرأ من القرآن شيئا؟ قال: نعم، أقرأ منه الكثير الطيب: هَلْ أَتى عَلَى

الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً

؛، فأغضبه فقال: والله لقد بلغنى أن امرأة الحصين حملت إليه وهى حبلى من غيره، قال: فما تحرّك الشيخ من هيئته الأولى. ثم قال على رسله: وما يكون؟ تلد غلاما على فراشى فيقال: ابن الحصين، كما يقال عبد الله بن مسلم/؛ فأقبل قتيبة على عبد الله فقال. لا يبعد الله غيرك.

ولقى شريك النّميرىّ رجلا من بنى تميم، فقال له التّميمىّ: يعجبنى من الجوارح البازى، فقال له شريك: وخاصّة إذا صاد القطا؛ أراد التميمىّ بقول البازى قول جرير:

أنا البازى المطلّ على نميرأتيح من السّماء لها انصبابا

وأراد شريك بقوله: «إذا صاد القطا» قول الطّرمّاح:

تميم بطرق اللّؤم أهدى من القطاولو سلكت سبل المكارم ضلّت
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

وساير شريك النّميرىّ عمر بن هبيرة الفزارىّ على بغلة، فجاوزت بغلته برذون عمر، فقال له عمر: اغضض من لجامها، فقال شريك: إنها مكتوبة، فقال عمر: ما أردت ذاك، قال شريك ولا أنا أردته؛ ظن شريك أنّ عمر أراد بقوله: «اغضض من لجامها» قول جرير:

فغضّ الطّرف إنّك من نميرفلا كعبا بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وعنى شريك بقوله: «مكتوبة» قوله:

لا تأمننّ فزاريّا خلوت بهعلى قلوصك واكتبها بأسيار

يعنى: ب «اكتبها» شدّها.

وأنشد أبو تمام الطائىّ أحمد بن المعتصم قصيدته السينية التى يمدحه فيها، فلما بلغ إلى قوله:

فى حلم أحنف فى شجاعة عامرفى جود حاتم فى ذكاء إياس

فقال له الكندىّ- وكان حاضرا-: ما صنعت شيئا، قال: وكيف؟ قال: لأنّ شعراء دهرنا قد تجاوزوا بالممدوح من كان قبله، ألا ترى إلى قول أبى العكوّك فى أبى دلف:

رجل أبرّ على شجاعة عامربأسا وغبّر فى محيّا حاتم
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

فأطرق الطائىّ ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربى له من دونهمثلا شرودا فى النّدى والباس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»
فالله قد ضرب الأقلّ لنورهمثلا من المشكاة والنّبراس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

وقال ابن هبيرة لأبى دلامة- وكان مولى لبنى أمية لما ظهرت المسوّدة: لأتخذنّ لك منهم عبدا صالحا يخدمك، فلما علت كلمتهم، وفشت دعوتهم قال أبو دلامة: ليت الله قيّض لى/ منهم مولى صالحا أخدمه.

وقال يحيى بن خالد لعبد الملك بن صالح الهاشميّ: إنّ خصالك كاملة سوى حقد فيك، فقال: أنا خزانة تحفظ الخير والشر. وقد نظر ابن الرومى إلى هذا المعنى فى قوله:

وما الحقد إلّا توأم الشّكر فى الفتىوبعض السّجايا ينتسبن إلى بعض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن كنت في حفظي لما أنا مودع»
فحيث ترى حقدا على ذى إساءةفثمّ ترى شكرا على حسن القرض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن كنت في حفظي لما أنا مودع»
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارعمن البذر فيها فهى ناهيك من أرض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن كنت في حفظي لما أنا مودع»

وقال الحجاج للحطيط الخارجىّ: ما تقول فى عبد الملك بن مروان؟ قال: ما أقول فى رجل أنت خطيئة من خطاياه!

قال: فهل هممت بي قطّ! قال: نعم، ولكن حال بيننا

بين وقدر، وقد أعطيت الله عهدا إن سألتنى لأصدقنّك، ولئن خلّيت عنى لأطلبنّك، ولئن عذبتنى لأصبرن لك؛ فأمر بقتله.

وأما «البين» فهى الأرض الواسعة، قال ابن مقبل:

بسرو حمير أبوال البغال بهأنّى تسدّيت وهنا ذلك البينا

وقيل لأبى العتاهية لما قال:

عتب ما للخيالخبّرينى وما لى
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «عتب ما للخيال»

خرجت من العروض، فقال: أنا أكبر من العروض.

وقال عبد الملك بن مروان للهيثم بن الأسود: ما مالك؟ قال: قوام من العيش، وغنى من الناس. فقيل له: لم لم تخبر به؟ فقال: إن كان كثيرا حسدنى، وإن كان قليلا ازدرانى.

واغتاب الأعمش رجلا من أصحابه، فطلع الرجل على هيئة ذلك، فقال له رجل من أصحابه:

قل له ما قلته حتى لا يكون غيبة؛ فقال له: قل له أنت حتى لا تكون نميمة.

وقال معاوية لعمرو بن العاص: هل غششتنى مذ نصحتنى؟ قال: لا، قال: بلى يوم أشرت عليّ بمبارزة عليّ، وأنت تعلم من هو! فقال عمرو: دعاك رجل عظيم الخطر إلى المبارزة، فكنت من مبارزته على إحدى الحسنيين؛ إمّا إن قتلته فقد قتلت قتّال الأقران، وازددت شرفا إلى شرفك، وخلوت بملكك، وإمّا إن قتلك فتتعجّل مرافقة الشهداء والصديقين

والصالحين؛ قال معاوية: لهذه أشد عليّ من الأولى، فقال عمرو: أفكنت من جهادك فى شك فتكون منه الساعة! قال: دعنى منك الآن.

وقيل للأحنف بن قيس- وقد رأى مسيلمة الكذّاب: كيف هو؟ فقال: ما هو بنبىّ صادق، ولا بمتنبئ حاذق.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.