من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ]
إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ؛ فقال: كيف يصحّ القول بأنّها رجعت عليه وهى لم تخرج عن يده؟.
الجواب، قلنا قد ذكر فى ذلك وجوه:
أولها أنّ الناس فى دار المحنة والتكليف قد يغترّ بعضهم ببعض، ويعتقدون فيهم أنهم يملكون جرّ المنافع إليهم
وصرف المضارّ عنهم، وقد تدخل عليهم الشّبه لتقصيرهم فى النظر، وعدولهم عن وجهه وطريقه، فيعبد قوم الأصنام وغيرها من المعبودات الجامدة الهامدة التى لا تسمع ولا تبصر، ويعبد آخرون البشر، ويجعلونهم شركاء لله تعالى فى استحقاق العبادة؛ ويضيف كلّ هؤلاء أفعال الله ﷿ فيهم إلى غيره، فإذا جاءت الآخرة، وانكشف الغطاء واضطرّوا إلى المعارف زال ما كانوا عليه فى الدنيا من الضلال واعتقاد الباطل، وأيقن الكلّ أنّه لا خالق ولا رازق ولا ضارّ ولا نافع غير الله تعالى فردوا إليه أمورهم، وانقطعت آمالهم من غيره، وعلموا أنّ الّذي كانوا عليه من عبادة غيره، وتأميله للضّرّ والنفع غرور وزور، فقال الله تعالى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ لهذا المعنى.
والوجه الثانى أن يكون معنى الآية فى الأمور أنّ الأمور كلّها لله تعالى، وفى يده وقبضته من غير خروج ورجوع حقيقىّ؛ وقد تقول العرب: قد رجع عليّ من فلان مكروه، بمعنى صار إلى منه؛ ولم يكن سبق إلى قبل هذا الوقت، وكذلك يقولون: قد/ عاد عليّ من زيد كذا وكذا وإن وقع منه على سبيل الابتداء قال الشاعر:
وإن تكن الأيّام أحسن مرّةإلى فقد عادت لهنّ ذنوب
أى صارت لها ذنوب لم تكن من قبل؛ بل كان قبلها إحسان فحمل الآية على هذا المعنى شائع جائز تشهد له اللغة.
والوجه الثالث أنّا قد علمنا أنّ الله تعالى قد ملّك العباد فى دار التكليف أمورا تنقطع بانقطاع التكليف، وإفضاء الأمر إلى الدار الآخرة، مثل ما ملّكه الموالى من العبيد، وما ملّكه الحكام من الحكم وعير ذلك؛ فيجوز أن يريد تعالى برجوع الأمر إليه انتهاء ما ذكرناه من الأمور التى يملكها غيره بتمليكه إلى أن يكون هو وحده مالكها ومدبّرها.
ويمكن فى الآية وجه آخر؛ وهو أن يكون المراد بها أنّ الأمر ينتهى إلى ألّا يكون موجود قادر غيره، ويفضى الأمر فى الانتهاء إلى ما كان عليه فى الابتداء، لأن قبل إنشاء الخلق هكذا كانت الصورة، وبعد إفنائهم هكذا تصير وتكون الكناية برجوع الأمر إليه عن هذا المعنى، وهو رجوع حقيقىّ، لأنه عاد إلى ما كان عليه متقدما.
ويحتمل أيضا أنّ المراد بذلك أنّ إلى قدرته تعود المقدورات، لأن ما أفناه من مقدوراته الباقية كالجواهر والأعراض ترجع إلى قدرته، ويصحّ منه تعالى إيجاده لعوده إلى ما كان عليه، وإن كان ذلك لا يصحّ فى مقدورات البشر، وإن كانت باقية لما دلّ عليه الدليل، من اختصاص مقدور القدر باستحالة العود إليها، من حيث لم يجز فيها التقديم والتأخير، وهذا أيضا حكم، هو تعالى المتفرد به دون غيره من سائر القادرين، والله أعلم بما أراد.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع