تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

بعض ما يروى من أجوبة أبى الأسود الدؤلى الحاضرة:

وروى المبرّد قال: قال زياد لأبى الأسود الدّؤليّ: لولا أنّك قد كبرت لاستعنّا بك فى بعض أمورنا، قال: إن كنت تريدنى للصّراع فليس عندى، وإن كنت تريد عقلى ورأيى فهما أوفر ما كانا.

وكان أبو الأسود حاضر الجواب جيّد الكلام مليح النادرة. وروى عن الشّعبىّ أنّه قال: قاتل الله أبا الأسود! ما كان أعفّ أطرافه، وأحضر جوابه! دخل على معاوية بالنّخيلة، فقال له معاوية: أكنت ذكرت للحكومة؟ قال: نعم، قال: فماذا كنت صانعا؟ قال:

كنت أجمع ألفا من المهاجرين وأبنائهم، وألفا من الأنصار وأبنائهم، ثم أقول: يا معشر من حضر؛ أرجل من المهاجرين أحقّ أم رجل من الطلقاء؟ فلعنه معاوية، وقال: الحمد لله الّذي كفاناك.

وقد روى أنّ أبا الأسود طلب بأن يكون فى الحكومة، وقال لأمير المؤمنين ﵇ فى وقت الحكمين: يا أمير المؤمنين، لا ترض بأبى موسى، فإنى قد عجمت الرجل وبلوته، فحلبت أشطره؛ فوجدته قريب القعر، مع أنه يمان، وما أدرى ما يبلغ نصحه! فابعثنى فإنه لا يحلّ عقدة إلّا عقدت له أشدّ منها، وإنهم قد رموك بحجر الأرض، فإن قيل: إنه لا صحبة لى، فاجعلنى ثانى اثنين، فليس صاحبهم إلّا من تقرّب، وكان فى الخلاف عليهم كالنّجم؛ فأبى ﵇.

وروى محمد بن يزيد النحوىّ أنّ أبا الأسود كان [نازلا فى بنى قشير؛ وكانوا يخالفونه فى المذهب لأن أبا الأسود كان] شيعيا، فكانوا يرمونه بالليل، فإذا أصبح شكا ذلك،

فشكا مرة، فقالوا: ما نحن نرميك؛ ولكنّ الله يرميك، فقال: كذبتم، لو كان الله يرمينى ما أخطأنى.

وقال لهم يوما: يا بنى قشير، ما فى العرب أحد أحبّ إلى طول بقاء منكم، قالوا:

ولم ذاك؟ قال: لأنكم إذا ركبتم أمرا علمت أنه غىّ فأجتنبه، وإذا اجتنبتم أمرا علمت أنه رشد، فاتبعته فنازعوه الكلام، فأنشأ يقول:

يقول الأرذلون بنو قشيرطوال الدّهر لا تنسى عليّا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «يقول الأرذلون بنو قشير»
أحبّ محمّدا حبّا شديداوعبّاسا وحمزة والوصيّا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «يقول الأرذلون بنو قشير»
/ أحبّهم لحبّ الله حتّىأجئ إذا بعثت على هويّا
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «يقول الأرذلون بنو قشير»
فإن يك حبّهم رشدا أصبهولست بمخطئ إن كان غيّا

فقالوا له: أشككت يا أبا الأسود، فقال: ألم تسمعوا الله تعالى يقول: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، أفترون الله شكّ!

أما قوله: «هويّا» فإنه لغة هذيل؛ يقولون ذلك فى كل مقصور؛ مثل الهوى والعصا والتقى والقفا. قال أبو ذؤيب الهذلى:

سبقوا هوىّ وأعنقوا لسبيلهمفتخرّموا ولكلّ جنب مصرع

وروى أن أبا الأسود دخل على معاوية فقال له: أصبحت جميلا يا أبا الأسود؛ فلو علّقت تميمة تدفع العين عنك! فقال أبو الأسود:

أفنى الشّباب الّذي ولى وبهجتهكرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لى فى طول اختلافهماشيئا أخاف عليه لذعة الحدق
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أفنى الشباب الذي فارقت بهجته»

وروى أنه دخل يوما السوق يشترى ثوبا فقال له رجل: هلمّ أقاربك فى هذا الثوب؛ فقال: إن لم تقاربنى باعدتك، ثم قال له: بكم هو؟ قال: قد أعطيت به كذا كذا، قال:

إنما تخبّرنى عما فاتك.

وروى أنّه كان ماشيا فى طريق، فقال له راكب: الطريق الطريق، فقال له: عن الطريق تعدلنى!

ومرض أبو الأسود فقيل له: هو أمر الله، فقال: ذاك أشدّ له!

وقيل إن امرأة أبى الأسود خاصمته إلى زياد فى ولدها، فقالت: أيها الأمير، إن هذا يغلبنى على ولدى، وقد كان بطنى له وعاء، وثديى له سقاء، وحجرى له فناء، فقال أبو الأسود:

[أبهذا تريدين أن تغلبينى على ابنى]! فو الله لقد حملته قبل أن تحمليه، ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت: ولا سواء، إنك حملته خفّا، وحملته ثقلا، ووضعته شهوة، ووضعته كرها، فقال له زياد: إنها امرأة عاقلة يا أبا الأسود، فادفع ابنها إليها، فأخلق أن تحسن أدبه.

وقال رجل لأبى الأسود: أنت والله ظريف لفظ، وظرف علم، ووعاء حلم، غير أنّك بخيل؛ فقال: وما خير ظرف لا يمسك ما فيه!

وسلم عليه أعرابىّ يوما، فقال أبو الأسود: كلمة مقولة، فقال: أتأذن فى الدخول؟

قال: وراءك أوسع لك! قال: فهل عندك شيء؟ قال: نعم، قال: أطعمنى، قال: عيالى أحقّ منك، قال: ما رأيت ألأم منك، قال: نسيت نفسك.

وسأله رجل شيئا فمنعه قال: ما أصبحت حاتميّا قال: بلى، قد أصبحت حاتمكم من حيث لا تدرى، أليس حاتم الّذي يقول:

أماوىّ إمّا مانع فمبيّنوإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
للشاعر حاتم الطائي، من قصيدة «أماوي قد طال التجنب والهجر»

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من مجلس آخر (١٨)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.